تنجز أكثر عندما تعمل أقل

العمل جعل نومنا أقل جودة وأعصابنا أقل مقاومة للتحمل، ولّد لدينا نوعا جديدا من القلق، وأضر بعلاقاتنا الأسرية ومع الأصدقاء، لكننا لا يمكن أن نترك أعمالنا من أجل أن ترتاح أعصابنا.
الاثنين 2019/09/30
أيزنهاور اختار عزلة مجيدة في إجازته

بالنسبة لي لا يوجد أروع من تيم هارفورد في صناعة وتداول الأفكار عندما يكتب، إنه يفهم بشكل عميق الجوهر المؤثر للصحافة وعلاقتها بالقراء، لكنه بدا لي رائعا أيضا عندما اختار أن يستريح! مع أنه يعمل بجد، وفق ما أقرأ له بشكل دائم بصحيفة فايننشيال تايمز، ولأنه يعمل ببراعة اختار أن يشرح لنا فكرة الإجازة ببراعة.

لا أعتقد أن الإحساس المضني والقلق المتصاعد بشأن المخاوف على مصير الأعمال لدى الأشخاص في العالم الغربي، يشبه ما يشعر به الإنسان العربي حيال عمله، إننا أكثر اطمئنانا منهم، على الأقل بعدم تعرضنا لفقدان العمل كما يتعرضون.

وربما لهذا السبب هناك ما يسمى في الغرب بـ”عبيد الراتب” لأنه متعلق بالقرض العقاري الذي يستمر مع العمر على الأغلب، فلا استقرار في منزل من دون عمل، وهذا سبب كاف للخوف على مصير العمل نفسه، حتى وإن امتلك الموظف عشرات الحوافز للاطمئنان.

الاستراحة من العمل هي نوع آخر من القلق، لكن من دون إجازة يعني قلقا أكثر، مثلما يعني ضررا آخر لنوعية الإنتاج.

يبدو أن هدف أيزنهاور من الاسترخاء في مخبئه كان الحفاظ على طاقته وحكمه الجيد. باختصار، استراح ليصبح جنرالا أفضل عندما يعمل.

يحكى عن الجنرال دوايت أيزنهاور القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية، أنه كان يختار عزلة مجيدة في إجازته، فالأشخاص القلائل الذين زاروه كانوا ممنوعين منعا باتا من التحدث عن العمل، أتدرون لماذا؟ يجيبنا هارفورد عن ذلك بالقول: لأنه يتحمل أعباء عمل بمعدل 18 ساعة في اليوم وبمهام ناجحة، وعليه أن يحافظ على هذا النجاح بالاسترخاء التام. مرجحا أن تكون لدى العلماء الحائزين على جائزة نوبل هوايات فنية وحرفية مهمة أكثر من غيرهم من العلماء، الذين يحتمل أن تكون لديهم هوايات مهمة أكثر منا جميعا.

ومع أن تغيير النشاط يمكن أن يكون دافعا للإبداع. إلا أنه يولد نوعا من الإحباط والخوف خصوصا في اليوم الأول بعد العودة من الإجازة.

مهما يكن من أمر، فإن العمل جعل نومنا أقل جودة وأعصابنا أقل مقاومة للتحمل، ولّد لدينا نوعا جديدا من القلق، وأضر بعلاقاتنا الأسرية ومع الأصدقاء، لكننا لا يمكن أن نترك أعمالنا من أجل أن ترتاح أعصابنا! هذا نوع من البطر، فالحل في التوقف كليا عن العمل في عطلة نهاية الأسبوع، وعدم التردد في أخذ استراحة غير الإجازة الصيفية. فعطلة واحدة لن تؤدي الغرض. لا يمكنك، وفق هارفورد، تخزين فوائد عطلة طويلة مثلما لا يمكنك النوم لمدة 24 ساعة ثم البقاء مستيقظا بتركيز لبقية الأسبوع.

وهذا ما توصل إليه الباحث أليكس سوجونغ-كيم بانغ، مؤلف كتاب “ارتح: لماذا تنجز أكثر عندما تعمل أقل”.

يا… كم أود أن أكون مثالا لهذا العنوان، وأعمل به، لسوء الحظ فشلت في ذلك خلال عقود من العمل.

24