تنظيمات الإخوان في البلدان العربية.. موسم الهجرة إلى "الاعتدال"

الصورة المشوهة التي يبدو عليها حزب العدالة والتنمية في تركيا والضربات التي يتلقاها الإخوان في أماكن أخرى، جعلتا التنظيمات الإخوانية في بلدان عربية كالأردن وتونس تسعى إلى إعادة ترتيب بيوتها وتليين ومراجعة خطابها أملا في مجرد البقاء على الساحة دون المبالغة في إعلاء سقف الطموح السياسي.
الاثنين 2016/10/24
طبيعة النظام الدستوري ساهمت في اعتدال الخطاب الإخواني بالأردن

عاملان أساسيان كان لهما الفضل في انبهار الإخوان في الدول العربية بالنموذج التركي "العدالة والتنمية" والرغبة في استنساخه سابقا ثم في السعي إلى الانفصال عنه مؤخرا.

العامل الأول، هو المزاوجة بين الإسلام والديمقراطية وقد نجح فيها الإسلاميون الأتراك في سنوات حكمهم الأولي، لكن التحايل على الاستمرار في السلطة ثم الإجراءات التي أعقبت الانقلاب الفاشل، كل ذلك زعزع ثقة الجميع في إخلاص الإسلاميين لجوهر الديمقراطية.

أمّا العامل الثاني فهو التخلي عن مبدأ الحفاظ على السلمية الكاملة وعدم التورط في شبهة استخدام العنف، وهذا حافظ عليه الإسلاميون الأتراك إلى ما قبل الثورات العربية، لكن الوضع تغير عندما صار لهم مشروع ممتد على طول العالم العربي، وهو ما أدى إلى التعاون مع مختلف الطيف “الجهادي” و“التكفيري”، وهناك مؤشرات ودلائل على التعاون التركي مع داعش وليس القاعدة فقط.

وتخشى فروع جماعة الإخوان في الدول العربية أن تنسحب تلك المستجدات على أوضاعها في بلادها، سواء بإلصاق تهمة الإرهاب والتعاون والتحالف مع ميليشياتها، أو باتهامها بمعاداة النظام الديمقراطي وكونها لا تصلح كطرف في عملية تداول سلمي للحكم.

واكتشفت الدول العربية أن ممارسات تركيا الإقليمية لا تقل خطورة عن ممارسات إيران، فكلتاهما مهددتان للأمن القومي العربي والمصالح العربية، ومهددتان لنظم الحكم ومؤسسات الدول العربية القائمة، على خلفية سعي تركيا إلى استعادة أمجاد السلطنة العثمانية مستغلة أوضاع الدول العربية المضطربة في أثناء الثورات وبعدها.

وتأتي رغبة ومساعي إخوان الأردن وتونس في تدشين تجربة محلية مستقلة عن إخوان مصر وتحالفهم المستمر مع الحالة التركية، تحت عنوان “الإسلام الديمقراطي”، على خلفية “مأزومية” الحالتين وكونهما –إخوان مصر وتركيا- لا يجدان بديلا عن مواصلة التحالف، بسبب أزمتهما الخاصة في كلا البلدين.

الإخوان في الأردن وتونس لا يرغبون في تحمل فاتورة الفشل الإقليمي، وانتقال تأثير أزمات الإسلام السياسي في المنطقة إلى داخل بلاد أخرى عربية بعد مصر وليبيا وسوريا، وألا تنعكس تلك الممارسات والمواقف والمسارات على أوضاع الإسلاميين ومكتسباتهم داخل البلدان العربية.

وداخل أفرع الإخوان في الدول العربية، ظهرت البعض من الانقسامات بين فريقين، أحدهما مع مسار مواصلة تبني مواقف التنظيم الدولي ودعم الإخوان في سوريا ومصر، على اعتبار أن في ذلك نضالا وجهادا واجبين، فيما يرى الفريق الثاني أنه لا مفر من الاستقلال والمسارعة في مراجعة شاملة لمجمل قضايا الحركة وملفاتها وارتباطاتها الإقليمية والعربية والتنظيمية.

الحاصل أن هناك غلبة على الأرض لتيار المراجعات والتوجه الإصلاحي على وقع ضغط الأحداث وفرض الدول شروطا لمواصلة الحضور والإسهام في المشهد السياسي، وكان هذا ملاحظا في تعاطي السلطة الأردنية مع الطرفين منذ البداية وسحبها لتراخيص العقارات التي تسيطر عليها مجموعة همام بن سعيد بسبب موقفها الداعم لرؤى ومواقف التنظيم الدولي. ويرى البعض من المراقبين أن الحافز الأقوى ليس مواقف السلطات وإنما واقع حال الحركة الإسلامية وحاجتها فعليا لمراجعات منهجية تقلل من تأثير أزمة فشل الإخوان في مصر، وتبعات انخراط إسلاميي تركيا في الملفات الإقليمية، فضلا عن أن واقع الحركة وأداءها على الأرض يتطلبان مراجعات حقيقية في ملفات الفصل بين الدعوي والحزبي وتجفيف منابع المنهج التكفيري ودوافع استخدام العنف، واستعادة الوجه الإصلاحي السلمي للحركة بعد الانجرار للعنف والتكفير والتشدد واعتناق فكرة التغيير بالقوة.

وستفقد جماعة الإخوان الأم في مصر، ويفقد التنظيم الدولي وإسلاميو تركيا، بهذه النزعات الاستقلالية، أدوات مهمة في مسار استعادة توازن القوة في الإقليم، على اعتبار أن اندماج أفرع الإخوان في المشهد السياسي المحلي داعم لاستقرار نظم تتبنى سياسات مناهضة لأهداف الإخوان في مجمل المشهد العربي، لكن في نفس الوقت قد تعتبرها الجماعة نصرا لها، خاصة إذا حققت هذه الأفرع نجاحات في الاستحقاقات الانتخابية، من قبيل تحصيل البعض من القوة الرمزية، حتى ولو لم تكن حقيقية على الأرض، وقد توظفها كرسائل تخاطب بها الغرب للدلالة على نهجها الديمقراطي السلمي.

وهو ما قد يوحي بأن ما يحدث، سواء من إخوان الأردن أو من حركة النهضة التونسية، إنما مجرد تكتيكات مرحلية لامتصاص أزمة التنظيم الدولي ولإعادة التموضع المحلي، إلى حين استعادة التنظيم عافيته وترتيب أوراقه وتجديد هيكلته.

وحركة حماس الفلسطينية ليست بعيدة عن التأثر بتلك المستجدات، بسبب حساسية موقفها في ما يتعلق بالصراعات المسلحة في سيناء أو بأوضاع جماعة الإخوان، وما يتردد في أروقة السلطة في مصر والإعلام حول ارتباط حماس بها في سياق دعم مواقف الإخوان.

13