تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين.. معارضة موالية للحكومة

مصادر تكشف لـ"العرب" أن الحركة تسعى لضم شخصيات شبابية ذات ثقل فكري، لأن المجموعة الحالية ليست قادرة على صياغة خطاب مقنع وبلورة رؤية وخطة عمل لها.
الثلاثاء 2018/06/19
الحكومة المصرية تحتوي المعارضة

القاهرة - نجحت الحكومة المصرية في إحكام قبضتها على المجال العام، وفرضت سيطرتها على غالبية الأحزاب، وقامت بتصعيد كيانات وتكتلات صنعتها داخل أروقة أجهزة أمنية. وفوجئت الساحة السياسية مؤخرا بإطلاق مبادرة جديدة عرفت باسم “تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين”، تضم مجموعة من الأحزاب والنشطاء من ذوي الانتماءات السياسية المختلفة والرؤى المتباينة.

جاء التدشين تتويجا لتحركات ولقاءات سرية عقدت في أروقة أحد الأجهزة السيادية. وأصدرت التنسيقية بيانها الأول وقدمت فيه نفسها بكونها تضم عددا من شباب الأحزاب من مختلف التوجهات، بذريعة أنهم يقدمون تجربة جديدة في العمل العام.

وتحاول التنسيقية الترويج لكونها “معارضة بناءة”، إلا أن خطابها العام تشوبه لهجة مبايعة للنظام الحاكم، ما يجعلها تشكل رديفا أو ذراعا للموالاة، وليست كيانا له مواقف مستقلة، وعلى العكس اشتمل البيان التأسيسي على هجوم للأصوات الناقدة.

وتضم التنسيقية أحزاب الوفد والمصريين الأحرار والإصلاح والتنمية والحرية وحماة الوطن والنهضة والشعب الجمهوري والمؤتمر ومستقبل وطن والتجمع والغد والناصري ومصر الحديثة والجيل والمحافظين والنور ومصر بلدي والحركة الوطنية المصرية.

وانسحب حزب الدستور بعد ضغوط من قبل عدد كبير من أعضائه. وجاءت المفاجأة بانضمام حزب المصري الديمقراطي، وهو حزب يساري معارض، وحزب الإصلاح والتنمية، الذي يرأسه البرلماني السابق محمد أنور السادات، وكلاهما محسوب على تكتل الحركة المدنية المعارضة التي يجري ملاحقة أعضائها والتضييق على أنشطتها، وآخرها الاعتداء على أعضائها أثناء حفل إفطار جمعهم قبل نهاية شهر رمضان.

وكشفت مصادر لـ”العرب” أن الحركة تسعى لضم شخصيات شبابية ذات ثقل فكري، لأن المجموعة الحالية ليست قادرة على صياغة خطاب مقنع وبلورة رؤية وخطة عمل لها.

ورغم أن الهدف الظاهر هو تنسيق المواقف السياسية والاقتصادية والاجتماعية تجاه قضايا عدة، إلا أن تنافر المواقف يشكك في إمكانية التوصل إلى ذلك، فكيف يجتمع اليمين الرأسمالي مع تيارات يسارية وقومية؟ وكيف يمكن لأحزاب مدنية التفاعل والعمل مع أخرى دينية؟

يبدو أن الحكومة، كما استقطبت قطاعا عريضا لها من الموالين في كل المجالات، وصلت إلى مرحلة صناعة قوى معارضة لها بمواصفات خاصة، بحيث يمكن السيطرة عليها والتحكم في مواقفها واستخدامها عند الحاجة.

ولم يكن ذلك هو التدخل الأول لأجهزة سيادية في المشهد السياسي، وسبق أن مارست الدور ذاته خلال تشكيل البرلمان الحالي، فغاب دوره الحقيقي في التشريع والرقابة على السلطة، وأصبح أداة طيعة لتنفيذ أغراض سياسية حددتها السلطة التنفيذية لتمرير القرارات الحكومية.

ويرى مهتمون بالشأن السياسي أن التنسيقية شكل ديكوري وإحدى أدوات التجميل السياسي لوجه السلطة المتهمة بقمع المعارضة، ويتم استغلال الأعضاء في إطار دور مرسوم ومحدد ومخطط له بعناية يستهدف ضرب أي حراك وطني معارض.

ولم يكن من الصدفة أن يتزامن الإعلان عن “التنسيقية” مع الإعلان عن رفع أسعار الوقود، بل جاء متعمدا لغرض استخدام الأعضاء، رغم تأثيرهم المحدود للمساهمة في امتصاص الغضب الناجم عن القرارات القاسية أو على الأقل تحييد المنتمين إليها يؤثرون الصمت أو تخرج لغة الانتقاد هادئة.

ويأتي الدفع بالتنسيقية ضمن محاولة إقصاء جبري لقيادات المعارضة المؤثرة، والضغط عليها وسط توجهات لتصعيد معارضة بديلة.

ويرى مدحت الزاهد، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أنه لا توجد تنسيقيات بغرض الاصطفاف لتأييد سياسات الحكومة، ويفترض أن تنشأ حول أهداف مشتركة وتجمع بين أعضائها رؤى متشابهة وحركة مختبرة على أرض الواقع.

وقال لـ”العرب” “هذا التجمع لن يكتب له البقاء، وما يجمع بينها (الأحزاب) هو المصالح والمخاوف”، لافتا إلى أن هناك أحزابا تتخذ مواقف معارضة، وتطلق تصريحات وتمهر توقيعها على بيانات، وترفض إغلاق السلطة الحاكمة للمجال العام وتقييد الحريات، ثم توافق على أن تكون جزءا من هذه التنسيقية التي احتوى بيانها الأول على معاني مخالفة لهذه التوجهات. ويصنف الزاهد هذه التنسيقية ضمن “الانتهازية السياسية”.

وحول انضمام بعض الأحزاب المحسوبة على الحركة المدنية، ويعد الزاهد أحد قياداتها، إلى التنسيقية، أوضح أن “الحركة ككيان معارض غير مشاركة في التنسيقية، لكن هناك أطراف منضوية تحت لوائها لها مواقف مختلفة باسمها وليس باسم الحركة، وهذا لا يعفيها من المسؤولية السياسية”.

وقال المعارض الناصري أمين اسكندر، إنه ينبغي على أجهزة الأمن أن ترفع يدها عن العمل السياسي وتتركه يتفاعل مع المجتمع، وكل محاولات بناء حركات سياسية من قبل أجهزة الأمنية لن يكتب لها البقاء ومصيرها الانهيار.

وأوضح لـ”العرب” أن السياسة يصنعها المجتمع، والديمقراطية هي تفاعل الشعب مع واقعه بكل حرية وتعدد وتنوع، وهذا هو الشكل الوحيد لأي عمل سياسي يعيش ويستمر، ومن يتحلى بالمبادئ والأفكار والنظريات السياسية والتاريخ النضالي سيستمر مهما بلغ حجم التضييق.

وانتقد اسكندر التدخل السافر من قبل أجهزة الدولة العميقة في الحياة السياسية، بداية من رسم حدود تحركاتها وحتى القوانين الجائرة التي تلقي القبض على النشطاء، وضعف الأحزاب وعدم القدرة على ابتداع أشكال جديدة للتواصل مع الجمهور.

6