تنشيط للاقتصاد الوطني وانفتاح على العالم

الثلاثاء 2017/04/11
الحل الوحيد للكساد

يلقى الاتجاه الذي تسير فيه العديد من الدول العربية هذه الأيام، ومنها المغرب ومصر وتونس والسودان، نحو تعويم العملة الوطنية وخفض قيمتها، ترحيبا من الكثير من الأوساط الاقتصادية التي ترى فيه الحل الأنجع المؤدي إلى زيادة كفاءة الاقتصاد الوطني، وتحسين قدرته على المنافسة، والانفتاح على العالم.

ويقول المؤيدون للتعويم إنه بحسب المدرسة الكلاسيكية في الاقتصاد فإن عملة الدولة هي المرآة التي تعكس حقيقة اقتصادها، بمعنى أنها لو كان اقتصادها قويا فإن عملتها بالتالي ستكون قوية والعكس، ويشيرون إلى أن خفض سعر هذه العملة أمام عملات الاقتصاديات الأخرى يكون مطلوبا، بل وحيويا في حال الاقتصاد الضعيف.

لماذا؟ لأن كفاءة أي اقتصاد تتأتى من كفاءة السوق الناتجة بدورها عن كفاءة الإنتاج (الصناعة والزراعة والخدمات والسياحة والتصدير.. وغيرها)، فإذا كانت الدولة تنتج أكثر فسوف تكون صادراتها إلى الخارج أكثر، فتنجذب إلى الداخل عملات أجنبية أكثر، ما يدفع تلقائيا إلى قوة العملة.

لكن لو حدث العكس وكان إنتاج الدولة أقل كفاءة، فسوف تنخفض صادراتها، وهنا يكون الترياق لزيادة تلك الصادرات هو خفض قيمة العملة لينخفض سعر الصادرات ويزداد طلب العالم الخارجي لها، ولأن معظم الاقتصاديات العربية حاليا أقل قوة مقارنة بالاقتصاديات القوية في الغرب، فإن على الدول العربية اللجوء إلى تعويم عملاتها.

يتحدثون أولا عن الميزان التجاري، أي النسبة بين صادرات الدولة ووارداتها، ومن البديهي أن الدول ذات الإنتاج الأقل كفاءة سوف تستورد أكثر مما تصدّر، فلو أنها خفّضت سعر عملتها أمام العملات الأخرى، فسوف تنخفض أسعار صادراتها فتصدر أكثر، وهنا ترتفع حصيلة الدولة من العملات الأجنبية التي تستخدمها في التنمية.

ويوضحون ثانيا أن الاستثمارات الأجنبية سوف تتدفق على الاقتصاد الوطني، وهذا شيء طبيعي، لأن أي مستثمر يسعى إلى المزيد من الربح، فإذا كان هذا المستثمر سينفق في مشروع ما مليون دولار في ماليزيا مثلا ووجد أن نفس المشروع في تونس سيتكلف نصف مليون دولار فقط، فسوف يأتي إلى تونس نظرا إلى أن عملة تونس أقل سعرا من عملة ماليزيا، بمعنى أن التعويم يزيد من الاستثمارات الخارجية القادمة إلى الاقتصاد الوطني.

المكسب الثالث من التعويم هو أن زيادة الصادرات وتدفق الاستثمارات سيزيدان كمية الدولارات الموجودة في البنك المركزي للدولة، وهو ما يسميه الاقتصاديون احتياطي الدولة من النقد الأجنبي، وبالتأكيد فإن المستثمرين سيعرفون ذلك وسوف يطمئنون إلى أن أرباحهم التي حصلوا عليها في داخل الدولة سيكونون قادرين على تحويلها إلى بلدانهم التي جاؤوا منها، فترتفع ثقتهم في الاقتصاد ويزداد عدد المستثمرين فيتطور الاقتصاد ويرتفع الرصيد من الدولارات.

هناك مكسب رابع وهو السياحة، فالدولة التي يكون سعر صرف عملتها أقل قياسا إلى عملات الشعوب الأخرى، ستكون جاذبة للسائحين الذين يأتون وينفقون في داخل الدولة، فينشطون منشآتها السياحية ومطاراتها وأسواقها، ما يؤدي إلى تشغيل المزيد من الأيدي العاملة فتنخفض البطالة.

المنطق هنا، أن غالبية سائحي العالم هم من أصحاب الدخول المتوسطة، فإذا وجدوا مكانا أرخص فسيتجهون إليه، وأنت عندما تخفض سعر عملتك فسيكون سعر خدماتك لهم أقل وستجذب هؤلاء الساعين إلى الاستمتاع بأقل قدر من الدولارات، ومعروف أنه كلما زادت أعداد السائحين القادمين إلى دولة ما كلما ارتفع دخلها السياحي، وكم من دول أقامت العمود الفقري لاقتصادها على السياحة.

المكسب الخامس هو أن تعويم سعر العملة، أي تركها لعوامل العرض والطلب في السوق، سوف يقضي على السوق السوداء، لأن تاجر السوق السوداء لن يجد في الدولة أسعارا متعددة للعملة الأجنبية، وهذا التعدد هو الثغرة التي ينفذ منها أصحاب السوق السوداء، والتعويم يعني ترك آليات السوق هي التي تتحكم في الأمر، ارتفاعا وانخفاضا، ومن ثم سيكون هناك دائما سعر واحد للعملة فرضته آليات السوق فتختفي السوق السوداء.

مؤيدو التعويم يقولون إن وجود أكثر من سعر واحد للعملة الأجنبية في سوق الصرف فيه خطر يتمثل في أن المستثمر الأجنبي عندما يقدم يجد أسعارا متعددة للدولار، فسيحتار بأي سعر سيتعامل، وبالتالي لن يكون قادرا لا على حساب تكلفة مشروعه ولا على تحديد قدر أرباحه، فيفقد ثقته فيك ويهرب.

12