تنديد دولي بالهجوم الإرهابي على مقر "شارلي إيبدو" بفرنسا

الخميس 2015/01/08
فرنسا تتعرض لأول هجوم إرهابي منذ 40 عاما باستهداف صحيفة أثارت مشاعر المسلمين

باريس - استفاق الفرنسيون والعالم على وقع عملية إرهابية فظيعة في العاصمة باريس استهدفت إحدى أشهر الصحف الفرنسية الساخرة حيث أثار الحادث كثيرا من ردود الأفعال السياسية، في دول عدة، وبدا في نظر غالبية الخبراء أنه نوع من الانتقام من قبل جماعات إسلامية متشددة، لجملة من المواقف والتصرفات الفرنسية في كل من ليبيا والعراق وسوريا ومالي والنيجر، أكثر من كونه محاولة لتصفية حسابات مع الصحيفة.

ولقي 12 شخصا مصرعهم، أمس الأربعاء، على إثر هجوم مسلح استهدف مقر الصحيفة الأسبوعية الفرنسية “شارلي إيبدو” الساخرة في العاصمة باريس، فيما أصيب عشرون آخرون بجروح متفاوتة، وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية.

وذكر مصدر قضائي فرنسي، لم يكشف عن اسمه، للوكالة أن من بين القتلى 4 من أشهر رسامي الكاريكاتير في الصحيفة وهم شارب وجون كابو وجورج ولينسكي وتينوس، كما قتل شرطيان أثناء مواجهة المسلحين.

ويعد هذا الاعتداء غير المسبوق، الذي على ما يبدو أن إسلاميين متطرفين نفذوه، الأكثر دموية في فرنسا منذ ما يقارب الأربعين عاما حيث تسبب في حالة من الصدمة والذعر في البلاد ما دفع السلطات إلى رفع حالة التأهب في صفوف أجهزة الأمن.

وتوجه الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، إلى موقع الحادث حيث ندد بالهجوم قائلا إنه “عمل على قدر استثنائي من الوحشية”، مؤكدا على أن هذا الاعتداء إرهابي بلا شك وداعيا في الوقت نفسه الفرنسيين إلى الوحدة الوطنية.

ديفيد كاميرون: أعمال القتل مرفوضة وسنقف مع فرنسا في الحرب على الإرهاب

ويبدو أن هذا الاعتداء نفذه مسلحان مقنعان أظهرتهما كاميرات المراقبة المثبتة في الشوارع المحيطة بالصحيفة، كما أكدت مصادر في الشرطة نقلا عن شهود عيان قولهم بأن المهاجمين هتفا “الله أكبر، الله أكبر”.

وروى الصحفي الفرنسي، بينوا برينجيه، الذي شهد الهجوم أن ملثمين مسلحين شنا الهجوم، بينما أفاد بيار كوسيت، المذيع في “أوروبا 1”، أن المهاجمين المزودين بأسلحة أوتوماتيكية وقاذفة صواريخ تمكنا من الفرار في سيارتين ومعهما رهينة بعد تبادل للنار مع رجال الأمن. لكن وزير الداخلية الفرنسي، برنار كازنوف، أكد أن عدد مهاجمي مقر صحيفة “شارلي إبدو” بلغ ثلاثة أشخاص وليس شخصين كما ذكر من قبل.

وفي أول ردود الأفعال الدولية، وصف رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، الاعتداء بـ”البغيض”، مشددا على أن بلاده تقف إلى جانب فرنسا في الحرب على الإرهاب.

وقال كاميرون في بيان عبر حسابه الشخصي على “تويتر” “أعمال القتل في باريس بغيضة. ونقف إلى جانب الشعب الفرنسي في الحرب على الإرهاب وفي الدفاع عن حرية الصحافة”.

كما دان الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الهجوم الذي وصفه بأنه “إرهابي”. وقال “نحن على اتصال بالمسؤولين الفرنسيين، وقد أوعزت إلى إدارتي بتقديم المساعدة المطلوبة لإحضار الإرهابيين أمام العدالة”.

من جهته، بعث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برسالة تعزية إلى الرئيس فرنسوا هولاند يدين فيها بـ”حزم” الهجوم “الإرهابي”، حيث قال المتحدث باسمه، ديمتري بيسكوف، إن “موسكو تدين بحزم الإرهاب بجميع أشكاله”.

الصحفيون القتلى في الهجوم على مقر الصحيفة
كابو (76 عاما): تميز ببراعة منقطعة النظير في التحكم بريشته مما أتاح له أن يرسم بسهولة شديدة مختلف الشخصيات

شارب (47 عاما): يعد من صحفيي الجيل الثاني في صحيفة "شارلي إيبدو" حيث توقع خبراء الإعلام أن يخلف كابو وولينسكي

ولينسكي (80 عاما): يعد أيضا من أشهر رسامي الكاريكاتير في فرنسا وخاصة في الصحيفة الهزلية، ولد في تونس

تينوس (47 عاما): يعد من الجيل الثاني في مجال الرسم الكاريكاتيري في الصحيفة وبفقدانه فقدت ألمع رساميها

بدورها، نددت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل في رسالة تعزية إلى الرئيس الفرنسي بالهجوم ووصفته بأنه “حقير”. وقالت “أصبت بالصدمة فور معرفتي بالهجوم الحقير على الصحيفة في باريس”.

وفي كندا، لم يغرد رئيس الوزراء، ستيفن هاربر، خارج السرب حيث استنكر بشدة الهجوم واصفا إياه بأنه “إرهابي وبربري”. وكتب على حسابه في “تويتر” “لقد روعني هذا العمل الإرهابي البربري”.

من ناحيته، ندد رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، بالاعتداء وقال في بيان “أصبت بالصدمة جراء الهجوم الوحشي وغير الإنساني على مقر (شارلي إيبدو). إنه عمل بربري لا يطاق”.

إلى ذلك، وصفت أسبانيا الهجوم بأنه “عمل إرهابي جبان وخسيس” وأعربت الحكومة عن “تعازيها باسم الشعب الأسباني وإدانتها الشديدة لهذا الهجوم”.

وفي السياق نفسه، أكد خبراء أمنيون في مصر لـ”العرب” أن هذه العملية جرى تدبيرها بصورة جيدة، وأن من وقفوا خلفها، درسوا المكان والبيئة المحيطة به، ونجحوا في توصيل رسالتهم بطريقة بشعة، منوهين إلى أن العلمية سوف تكون لها تداعيات كبرى على سياسات فرنسا.

وفي هذا الصدد، قال هشام النجار الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية لـ”العرب” إن “الحركات المتطرفة التي تجهل المعرفة الحقيقية بالدين الإسلامي مسؤولة عن الهجوم الذي استهدف الصحيفة الفرنسية”، معتبرا أنه تصرف ممنهج، نتيجة الواقع السياسي المرتبك الذي تعيشه تيارات الإسلام السياسي في العالم.

باراك أوباما: أوعزت بتقديم المساعدة المطلوبة لإحضار الإرهابيين أمام العدالة

واستنكر النجار، وهو جهادي سابق، الحادث، وقال “مهما كان الخلاف مع الصحيفة لا يجب أن يكون الرد بالقتل”، مؤكدا أن الثأر والانتقام الدموي من الصحيفة، لنشرها رسوما مسيئة للنبي، هو الدافع الأساسي الذي يقف خلف الحادث.

أما سامح عيد المنشق عن جماعة الإخوان المسلمين، فقد اعتبر ما حصل، أمس، في فرنسا تطورا نوعيا في العمليات الإرهابية، وأوضح لـ”العرب” بأنها ستكون أهم المشاكل القادمة بالنسبة للغرب، الأمر الذي يحتاج إلى مواجهة فعلية وسياسات على الأرض، تقضي على المجرمين.

كما أوضح عيد أن حالة التعصب الموجودة لدى كثير من التيارات الإسلامية الموجودة في الغرب، أخطر من تيارات الإسلام السياسي في الشرق، بسبب عدم وجود سياسة واضحة ومؤسسات دينية تحكم عملية الخطاب الديني في الغرب.

وأشار في هذا الجانب إلى أن المؤسسات الدينية في الدول العربية، لا سيما في مصر في حاجة إلى إدخال تعديلات كبرى على الخطاب الديني الراهن، والوصول إلى الغرب لتعريف المسلمين بحقيقة الدين الصحيح، حتى لا يكونوا فريسة لجماعات المصالح والإرهاب، التي توظف الدين لخدمة مصالح محددة.

واتفق، من ناحيته، كمال حبيب الخبير في الحركات الجهادية، مع الرأي الذي ذهب إلى أن الحادث “عمل انتقامي من السياسات الفرنسية في الشرق الأوسط وتحديدا في مالي وليبيا”.

وقال لـ”العرب” إن “هناك مجموعات تنتهج سياسة الذئاب المنفردة، يمكن القول إنها تقف وراء هذا النوع من الحوادث”، لافتا إلى أن هذه المجموعات تحمل فكر تنظيم داعش المتطرف.

وأشار حبيب إلى أن هذا الحادث يأتي في سياق سلسلة من العمليات الإرهابية، التي استهدفت الغرب، كما حدث في مقهى سيدني مؤخرا، مشددا على أن حادث باريس أكثر احترافية، وكشف أن منفذيه تدربوا في ساحات قتال كبرى.

إلى ذلك، توقع منير أديب الخبير في شؤون الحركات الإسلامية في تصريحات خاصة لـ”العرب” أن تشهد الفترة القادمة المزيد من العمليات الإرهابية في عدد من الدول الغربية، وقد تصل إلى قلب الولايات المتحدة وبريطانيا.

ورجح أديب أن يكون منفذو حادث فرنسا جماعات مقربة من داعش إن لم يكن التنظيم نفسه هو الذي يقف خلف الحادث، مشيرا إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية سبق له أن أعلن النفير منذ تشكيل التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب الذي تقوده الولايات المتحدة.

وقال أديب، إن “أبو محمد العدناني المتحدث باسم داعش، دعا من قبل جميع الجهاديين في العالم إلى تشكيل تحالف مناهض لتحالف أميركا، واستهداف الدول المشاركة في ضرب التنظيم، وهو ما حدث في أستراليا ثم فرنسا.

كما شدد الخبير المصري على أن هناك جماعات إسلامية في المنطقة العربية، كانت قد استجابت لنداء داعش، حيث أعلن تنظيم جند الخلافة في الجزائر ذبح صحفي فرنسي، بعد اختطافه بسبب سياسات فرنسا في المنطقة.

5