تنظيم الإعلام يحكم قبضة الحكومة على الصحافة المصرية

مجلس الشعب يصوت على قانون تنظيم الإعلام في مصر تمهيدا لإقراره، دون أن يحظى بتوافق الوسط الصحافي عليه، مع منحه الحكومة سيطرة واسعة على مؤسسات الصحافة، فيما حقوق الصحافيين التي أقرها غير واضح ما إذا كان سيتم تطبيقها.
الاثنين 2018/06/11
أزمة الصحافة ليست في النص القانوني

القاهرة - يواجه قانون تنظيم الصحافة والإعلام الذي تمت مناقشته في مجلس النواب المصري، الأحد، رفضا من قبل عاملين في الأوساط الصحافية، بسبب إضافة البرلمان جملة من المواد تسمح للحكومة بأن تكون لها سيطرة كاملة على المؤسسات الصحافية، من خلال المجلس الأعلى للإعلام.

كما يسمح القانون للهيئة الوطنية للصحافة بالتدخل في تشكيل الجمعيات العمومية للصحف، ويكون لها ممثلون بكل جمعية، وتقليص سلطة وتمثيل الصحافيين داخل مؤسساتهم، ولا سيما المملوكة للحكومة (الأخبار والأهرام والجمهورية وروز اليوسف ووكالة أنباء
الشرق الأوسط).

وفتح القانون الباب على مصراعيه أمام الحكومة، ممثلة بالهيئات المنظمة للقطاع، لدمج أو غلق الإصدارات الصحافية الحكومية، في حال استمرار فشلها أو عدم قدرتها على مواجهة التحديات وتقليل الخسائر وتصحيح مسارها مرة أخرى.

واعتبر أسامة هيكل رئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، إن القانون الجديد من شأنه إنقاذ المؤسسات الصحافية القومية من الأزمات والمشكلات التي تغرق فيها، والتحديات التي تعوق تقدمها، من خلال ضبط أدائها وتغيير نهج وسياسة إدارتها.

وقال مصدر برلماني بلجنة الثقافة والإعلام لـ”العرب” إن استمرار الانفلات الإعلامي عموما، يعجّل بسن تشريعات جديدة تقصي غير المهنيين ومن فشلوا في القيام بالواجبات الموكلة إليهم داخل المؤسسات الصحافية الحكومية. وأضاف، أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء تغيير واسع لعدد كبير من رؤساء تحرير ومجالس إدارات الصحف القومية و”تقييم استمرار بعض الإصدارات الصحافية من عدمه، أو دمجها لتقليل الخسائر، مع غلق المواقع الإلكترونية التي لا تحمل ترخيصا من المجلس الأعلى للإعلام”.

واستحدث القانون مواد خاصة بتقنين عمل الصحافة الإلكترونية، وتنظيم عملها واشترط الحصول على تراخيص من المجلس الأعلى للإعلام لكن القانون لم يتطرق إلى منح الصحافيين الإلكترونيين نفس الحقوق التي يحصل عليها باقي الصحافيين.

وللمرة الأولى ينص قانون مصري تدعمه الحكومة، على مواد تحمي الصحافيين والإعلاميين وتفرض عقوبات مشددة على حالات التعدي عليهم، لكن العاملين في قطاع الإعلام يعتبرون أن أجهزة الأمن أكثر من يعتدي على الصحافيين.

خالد البلشي: لا يمكن الاعتقاد بأن مصر سوف تكون خالية من الرقابة على الصحف
خالد البلشي: لا يمكن الاعتقاد بأن مصر سوف تكون خالية من الرقابة على الصحف

ورأى مراقبون أن الأزمة ليست في وضع نص قانوني يحمي الصحافيين من الاستهداف والاعتداء، بل تكمن في مدى التزام أجهزة الأمن بذلك والاقتناع بأنهم يؤدون رسالة بعيدا عن الخيانة أو أنهم أعداء للوطن ويعملون لحساب أجندات خاصة وينفذون مؤامرات داخلية، وفق الاتهامات الموجهة لبعض.

وقال خالد البلشي وكيل نقابة الصحافيين السابق لـ”العرب”، إن “أكثر مواد القانون التي تخدم الصحافيين عبارة عن رسائل موجهة إلى الخارج، مثل المؤسسات والهيئات التي تنتقد الحكومة بسبب هجماتها على الإعلام.. هذه مواد ذات دلالة، وليست واقعية لأن الحكومة نفسها لا تعترف بها”.

وحظرت مواد القانون فرض رقابة على الصحف أو مصادرتها وإيقافها وإغلاقها، ولا يجوز أن يكون الرأي الذي يصدر عن الصحافي أو الإعلامي سببا في مساءلته، ويُحظر إجباره على إفشاء مصادر معلوماته.

وينظر صحافيون إلى هذا النص تحديدا على أنه “خيالي”، ولا يمكن تطبيقه في ظل الظروف الراهنة.

وأضاف البلشي، “لا يمكن الاعتقاد بأن مصر سوف تكون خالية من الرقابة على الصحف.. هذا أيضا موجه إلى الخارج للإيحاء بأن الحكومة ماضية في تحسين مناخ الحريات الإعلامية.. نحن لا نعتقد أن توافق الجهات المعنية على طباعة صحيفة تهاجم وزير الداخلية، هذا صعب للغاية”.

واللافت أن القانون يتعامل بازدواجية مع حقوق الصحافيين، فهو يحظر على كل الجهات سلب حرياتهم، وفي نفس الوقت يمنح المؤسسات الصحافية حق أن تسلبهم هذه الحرية، بل تمنعهم من أن يكونوا أحرارا داخل مؤسساتهم، وحتى إبداء الرأي على صفحاتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت صحافية بجريدة يومية خاصة لـ”العرب”، طلبت عدم نشر اسمها، أن “إدارة الصحيفة طلبت من كل صحافي أن يوقع على إقرار يلزمه بعدم الهجوم على مؤسسات الحكومة على صفحته الشخصية، أو تناول قضايا أو التعليق على منشورات تتسبب في إحداث بلبلة.. وكان هذا التوقيع إجباريا”.

وألزم مشروع القانون جميع الجهات الحكومية والعامة بإنشاء إدارة أو مكتب أو موقع إلكتروني للاتصال بالصحافة والإعلام لتمكين الصحافي من الحصول على المعلومات والأخبار والبيانات، وحظر فرض قيود تعوق توفير وإتاحة المعلومات.

ويمثل حجب المعلومات عن الصحف سببا رئيسيا في تراجع معدلات التوزيع واختفاء بعضها لأنها لم تعد قادرة على تقديم أيّ جديد للناس، وما ينشر في صحيفة من بيانات ومعلومات، ينشر في كل الصحف، حتى تحولت أكثرها إلى نسخة مكررة دون تنوع في المحتوى.

وتتحجج أكثر الجهات الحكومية بأن “هذه المعلومات سرية وتشكل خطرا على الأمن القومي”، حتى لو كانت تخص موضوعا لاعلاقة له بالأمن، وهي نفس الإشكالية التي لم يعالجها القانون الجديد، حيث نص على “حق الصحافي في ما لم تكن لها درجة منالسرية أو خطرا على الأمن القومي”.

18