تنظيم الدولة الإسلامية يتحلل رقميا لكن الخطر مازال قائما

دعت دراسة أعدها برنامج محاربة التطرف التابع لجامعة جوروج واشنطن الشركات التي تدير منصات التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك إلى العمل بشكل أكبر بشأن آليات الحرب الرقمية ضد التطرف وأساسا ضد تنظيم الدولة الإسلامية، فغلق حسابات المستخدمين لانتهاكها قواعد النشر المتعلقة بحظر الترويج للإرهاب لا يكفي ولا يعني أن إستراتجية الشركة نجحت بشكل كبير في محاربة داعش وأفكاره، فالتراجع حاصل في عدد المستخدمين أي أنصار التنظيم في العالم الافتراضي وليس في العالم الواقعي.
الثلاثاء 2017/10/31
الحرب بدأت الآن

واشنطن- انطلق سيل من الحديث والنقاشات حول مرحلة ما بعد تنظيم الدولة الإسلامية مع “قُرب” إعلان هزيمة التنظيم المتشدّد في مدينة الرقة وتقدّم القوات العراقية في معركتها الأخيرة ضدّه. ويأتي هذا التقدم في الحرب العسكرية بالتزامن مع تقدم مواز في الحرب الرقمية ضد الإرهاب.

وأعلنت شركة تويتر أن سياسات مكافحة التطرف التي تعتمدها (بما في ذلك إزالة المحتوى) أدت إلى تسجيل تراجع في نشاط مساندي التنظيم على منصة التواصل الاجتماعي المفضلة لدى تنظيم الدولة الإسلامية. لكن، وكما يؤكد الخبراء، الحرب العسكرية ضد داعش هي أولى الخطوات لهزيمة الإرهاب وليست آخرها، يؤكد الخبراء المعنيون بالحرب ضد داعش أيضا أن المعركة مع تنظيم الدولة الإسلامية على الإنترنت لم تنته بعد.

أحدث الدراسات الصادرة في هذا الموضوع بحث ميداني قام به برنامج التطرف التابع لجامعة جورج واشنطن، توصل إلى أن جهود شركة تويتر قد تكون ناجعة، لكن تنظيم الدولة الإسلامية مازال قادرا على تعزيز جاذبيته وترسيخ خطره، خاصة وأن المجال لا يقتصر فقط على تويتر كمنصة للتواصل، بل يعتمد التنظيم على عدة مواقع ومنصات.

وسبق أن قام أنصار داعش في مارس 2015 بإطلاق موقع تحت اسم خلافة بوك يدعي أنه يقدم للأنصار بديلا عن المنصات التي تم حظرها عليهم. لكن، بعد فترة قصيرة اختفى الموقع. ويُزعم أنه اعتمد على نطاق تم شراؤه من شركة غربية.

ومع تضييق تويتر تستمر المحاولات للتواصل عبر مختلف منصات الشبكة العنكبوتية، وتبقى المنتديات والأدوات المحمية بكلمات عبور مثل المتصفح مجهول الهوية، “تور”‘، مصادر شديدة الأهمية للمتطرفين العارفين بالتكنولوجيا.

لا يمكن للحكومة أن تعول بشكل كبير على جهود شركات خدمات الإعلام الاجتماعي في الحرب ضد تنظيم داعش على الإنترنت

وذكر الباحثان ليث الخوري وألكس كاسيرر، في دراسة حملت عنوان “تكنولوجيا من أجل الجهاد” أن موقع تلغرام “يبدو الآن أنه الخيار الأول لدى كل من الجهاديين الأفراد والمجموعات الجهادية الرسمية”.

وقال تقرير من المنتدى الاقتصادي العالمي إنه يجب على شركات التكنولوجيا الأميركية مثل فيسبوك وتويتر أن تكون أكثر حزما في التصدي للتطرف. وتعزز هذه الدراسة التي أعدتها تلك المنظمة السويسرية غير الربحية ما جاء في دراسة جامعة جورج واشنطن بخصوص الدعوات لبذل الكثير من الجهد لوقف انتشار المادة التي تتسم بالعنف من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية.

تراجع ولكن..

حملت دراسة برنامج التطرف عنوان “التحلل الرقمي”، وهو اختيار دقيق من قبل الباحثين حيث يعبر إلى حد كبير عن الحالة التي يمر بها تنظيم الدولة الإسلامية في هذه المرحلة، وهي حالة التحلل والتفسخ حيث يفقد التنظيم، بالتوازي مع هزائمه العسكرية، شيئا فشيئا مظاهر قوته الرقمية.

ولدراسة كيف تطور تنظيم الدولة الإسلامية على تويتر قام البرنامج بدراسة 84646 تغريدة صادرة عن 1782 حسابا مساندا لتنظيم داعش باللغة الإنكليزية في الفترة الممتدة بين 15 فبراير 2016 والأول من مايو 2017.

ولتخلص الباحثة في البرنامج، أودري ألكسندر بعد البحث والتدقيق في المعطيات والمعلومات التي توفرها هذه الحسابات إلى أن سياسات تويتر تعطل المتعاطفين مع هذا التنظيم المصنف على قائمة التنظيمات الإرهابية الدولية لكنه يقول إن الفاعلين في محاربة داعش يجب ألا يضخموا أهمية تأثير هذه الإجراءات في الحرب الأوسع ضد التنظيم على شبكة الإنترنت.

نجحت مقاربة تويتر في تقليص الشبكة الافتراضية للمتعاطفين مع تنظيم الدولة الإسلامية مما يساهم في انخفاض كبير في نشاط الحسابات بين المستخدمين المراقبين، لكن يجب التنبه إلى أن هذا الانخفاض لم يكن نتيجة لجهود الشركة فقط حيث تأثر سلوك المتعاطفين أيضا بتحول التنظيم الاستراتيجي من تويتر إلى منصات التراسل التي توفر خدمات تشفير.

وبينما كان هذا التحول متأثرا في جزء منه بإجراءات تويتر المحاربة للإرهاب، كان ذلك أيضا اتجاها ملحوظا قبل أن تشرع الشركة في اعتماد تعليق على نطاق واسع للحسابات المساندة لتنظيم الدولة الإسلامية.

وبالرغم من أن تقليص المحتوى التابع لداعش على موقع تويتر يبدو في أول وهلة كمقياس إيجابي للنجاح، تجادل دراسة البرنامج حول التطرف بأن النجاح بالنسبة إلى شركة إعلام اجتماعي في محاربة التنظيم المتطرف لا يعكس بالضرورة المجهودات الحكومية (وتحديدا الحكومة الأميركية) ضد هذا التنظيم.

وتشرح ألكسندر ذلك بالقول إن “إسكات المنتمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية على موقع تويتر قد يعطينا نتائج تمثل تحديا أمام قدرة أجهزة إنفاذ القانون على الكشف عن التهديدات التي يطرحها المتطرفون وتعطيلهم”.

ويضيف “كنتيجة للضغوط، بدأ الحبل الذي يصل القاعدة العالمية لمساندي داعش بالبنية التحتية المركزية للتنظيم يهترئ وذلك بابتعاد المساندين عن الأجندة التي وضعت لهم بواسطة عمليات التواصل الاستراتيجية”.

نتائج متباينة

تقليص المحتوى التابع لتنظيم داعش على موقع تويتر يبدو في أول وهلة كمقياس إيجابي لنجاح الحرب الرقمية ضده

يكشف البحث الذي قام به الخبراء في البرنامج أنه بالرغم من الضغوط المتزايدة، فإن المتعاطفين مع تنظيم الدولة الإسلامية بارعون في حل المشاكل في المجال الرقمي، وعوضا عن الحديث المتكرر عن الخسارة يكافح المنتسبون الغاضبون لإسماع صوتهم سواء على تويتر أو منصات أخرى.

وتوصل البحث إلى استنتاجات مفادها أن القيادة المركزية لتنظيم الدولة الإسلامية حققت نتائج متباينة في توجيه الخطاب بين المتعاطفين معها على تويتر الناطقين باللغة الإنكليزية. وبينما استعملت المبادرات على أرض المعركة كموضوع موحد بين المنتمين إلى التنظيم، لم تساهم الهجمات الإرهابية مساهمة تذكر في استمرار الحوار.

وبالأخص كانت أحداث معينة (مثل المحاولة الانقلابية في تركيا والانتخابات الرئاسية الأميركية لسنة 2016) من بين المواضيع الأكثر شعبية في العينة المدروسة. وفي الواقع تسببت الأحداث التي ليست لها صلة مباشرة بتنظيم الدولة الإسلامية في أحد أكبر الارتفاعات في النشاط المسجّل.

وتلاحظ الدراسة أن “المتعاطفين مع تنظيم الدولة الإسلامية الناطقين بالإنكليزية على موقع تويتر يتحدون التحليل المباشر أو الحلول الملائمة”. كما تجادل بأنه في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية على شبكة الإنترنت يختلف النجاح في التخلص من المحتوى المتطرف عن النجاح بالنسبة إلى كل من يكافح الإرهاب بشكل واسع.

وهنا تعلق ألكسندر بالقول إن “الجهود المتسرعة لإسكات المساندين لتنظيم الدولة الإسلامية على مواقع الإعلام الاجتماعي قد تنتج عن غير قصد آثارا جانبية تمثل تحديا أمام نجاعة صانعي السياسات وأجهزة إنفاذ القانون في الحيلولة دون التهديدات التي يطرحها المتطرفون العنيفون. وزيادة على ذلك لا تؤثر هذه الإجراءات في جوهر الحركة وقيادتها”.

وكبديل، تقترح الدراسة أن تكون الكيانات المكلفة بمهمة محاربة التطرف على الإنترنت وتفادي الأعمال الإرهابية قادرة على التكيف ومستعدة لتنفيذ مشاريع بديلة. وفي حين أن بعض التعاون مفيد، لا يمكن للحكومة أن تعوّل بشكل كبير على جهود مزودي خدمات الإعلام الاجتماعي في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية على الإنترنت. وفي الوقت ذاته يجب على تويتر وغيرها من شركات الإعلام الاجتماعي أن تفكر في طرق مختلفة لإبطاء واحتواء دفق المحتوى المتطرف ومستخدميه.

6