تنشئة الأطفال: بيولوجيا الفقر والعنف

الخميس 2014/06/05
الحرمان يحول دون نمو الطفل الفكري والعاطفي ويعرقل فرصة تحقيق النجاح

كيب تاون (جنوب أفريقيا) – قد يكون للتقدم العلمي في مجال البيولوجيا البشرية تأثير عميق على السياسات التي تتبعها الحكومات والمنظمات تجاه الأمهات الشابات ومقدمي الرعاية والأطفال في المجتمعات الفقيرة، إذ توجد مجموعة من الأدلة العلمية الجديدة التي تثبت أن البيئة التي ينمو فيها الطفل الصغير محورية في تشكيل عقله بطرق يمكن أن تؤثر بشكل كبير على حظوظه في الحياة في وقت لاحق.

“الإجهاد الضار”، يرسم دورة لا هوادة فيها من التوتر الذي يعاني منه الطفل الذي يكافح والداه من أجل البقاء، ويكونان غير قادرين على رعايته بشكل صحيح، مما قد يحول دون نموه الفكري والعاطفي ويعرقل فرصه في تحقيق النجاح.

في هذا الصدد، قال باراك مورغان، اختصاصي البيولوجيا العصبية في جامعة كيب تاون: “لقد عرفنا منذ وقت طويل أن مرحلة الطفولة المبكرة مهمة للغاية، ولكن العلم ينبئنا الآن بمدى أهميتها بالضبط. ففي حين تميل السياسات التعليمية إلى التأكيد على أهمية السنوات الأولى من الدراسة، يقترح هذا العلم الجديد أن الإطار الزمني الممتد من الولادة إلى سن ثلاث سنوات يمكن أن يكون الفترة الأكثر فعالية من حيث التكلفة والحسم في التدخل في حياة الطفل”.

وفي ورقة بحثية بعنوان “التأصيل البيولوجي للشدائد في مرحلة الطفولة المبكرة: الإجهاد الضار والحلقة المفرغة من الفقر في جنوب أفريقيا”، نشرت محتواها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، الخدمة الإخبارية التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يفسر مورغان كيف تضيف بعض الإشارات من البيئة “علامات فوق جينية” دائمة على الحمض النووي خلال فترات حساسة من النمو المبكر للدماغ – قبل وبعد الولادة على حد سواء. ثم تبدأ فترة المقاومة، حيث يصبح من الصعب للغاية تغيير هذه المسارات، كما أن أول عامين أو ثلاثة في حياة الطفل تعد حاسمة في اكتسابه لمهارات التنظيم الذاتي العاطفية التي تصنع الفرق بين الفشل والنجاح لاحقاً في الحياة.

وأظهرت الأبحاث الرائدة التي كتبها الكندي مايكل ميني منذ عدة سنوات عن الفئران المخبرية أن كمية لعق وتنظيف الفئران الوليدة في الأيام الأولى من حياتها تحدد استجاباتها للإجهاد.

الإطار الزمني الممتد من الولادة إلى سن ثلاث سنوات يمكن أن يكون الفترة الأكثر فعالية من حيث التكلفة والحسم في التدخل في حياة الطفل

وكانت الفئران التي تلقت الحد الأدنى من اللعق والتنظيف معدة للنجاة في بيئتها عن طريق استجابة “الهروب أو القتال” من خلال وجود علامات فوق جينية أكثر على جين الإجهاد الرئيسي في الدماغ. وظهر عدد أقل من هذه العلامات على الفئران الوليدة التي تم لعقها وتنظيفها بشكل كاف، سواء من قبل والدتها البيولوجية أو البديلة، مما جعلها مقاومة للإجهاد ومستعدة للنجاح.

كما أظهرت الدراسات التي أجريت على البشر في وقت لاحق، أيضاً في كندا، أن عدداً أكبر من العلامات فوق الجينية ظهرت على أدمغة ضحايا الانتحار، مماثلة لتلك التي ظهرت على الفئران الوليدة التي عانت من سوء الرعاية.

وذكر مورغان في بحثه أن “تكوين شكل وتأثير هذه الممرات يحدث مرة واحدة خلال النمو المبكر عندما تصبح التأثيرات البيئية، الناتجة عن الرعاية الأبوية، أكثر تجذراً في بيولوجيا الذُرية”.

وأضاف مورغان أنه اتضح أن الأطفال الذين يعانون من سوء التنظيم الذاتي يصبحون من البالغين الذين يعانون من “معدلات أعلى بكثير من الإدمان والإجرام والمشاكل المالية والانفصال عن الأزواج بعد ولادة الأطفال، وقدر أقل بكثير من الدخل ومهارات التخطيط المالي والوضع الاجتماعي والاقتصادي والصحة البدنية”.

وأشار أيضاً إلى أن “علم الأعصاب المتعدد التخصصات كشف في الفترة الأخيرة أن الفقر الشديد يؤثر على النسيج البيولوجي للأجساد والعقول بطرق تؤدي إلى شلل النمو الصحي”.

وتؤكد النتائج الجديدة للأبحاث أن النقاش الدائر حول “الطبيعة” مقابل “التنشئة” عفا عليه الزمن. ويرى مورغان أنه من الواضح الآن أن الجينات والبيئة تشكلان كلا لا يتجزأ. وكتب في بحثه أن “الجينات لا يمكن أن تفعل شيئا بمفردها، وأن شيئا ما في البيئة يجب أن يخبر الحمض النووي متى وماذا يفعل. وقد تبين أن الطبيعة مقابل التنشئة تحولت إلى الطبيعة والتنشئة”.

إن معرفتنا بما يحدث داخل عقل الطفل يجب أن يوجه اهتمامنا إلى الخارج – نحو البيئة – وإلى الحد من الفقر والعنف. كما يمكن أن يؤثر التعرض لهذه السلبيات في وقت لاحق في الحياة على نمو الطفل، ولكن يبدو أن التعرض المبكر لها هو الأشد تأثيراً”. وأضاف أنه “كلما ثُني الغصن مبكراً كان من الأرجح أن ينمو في الاتجاه الذي يُثنى فيه”.

ويرى البعض أن هناك أدلة كافية في متناول اليد لدفع الحكومات نحو تنفيذ سياسات جديدة تهدف إلى الحد من تأثير العنف والفقر على الرضع والأطفال الصغار. ويتولى جاك شونكوف، مدير مركز الطفل الناشئ التابع لجامعة هارفارد، والخبير في مجال صحة وتنمية الطفل، قيادة هذا الفريق.

الأطفال الذين يعانون من سوء التنظيم الذاتي يصبحون من البالغين الذين يعانون من معدلات أعلى بكثير من الإدمان والإجرام

وقال شونكوف في مقابلة تلفزيونية بعد حلقة نقاش نظمتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” مؤخراً وشارك فيها علماء متخصصون في هذا الموضوع أن “نوعية الأساس الذي نبنيه في أول عامين لا تحدد كل ما سوف يأتي في وقت لاحق بالكامل، لكنها مع ذلك تجهزك لحياة مليئة بالاحتمالات الجيدة للتنمية الصحية، أو تضعك في حفرة عميقة تكون فيها مخاطر وقوعك في مشاكل في جميع المجالات أكبر بكثير”. وأكد شونكوف خلال المقابلة أن العلم الجديد يؤدي إلى فهم أعمق للأسباب التي تجعل سوء التغذية يتسبب في كل هذا القدر من المشاكل في مرحلة الطفولة المبكرة “ليس فقط لأن الأطفال لا ينمون بشكل جيد، ولكن لأن نمو أدمغتهم يتأثر أيضاً”.

وأضاف أن التدخلات التي لا تقدم سوى تحفيز للأطفال في المجتمعات الفقيرة غير كافية. “إنها مسألة تتعلق بمعرفة كيفية حماية أدمغتهم النامية من الإجهاد – الإجهاد الضار – المرتبط بالتعرض المزمن للعنف والفقر المدقع والإجهاد اليومي الناتج عن تدبر أمورهم بشق الأنفسً”.

ويعتبر لورانس أيبر، وهو أخصائي علم النفس في مدرسة ستاينهارت للثقافة والتعليم والتنمية البشرية التابعة لجامعة نيويورك، أن “صناع القرار في السابق لم يعتقدوا أن الأطفال الصغار سيتأثرون لأنهم لا يتحدثون في هذه السن أو لا يبدو أنهم على علم بما يجري. ولكن العلم أظهر الآن عكس ذلك تماماً. إنهم في الواقع حساسون للغاية لبيئتهم – أكثر من أي وقت آخر في حياتهم”. ويعتقد أيبر أن للأبحاث الجديدة آثاراً عميقة وعملية على السياسة. “إن معرفتنا بما يحدث داخل عقل الطفل يجب أن يوجه اهتمامنا إلى الخارج – نحو البيئة – وإلى الحد من الفقر والعنف.

لكن العلماء أكدوا رغم ذلك أنه “يجب على المرء أن يتذكر أن البشر – بما في ذلك الصغار والضعفاء للغاية – لديهم قدرة هائلة على الصمود، أو ما يسميه علماء التنمية اللدونة. فالأطفال يستطيعون العودة إلى طبيعتهم، ويمكننا أن نساعدهم على التعافي من الإجهاد الضار الذي يواجهونه في مرحلة الرضاعة والطفولة المبكرة”. ويرى مورغان أنه بالنسبة للأطفال الذين يعيشون في فقر في جنوب أفريقيا، حيث معدلات العنف الأسري مرتفعة، يعتبر الإجهاد الضار “وباء تم إدراكه حديثاً ويجب التصدي له.

21