تنسيق فرنسي أميركي روسي لتهدئة التوتر بين أرمينيا وأذربيجان

وقوف الدول الكبرى على طرفي نقيض في الأزمة الأرمينية الأذربيجانية تنضاف إلى سلسلة التناقضات والخلافات الفرنسية التركية من سوريا وليبيا وصولا إلى أزمة المتوسط.
الجمعة 2020/10/02
أزمة تزيدها الأجندات الإقليمية اشتعالا

يثير التدخل التركي في الأزمة بين أذربيجان وأرمينيا ودعمها العلني لباكو المخاوف من أن يتصاعد الصراع ويتحول إلى حرب شاملة بين قوى عظمى متنافسة في المنطقة. ولم تجد دعوات التهدئة الدولية صدى يذكر لدى طرفي النزاع مما يزيد من مخاطر التدخل الخارجي المباشر في الأزمة ما لم تلتزم أنقرة الحياد.

ستيباناكرت (أذربيجان)- استمر القصف المدفعي العنيف المتبادل بين المقاتلين الأرمن والجيش الأذري الخميس رغم الدعوات الدولية الجديدة لإنهاء القتال المستمر منذ أيام للسيطرة على جيب ناغورني قره باغ المتنازع عليه، فيما تتمسك باكو بالحسم العسكري مدفوعة بدعم تركي حذرت باريس وموسكو من تداعياته على أمن منطقة القوقاز الإستراتيجية.

ودعى رؤساء فرنسا وروسيا والولايات المتحدة لوقف إطلاق النار في ناغورني قره باغ، حاضين أرمينيا وأذربيجان على الالتزام بإجراء مفاوضات دون تأجيل.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب في بيان مشترك أصدره الإليزيه “ندعو لوقف فوري للأعمال العدائية بين القوى العسكرية المعنية”، كما دعوا قادة البلدين “لاستئناف المفاوضات الجوهرية”.

والمحادثات الهادفة لتسوية النزاع، والتي بدأت مع تفكك الاتحاد السوفيتي في 1991، متعثرة بشكل كبير منذ اتفاقية لوقف إطلاق النار عام 1994.وبذلت فرنسا وروسيا والولايات المتحدة جهود وساطة ضمن “مجموعة مينسك”، لكن آخر وأكبر تلك المساعي انهارت في 2010.

وكان القتال الذي بدأ في نهاية الأسبوع امتدادا للأعمال القتالية المستمرة منذ عقود في المنطقة التي يسيطر عليها الأرمن والمعترف بها دوليا كجزء من أذربيجان ذات الأغلبية المسلمة.

ويثير القتال مخاوف من أن يتصاعد الصراع ويتحول إلى حرب شاملة، حيث سعى الجانبان إلى القوى الإقليمية، تركيا وروسيا للحصول على الدعم. وتعتمد أرمينيا الفقيرة بشكل كبير على الدعم من روسيا، التي لديها تراث مسيحي مشترك، بينما تحظى أذربيجان الغنية بالنفط بدعم تركيا ذات الأغلبية المسلمة، وذلك بفضل العلاقات الوثيقة بين السكان من أصول تركية.

إيمانويل ماكرون: لدينا معلومات مؤكدة حول انتقال مقاتلين عبر غازي عنتاب
إيمانويل ماكرون: لدينا معلومات مؤكدة حول انتقال مقاتلين عبر غازي عنتاب

وعلى عكس روسيا التي لم تنخرط إلى حد الآن في الأزمة واقتصر تدخلها على دعوات التهدئة الدولية المشتركة، انبرت تركيا منذ الساعات الأولى لاندلاع الاشتباكات الأحد في التحريض على التصعيد، وسط تقارير عن إرسالها لمرتزقة سوريين للقتال إلى جانب باكو وهو ما لمحت له موسكو وأكدته باريس.

وقال ماكرون لدى وصوله للمشاركة في قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل “لدينا معلومات اليوم تشير بشكل مؤكد إلى أن مقاتلين سوريين من مجموعات جهادية انتقلت عبر غازي عنتاب للوصول إلى مسرح العمليات في ناغورني قره باغ. هذا واقع جديد خطير للغاية يغيّر الوضع”.

وأضاف “اتفقنا مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تبادل كل المعلومات المتوفرة لدينا حول هذا الوضع والقدرة على استخلاص كل العواقب”.

ونقلت وكالة تاس للأنباء عن الكرملين قوله الخميس إن مجلس الأمن الروسي يعتبر أي نشر لمقاتلين من سوريا وليبيا في منطقة الصراع بين أرمينيا وأذربيجان تطورا خطيرا للغاية، فيما أبلغ مصدران من المعارضة السورية المسلحة رويترز أن تركيا ترسل مقاتلين سوريين لدعم أذربيجان.

وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان وناشطون آخرون بأن تركيا نقلت عناصر تابعة لفصائل المعارضة المسلحة السورية إلى أراضي أذربيجان على خلفية التصعيد العسكري مع أرمينيا.

وقال المرصد إن “دفعة من مقاتلي الفصائل السورية الموالية لأنقرة وصلت إلى أذربيجان، حيث قامت الحكومة التركية بنقلهم من أراضيها إلى هناك”.

وأوضح المرصد أن هذه الدفعة “وصلت الأراضي التركية قبل أيام قادمة من منطقة عفرين شمال غربي حلب… دفعة أخرى تتحضر للخروج إلى أذربيجان، في إطار الإصرار التركي على تحويل المقاتلين السوريين الموالين لها إلى مرتزقة”.

وتداول ناشطون أرمن مقطع فيديو يوثق حركة مكثفة لمسلحين يرددون هتافات باللغة العربية على متن عربات قيل إنها تتجه إلى جبهات القتال في صفوف أذربيجان ضد القوات الأرمينية.

واتهمت أرمينيا تركيا بالفعل بالتورط المباشر في الصراع، قائلة إن مقاتلة تركية من طراز إف16 أسقطت طائرة حربية أرمينية في وقت سابق من الأسبوع الجاري، مما أسفر عن مقتل الطيار.

ويرى مراقبون أن استقواء باكو بالدعم التركي دفعها إلى إلغاء خيار التسوية السلمية والتوجه للحسم العسكري وهو ما أكده الرئيس الأذري إلهام علييف بالقول إن “سنواصل العمليات العسكرية حتى تنسحب أرمينيا من المنطقة…الدعوات للحوار لا فائدة منها”.

وكان الرئيس الفرنسي قد صرح الأربعاء أن فرنسا لن تقف مكتوفة الأيادي تجاه ما يحصل في المنطقة، قائلا “نقول لأرمينيا والأرمن إن فرنسا ستفعل ما يجب فعله”. وينضاف الوقوف على طرفي نقيض في الأزمة الأرمينية الأذربيجانية إلى سلسلة التناقضات والخلافات الفرنسية التركية من سوريا وليبيا وصولا إلى أزمة شرق المتوسط.

وعشية انعقاد قمة أوروبية تمتد على مدى يومين للنظر في إستراتيجية مواجهة التهديد التركي للمياه الإقليمية مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط، لم تستبعد فرنسا فرض عقوبات أوروبية جديدة على تركيا. وقال وزير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية كليمنت بيون الخميس إن على الاتحاد الأوروبي أن يقف بحزم تجاه تركيا وإن هذا قد يعني فرض عقوبات محتملة.

وقال لقناة فرانس 2 التلفزيونية “يجب أن تكون هناك مؤشرات على قوة العزم في المدى القريب. سنرى إن كان سيتم فرض عقوبات”.

انبرت تركيا منذ الساعات الأولى لاندلاع الاشتباكات في التحريض على التصعيد، وسط تقارير عن إرسالها لمرتزقة سوريين للقتال إلى جانب باكو

ويرى دبلوماسيون أن الاتحاد الأوروبي لن يفرض عقوبات على تركيا خلال هذه الجلسة بعد أن أذعنت أنقرة لمطالبه بالجلوس لطاولة المفاوضات والحوار مع أثينا، لكن سيف العقوبات يظل قائما إذا ما تراجعت أنقرة عن التزاماتها بوقف التصعيد وسحب سفن التنقيب من المناطق المتنازع عليها.

ولا يبدو أن لدى دول التكتل الـ27 الكثير من المجال للتحرك إذ عليها ألا تضر بالحوار الذي وعدت أثينا وأنقرة بإطلاقه، لكنها تنوي أيضا توجيه رسالة حازمة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان والتعبير عن تضامنها التام مع اليونان وقبرص.

وقال دبلوماسي أوروبي “ثمة إرادة جماعية للعودة إلى العلاقات الجيدة مع تركيا لكن بشروط”. وأضاف “يجب إيجاد الأدوات المناسبة والجدول الزمني المناسب والرسالة السياسية الصائبة”. ورأت الدول الـ27 في قرار أنقرة سحب سفينة التنقيب عن النفط من المياه اليونانية مؤشرا إيجابيا.

وأعلن مسؤول أوروبي “لكننا لم نر الخطوات نفسها حيال قبرص”. وقال بيار رازو المدير الأكاديمي للمؤسسة المتوسطية للدراسات الإستراتيجية “اليوم رسمت الولايات المتحدة وروسيا خطوطا حمراء مع أردوغان في بحر إيجه وفي ليبيا وحتى في ناغورني قره باغ. وحدهم الأوروبيون لم يفعلوا ذلك حتى الآن”.

5