تنديد دولي بالليلة الدموية: من قتل المتظاهرين في العراق

صمت عادل عبدالمهدي يحوّله إلى المتهم الأول بإراقة دماء المحتجين.
الاثنين 2019/12/09
قتل المتظاهرين لخفت صوت الانتفاضة

دفعت مجازر قتل المتظاهرين في العراق، وآخرها مجزرة السنك، إلى تحرك المجتمع الدولي ليحمّل كل طرف مسؤوليته عبر تحقيقات جدية تكشف الجهات التي تستهدف المحتجين قصد إخماد صوت الانتفاضة، خاصة في ظل اتهام الميليشيات الموالية لإيران بالمساعي المتكررة لإجهاض ثورة الشارع العراقي أو عبر ما أثاره رئيس الوزراء المستقيل عادل عبدالمهدي الذي دفع صمته حيال هذه الجرائم إلى وضعه ضمن خانة المتهمين بقتل المتظاهرين.

بغداد – في ظل تصاعد موجات قتل المتظاهرين في بغداد والمحافظات، خصوصاً مجزرة السنك الأخيرة في بغداد، وصل صوت المنتفضين إلى المجتمع الدولي فتواصلت سلسلة الاستنكارات الموجهة إلى حكومة تصريف الأعمال العراقية التي لم يقدم رئيسها أي إجراء منصف بحق الشباب العراقي.

ونددت مجموعة من سفراء دول بريطانيا وفرنسا واليابان وكندا بمجزرة السنك، أما سفير الاتحاد الأوروبي لدى العراق مارتن هوث فقد وصف أحداث ساحة الخلاني وجسر السنك وسط بغداد بـ”جرائم قتل”.

وقال مارتن “إن ما حدث وسط بغداد هو جرائم قتل ضد أعداد من المتظاهرين والقوات الأمنية من قبل عناصر مجرمة من طرف ثالث. وتساءل سفير الاتحاد الأوروبي عمن وصفهم بالمخربين قائلا “من هم المخربون الحقيقيون؟”.

مجموعة من سفراء الدول في العراق يطالبون بتحقيق عاجل لكشف ملابسات قتل المتظاهرين وتقديم الجناة إلى العدالة

وتساءل السفير الكندي ببغداد أولريك شانون “كيف نعيد استقرار العراق، والدولة تسمح بوجود مجموعات مسلحة تمثل أجندات خاصة؟ إنه لا يجوز في أي بلد ذي سيادة أن تسمح الدولة بوجود مجموعات مسلّحة تمثّل أجندات خاصة، على الدولة حماية مواطنيها في سياق القانون وإلا فكيف نعيد الاستقرار ؟”.

ودعت منظمة العفو الدولية بدورها إلى التحقيق العاجل  في الهجوم الذي استهدف متظاهرين بساحة الخلاني وسط بغداد، وتقديم الجناة إلى العدالة، ملمحةً إلى تورط قوات الأمن في المجزرة.

ولعل الدبلوماسية الأميركية تتابع لأول مرة ملف الانتهاكات وفق سياسة يصفها البعض بأنها تتوجه للنفوذ الإيراني في العراق أكثر مما هي موجهة للنظام السياسي القائم في بغداد. فقد عبر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو عن تضامنه مع الشعب العراقي قائلا “إن الشعب العراقي يريد استعادة بلده. إنه يطالب بإصلاحات صادقة وبالمحاسبة، وبقادة جديرين بالثقة يولون مصلحة العراق الأولوية”.

وكانت سفيرة الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي كيلي كرافت قد عقدت مؤتمراً صحافيا لمحت فيه إلى أنه “ستكون لدينا جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي حول العراق، وأن واشنطن مستمرة في مشاوراتها ضمن مجلس الأمن الدولي حول الاحتجاجات في العراق وانتهاك حقوق الإنسان”.

وأضافت كرافت أنه “لا يمكن للسلطات العراقية استخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين، وعليها أن تعلم جيدا أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء تلك الانتهاكات، وستحمّل المتورطين مسؤولية ما حدث”.

وكان مجلس الأمن الدولي قد استمع في 3 ديسمبر إلى تقرير الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت وأدان تقريرها الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في العراق وأعمال القتل والخطف واستخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين.

وحملت بلاسخارت الحكومة العراقية المسؤولية الكاملة عن هذه الانتهاكات وعمليات القتل التي جرت خصوصا في النجف وذي قار، وكررت ذلك بعد مجزرة بغداد “إن القتل المتعمد للمتظاهرين العُزّل على يد عناصر مسلحةٍ ليس أقلّ من أن يُوصف بالعمل الوحشيّ ضدّ الشعب العراقي ويجب تحديدُ هوية الجناة وتقديمهم إلى العدالة دون تأخير”، وحذرت من “أن أعمال العنف التي تُحرّكها العصابات الناجمة عن ولاءاتٍ خارجيةٍ أو ذات دوافعَ سياسيةٍ أو موجّهةٍ لتسوية الحسابات تُخاطر بوضع العراق في مسارٍ خطير”.

لقد فزع العالم لهول المجزرة التي ارتكبت بحق المتظاهرين السلميين من قبل عصابات وثّقت أفلام المتظاهرين في هذه المنطقة، إنهم كانوا من عصابات حزب الله العراقي، وسط صمت حكومي مطبق خصوصاً من قبل رئيس الوزراء المستقيل عادل عبدالمهدي الذي يرفض حتى استدعاء ممثله العسكري الخاص إلى جلسة مجلس النواب العراقي. كل هذا دفع المندوبة الأميركية في مجلس الأمن إلى المطالبة بمحاكمته باعتباره المسؤول التنفيذي الأول.

ويبدو أن المندوبة الأميركية والناطقة باسم الخارجية تتضامن مع رغبات جهات عراقية محلية مطالبة بمحاكمة عبدالمهدي، فقد طالب صباح الساعدي رئيس كتلة سائرون في مجلس النواب العراقي مجلس القضاء الأعلى بتشكيل محكمة مختصة لمحاكمة رئيس الحكومة وأعضائها والقادة الأمنيين بكافة مستوياتهم ورتبهم الذين شاركوا في قمع التظاهرات وقتل المتظاهرين.

حناجر تطالب بمحاسبة المجرمين
أصوات تنادي بمحاسبة المجرمين 

وتعد المؤشرات قوية على انتقال ملف انتهاكات حقوق الإنسان في العراق إلى المنظمة الدولية، وقد تتجه الأمور إلى اتخاذ إجراءات من شأنها إعادة العراق إلى طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، خصوصا بعد أن أيقن المجتمع الدولي أن الطرف الثالث الذي يقوم بقتل المتظاهرين السلميين وخطف وقتل الناشطين منهم من ساحات التظاهر، هو إما أن يكون الحكومة نفسها وإما أن يكون جهة تعرفها الحكومة من دون أن تتخذ أي إجراء لمنعها من القيام بهذه الجرائم والانتهاكات.

ومن المعلوم أن العراق حالياً هو تحت البند السادس الذي وضع العراق تحت دائرة الرقابة والمتابعة وتم تشكيل الممثلية الأممية في العراق يونامي وفق ذلك، لكن عملها لا يتجاوز المراقبة والاستشارة للحكومة العراقية في وقت يجد فيه المراقبون أن هذه الحكومة هي التي تدور حولها الشكوك بالتورط في جرائم ضد الشعب العراقي.

ويرى المراقبون أن البيانات الأميركية الشديدة هي دعوة واضحة من واشنطن للمجتمع الدولي للانضمام إليها لدعم مستقبل أفضل للعراق والعراقيين.

وقال مدير المركز الدولي للعدالة الدكتور محمد الشيخلي لـ”العرب” إن “الوضع في العراق قد ينتقل إلى صفحات أخرى من الانتفاضة نتيجة التجاهل الحكومي المتعمد لمطالب الشعب العراقي، إضافة إلى أن الجميع أدرك فشل ما يسمى بالعملية السياسية نظرا لفسادها السياسي والاقتصادي ومساهمتها الفعالة في سرقة الثروات والميزانية العامة، وبنائها على أسس طائفية وتوافقية ومحاصصة تتعارض مع الأسس الصحيحة لبناء دولة ديمقراطية”.

وأضاف الشيخلي أن “وجود دستور مليء بالألغام سيؤدي إلى تفاقم الوضع العراقي. ولهذه الأسباب فإن انتقال الانتفاضة إلى مرحلة جديدة قد يكون فيها السلاح هو اللغة المشتركة عندها سيصبح الوضع العراقي مهددا للأمن والسلم الدوليين”.

وأكد أن النتائج لن تقتصر على الوضع العراقي فحسب وإنما ستصبح إقليمية ودولية، وأن هذه المؤشرات تستدعي أن يتحمل المجتمع الدولي ممثلا في الأمم المتحدة ومجلس الأمن مسؤولياته الأخلاقية والقانونية بموجب ميثاق الأمم المتحدة باعتبار أن العراق عضو مؤسس وفاعل مؤثر في المنظومة الدولية.

وعبر الشيخلي عن يأسه من المعالجات المحلية والإقليمية التي زادت من التدخل الإيراني وأدت إلى تفاقم الوضع في العراق وتسببت في أنهار من الدماء، مضيفاً أن الاحتلال الأميركي كانت له عواقب وخيمة ليس على العراق فحسب وإنما على الوضع الإقليمي والدولي.

7