تنتهي الحروب وتبقى أسماؤها

تحفل موسوعات تاريخ الحروب بأسماء كثيرة لعمليات عسكرية شهيرة، تحوّلت إلى كنايات وأوصاف تتجاوز بعدها العسكري والزمني الخاص بها. وقد أحيت “عاصفة الحزم” في اليمن، مؤخّرا، هذه العادة الحربية وفتحت معها المجال لتذكّر بأشهر العمليات العسكرية في التاريخ والتساؤل عن سبب إطلاق هذا الاسم عليها، دون غيره، وخلفية ذلك.
الأحد 2015/05/10
لفظ الصحراء استخدم كثيرا في العمليات العسكرية في المنطقة العربية لما له من دلالة لدى العرب

تزامن دخول الحروب العسكرية في العالم مرحلة الجيل الرابع لها في بداية تسعينات القرن الماضي، ونقل المعارك الحربية على الهواء مباشرة، مع التوسّع في إطلاق أسماء مميزة وقصيرة على كل معركة أو حرب لتسهيل التعامل معها إعلاميا، وتيسير ترديدها على ألسنة أفراد الجيش والشعب والرأي العام عموما؛ علاوة على أهداف أخرى تنطوي عليها، حسب رؤية عدد كبير من خبراء الاستراتيجيات العسكرية، وعلماء السياسة والاعلام والاجتماع السياسي.

وتختلف أسماء العمليات في هدفها ومدتها، وحالة القوة المسلحة التي تمسك بزمام المبادرة، ويبقى اسم العملية يلعب دورا في الحرب النفسية بين الطرفين المتحاربين، خاصة إذا كان الاسم يعكس قيمة دينية معينة، كما حدث في العمليات العسكرية التي درجت إسرائيل على شنها ضد الشعب الفلسطيني في أوقات مختلفة. حيث تستمد بعض أسمائها من التوراة، مثل “عامود السحاب”، وهو ما تردّ عليه حركات المقاومة الفلسطينية بأسماء مستمدة من القرآن مثل “العصف المأكول”، “حجارة السجّيل”.

عسكريا، تعبر الأسماء التي تطلق على العمليات عن تصور قائد العملية وتوجهات الدولة التي تنفذها، كما قال خبراء عسكريون لـ”العرب” ولفتوا الانتباه إلى أن غالبية الأسماء تستمد من طبيعة المكان الذي يشهدها والظروف المحيطة بها. وقلل الخبراء من أهمية اسم العملية الذي يطلق عادة للترويج الإعلامي، باعتبار أن الأهم منه نجاح العملية في تحقيق الهدف الأساسي لها.

ويرى الخبير الاستراتيجي طلعت مسلم أن اسم العملية لا يعبر بالضرورة عن شيء معين أو يحمل مدلولا محددا، مشيرا إلى أن بعض العمليات داخل الجيوش تحمل أرقاما وكلمات لا يفهمها غير العسكريين .

وأضاف مسلم في تصريحات خاصة لـ”العرب” أن أسماء العمليات العسكرية ترتبط بظروف العملية والأجواء المحيطة بها، كما حدث في عملية “درع الصحراء” ثم “عاصفة الصحراء” والتي شنها التحالف المشارك في حرب تحرير الكويت عام 1991، وكانت العمليات المختلفة مستمدة من البيئة الصحراوية، التي كانت مسرحا أساسيا للمعارك الحربية وقتها.

الأسماء الأميركية للعمليات العسكرية تميل إلى أن تكون واضحة ما يعكس طبيعة وغرض العملية بينما تلجأ بريطانيا مثلا لإطلاق أسماء غريبة ومعقدة يصعب على غير العسكريين فهمها

وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن القوات المصرية في حرب أكتوبر أطلقت علي العملية “بدر” تيمنا بغزوة بدر التي خاضها جيش المسلمين أيام الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان.

وجهة نظر قريبة يطرحها اللواء علاء عزالدين مدير مركز دراسات القوات المسلحة السابق، ملخّصها أن الأسماء التي تطلق على العمليات العسكرية التي تشنها الدول والجيوش، تكون غالبا أسماء كودية، وتحمل دلالات معينة للجنود والقيادات المشاركة فيها، وهي تختلف من دولة إلى أخرى، حسب الثقافة السياسية السائدة فيها.

في هذا السياق، يمكن ملاحظة بعض الفروق الجوهرية المهمة بين الثقافة الأميركية وغيرها من الثقافات حيث تميل الأسماء الأميركية للعمليات العسكرية إلى أن تكون واضحة، ما يعكس طبيعة وغرض العملية، بينما كانت بريطانيا تلجأ مثلا لإطلاق أسماء غريبة ومعقدة يصعب على غير العسكريين فهمها في المعتاد.

وقد اختارت اسم “غرانبي” للدور الذي قامت به القوات البريطانية في المراحل الثلاث من الحرب العراقية عام 1991.

وأوضح كريستوفر بيلامي، أستاذ العلوم العسكرية في جامعة كرانفيلد البريطانية، في مقال له، أن هناك مكانا ما في وزارة الدفاع البريطانية يقدم قائمة من الأسماء المستعارة بطريقة عشوائية، وعندما يجري التخطيط لعملية معينة فإن المخططين يختارون واحدا من تلك الأسماء.

يختلف سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، مع الخبراء العسكريين، معتبرا أن الهدف من اسم أيّ عملية عسكرية يكمن في بث روح الشجاعة والأمل في قلوب القوات المنفذة للعملية، وفي الوقت نفسه نشر الخوف والرعب في قلوب الطرف الآخر.

غالبية الأسماء تستمد من طبيعة المكان الذي يشهد العملية العسكرية والظروف المحيطة بها

وقال سعيد، في تصريحات لـ “العرب”، إن الموضوع نفسي بامتياز، تحاول من خلاله الدول منفذة العملية تعظيم قواتها وإشعار جنودها بالقوة، لافتا إلى أن الهنود الحمر هم أول من استخدموا هذه الوسيلة في تشجيع جنودهم، حيث كانت ملابس الجنود على شكل الأسود والحيوانات المفترسة، بما يشعرهم بالقوة ويصيب الآخرين بالرعب .

بدوره، يرى الخبير الإعلامي صفوت العالم أن الأسماء تحمل دلالة رمزية للأحداث والعمليات العسكرية، وتسهل من تداولها في وسائل الإعلام. وأشار العالم لـ”العرب” أن هذا الأسلوب متبع منذ سنوات في معظم دول العالم، حيث يتم اطلاق اسم مميز لأيّ عملية حربية، حتى يسهل توظيفه إعلاميا، وقد يكون الاسم محاولة لتبرير الحرب على غير الحقيقة، كما أطلقت الحكومة الأميركية على عملياتها العسكرية في أفغانستان في أكتوبر 1991 اسم “الحرية الدائمة”. تردّدت، وقتها، أنباء عن رغبة العسكريين في تسميتها “العدالة المطلقة”، لكنهم أرغموا على تغيير الاسم لأسباب غير معلنة.

وأكد صفوت العالم أن دلالة الاسم تحمل في طياتها معاني تسعي من خلالها الدول المنفذة للعملية إلى صناعة صورة ذهنية معينة، في ظل حقيقة راسخة أن المعالجة الإعلامية والدعائية لأيّ عملية عسكرية، تعتبر من أهم وسائل جذب المريدين للحرب وتشجيع الجنود والقوات على القتال ببسالة ودون خوف.

ويقول يسري العزباوي، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية، أن الأسماء التي تطلقها الدول على عملياتها العسكرية بالطبع تحمل دلالات سياسية وعسكرية متعددة، الأمر الذي يتم اختياره بعناية شديدة، بصورة تعبر عن الغرض المطلوب. ونوه العزباوي، في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن الهدف العسكري يكمن في الإيحاء بقوة الجيش المشارك في العملية وببسالة جنوده وقوة العتاد العسكري الذي يملكه .

أما الهدف السياسي فهو حشد المؤيدين والداعمين للعملية العسكرية والترويج لها في أوساط العامة، مع تبرير الضربات التي يتم تنفيذها وسط الرافضين للعملية العسكرية، وذلك باستخدام وسائل الإعلام .

وأكد العزباوي أن المسميات تقتبس من بيئة العملية والأجواء التي تحيط بها، سواء سياسية أو جغرافية أو اجتماعية، مشيرا إلى أن لفظ الصحراء استخدم كثيرا في العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة العربية، لما له من دلالة لدى العرب، حيث يعتبرون الصحراء مصدر للقوة والعزم، كما أنها تعبر عن المفهوم السائد عند الغربي عن طبيعة البيئة العربية.

4