تنظيم الدولة الإسلامية يهدد بتصدير "الجهاد" إلى شمال القوقاز

تدفع التهديدات الخطيرة والمصيرية التي يشكّلها تنظيم الدولة الإسلامية لروسيا، موسكو للمشاركة في تحالف عسكري دولي، وحتى الوقوف في جبهة واحدة مع “الأعداء”، ضدّ هذا التنظيم الذي هدّد بنقل “الجهاد” إلى شمال القوقاز، وسط تقارير استخبراتية تشير إلى أن الولايات المتحدة لن تتوانى عن استغلال ورقة “المجاهدين” إذا اقتضى حلّ الأزمتين السورية والأوكرانية ذلك.
الخميس 2015/05/14
قمع موسكو للتمرد في شمال القوقاز يدفع نحو توطيد علاقة السكان بالجهاديين

موسكو – تشير دراسة صدرت عن المعهد البولندي للشؤون الدولية، إلى أن تنظيم الدولة لا يمثل خطرا على أوروبا والولايات المتحدة فحسب بل وعلى روسيا أيضا، وبدرجة أخطر. ويرجع معدّا الدراسة، الباحثان أنّا ماريا داينر وكاسبر ركاوك، ذلك إلى قوة انتشار الأفكار الإسلامية المتشدّدة داخل حدود منطقة القوقاز.

ولهذا السبب وبالرغم من انتقاد روسيا للسياسات الأميركية والأوروبية في الشرق الأوسط فهي في ذات الوقت مع تحرّك عسكري يستهدف الدولة الإسلامية، ولهذا الغرض تقترح السلطات الروسية تكوين ائتلاف جديد لمجابهة الإرهاب تحت إشراف الأمم المتحدة.

وترى روسيا أي ائتلاف يهدف إلى مجابهة تنظيم الدولة الإسلامية يجب أن يكون تحت إشراف الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما يجب إطلاق حملة عسكرية برية من الأراضي السورية من أجل محاربة التنظيم بفاعلية.

وسبق وأن انتقدت روسيا السياسات الأميركية في الشرق الأوسط وخاصة التدخّل في العراق في سنة 2003، وقرار تسليح المعارضة السورية التي تحارب نظام بشار الأسد، وترى أن هذه السياسات هي مصدر الأزمة الحالية.

تثير عمليات تنظيم الدولة الإسلامية و”نجاحاته” العسكرية قلقا لدى روسيا التي مازالت تعيش تحت تهديد الإرهاب. ولذلك وبالرغم من موقفها المنتقد للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط لا تمانع موسكو تحركات عسكرية دولية، ضد هذا التنظيم.

وترى أن المكاسب التي حقّقها الأعضاء في حلف الناتو من خلال الضربات الجوية على أهداف تابعة لتنظيم داعش أقلّ بكثير من الاضطراب الزاحف على منطقة الشرق الأوسط وزيادة تطور الإرهاب الإسلامي.

قلق روسيا مردّه تاريخها القديم مع المسلّحين الإسلاميين في شمال القوقاز، وخصوصا الشيشان، التي خاضت صراعات دموية ضدّ موسكو للانفصال عن الدولة الروسية، وقد حصلت الشيشان على استقلالها بعد الحرب الأولى بين 1994 و1996.

طبيعة روسيا مؤهّلة للانفجار، ما لم تغير هذه الأخيرة سياستها تجاه الجمهويات الإسلامية الوليدة

لكن روسيا لم تعترف بهذا الاستقلال، وقد لعبت القوى الغربية المنافسة لروسيا دورا هاما في انتصار الانفصاليين الشيشان في الحرب الأولى، عبر تكرار سيناريو الاتحاد السوفييتي ودعم الجهاديين، لكن هذه المرة في الخاصرة الروسية الجنوبية.

وخاضت روسيا والشيشان حربا ثانيا أكثر عنفا، عام 1999، كان وقتها الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين رئيسا للوزارء. وقد مثّلت المعركة ضدّ ميليشيات “اللواء الإسلامي الدولي” بقيادة الشيشاني شامل باساييف، معركة مصير.

ونجح بوتين، في تقليص الخطر الإرهابي القادم من شمال القوقاز، إلا أن دحره لمعظم قادة الحركة الانفصالية داخل الجمهورية الشيشانية، مثل جوهر دواديف، رئيس الشيشان، وأصلان مخادوف وشامل باساييف، لا يعني قضاءه على الخطر الإرهابي القادم من شمال القوقاز، فهذا الخطر سيظلّ قائما، طالما ظلّ بوتين، وأمثاله من القادة الروس يحلمون باستعادة المجد السوفييتي وإعادة رسم الخارطة الروسية الممتدة، ورفض استقلال جمهوريات شمال القوقاز، مثل داغستان وتتارستان والشيشان.

وقدر سيرغي مليكوف، مفوض الرئيس الروسي في دائرة شمال القوقاز الفيدرالية حوالي 1500 من أبناء المنطقة يقاتلون في صفوف المسلحين في سوريا والعراق.

ويلقّب الكثير من هؤلاء أنفسهم بـ”الشيشاني”، وهم يفعلون ذلك لضمان علو مركزهم في داعش، نظرا لمكانة المقاتلين الشيشانيين ودورهم في التنظيمات الجهادية.

فلاديمير بوتين: "الوضع في شمال القوقاز ما يزال يمثل تحديا لأمن الدول"

خطر عابر للحدود

ويخشى الخبراء الروس، من عودة هؤلاء المقاتلين إثر انتهاء دورهم في سوريا، فبالرغم من انخفاض التهديد بحصول هجمات إرهابية على الأراضي الروسية، في الوقت الحالي، بسبب انشغال القوقازيين في سوريا، فإن المخاطر مرشحة للارتفاع على إثر الرجوع المحتمل للمقاتلين من سوريا.

ويشير الكاتب الروسي مارك غاليوتي، في مقال بعنوان "الدولة الإسلامية لا تمثل خطرا على روسيا، إلى حد الآن"، إلى أنه ما أن تبدأ الحرب في سوريا والعراق في الهدوء ستتمكن الحركة الجهادية الدولية من جديد من تحويل الأموال إلى شمال القوقاز.

ويضيف غاليوتي قائلا "استئناف التمويلات إضافة إلى عودة عدد من المقاتلين الذين يحاربون في العراق وسوريا حاليا هو ما يجعل الدولة الإسلامية قنبلة موقوتة في انتظار الانفجار في منطقة شمال القوقاز".

وجاء في أحد المنابر الإعلامية الجهادية أن “نقل المعركة إلى عمق الأراضي الروسية يهدف إلى تكريس النظرية القائلة بأن أفضل خطوة لتخفيف ضغط القوات الروسية على المجاهدين هي توسيع مسرح العمليات ليشمل جميع الأراضي والمصالح الروسية…فالجهاد القوقازي والاستراتيجية العسكرية المعمول بها منذ فترة، والتي تقوم على عدم الاكتفاء باستمرار المعركة في القوقاز، وإنما نقلها أيضا وبكثافة إلى الأراضي الروسية بدأت تشهد توسعا وتصاعدا“.

وفي تسجيل مصور على موقع يوتيوب (يعود تاريخه إلى سبتمبر 2014)، قال مسلح من تنظيم داعش “هذه رسالة لك يا فلاديمير بوتين، هذه هي الطائرات التي أرسلتها إلى بشار، وسنرسلها لك بإذن الله، تذكر ذلك”. وأضاف “سنحرر الشيشان والقوفاز كاملا”، وقال مسلح آخر بجانبه “لقد اهتز عرشك وأصبحت تحت التهديد وستسقط عندما نأتيك إلى عقر دارك”.

وأعلن مقاتلو الشيشان والقوقاز "إمارة القوقاز" في 31 أكتوبر 2007 على لسان دوكو عمروف زعيم المقاتلين الشيشان، وتضم الإمارة كل جمهوريات شمال القوقاز وهي (داغستان، نخشيشو الشيشان وغلغايشو، إنغوشي وإيرستون -أوسيتيا الشمالية- وولاية كابردا بلكار ـ كرشاي المجتمعة وهي جمهوريتا قبردينو – بلقاريا وقراتشاي).

سيرغي مليكوف: "نحو 1500 من أبناء شمال القوقاز يقاتلون في سوريا والعراق"

ومثل هذه الإعلانات تكشف أن الإرهاب لم يعد خطرا محليا ومحدود جغرافيان بل اتخذ بدوره بعدا معلوما؛ حيث تشير صحيفة “ناشونال إنتيريست” الأميركية، إلى أن نشاط الإسلاميين المتشدّدين في شمال القوقاز، لا يستهدف فقط الأراضي الروسية، بل هو خطر عابر للحدود، ومداه يصل إلى الشرق الأوسط وأوروبا.

كل المؤشّرات تؤكّد أن الخطر لم ينته، إلا أن ذلك يجعل “المجاهدين” في شمـال القوقــاز تهديدا "أبديا" لروسيا. ويقول خبراء إن طبيعة روسيا مؤهّلة للانفجار، ما لم تغير هذه الأخيرة سياستها تجاه الجمهويات الإسلامية الوليدة.

ويشكل المسلمون 10 بالمئة من إجمالي السكان متعددي الإثنيات؛ فيما تلقي الأزمة الاقتصادية على قدرة الحكومة الفيدرالية على معالجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في منطقة شمال القوقاز.

وحسب الباحث الروسي سيمون سارادهيان، تحتاج الحكومة الروسية لعلاج العوامل التي يعتقد باحثو العنف السياسي في روسيا أنها تحرك التمرد. وتشمل تلك العوامل انتشار السلفية المقاتلة في شمال القوقاز واعتداءات مطبقي القانون على السكان المحليين، والتفاوت في مستويات المعيشة بين سكان شمال القوقاز وسكان الأراضي الروسية.

"جوكر" روسيا

رغم المخاطر الكبرى التي يشكّلها الجهاديون، لم تتوان موسكو، عن اللعب بهذه الورقة أيضا، وتحويل الإرهاب إلى "جوكر" لصالحها في الوقت الحالي، على غرار أوكرانيا، حيث قامت بشنّ حملات إعلامية عن تطرف التتار في شبه جزيرة القرم، ويمكن اعتبار ذلك تبريرا لقيام الأجهزة الأمنية الروسية باختراق شبه جزيرة القرم.

في ذات السياق يشير خبراء إلى أن روسيا تعتبر مستفيدة، إلى حدّ ما، من الخطر الذي يسببه تنظيم داعش، للمصالح الإقليمية واستقرار المنطقة الأطلسية، فالحرب في أوكرانيا لم تعد التحدي الوحيد للأمن الأوروبي، مما يسمح لروسيا بمجال هام تتحرّك فيه.

كما أن المشاركة ضمن الائتلاف الدولي المحارب لتنظيم داعش تعطي روسيا فرصة لتحرير نفسها من العزلة الدولية. وفي ذات الوقت يمكن للحضور الروسي في ائتلاف محاربة الإرهاب أن يشجع دول وسط آسيا وبعض الدول الشرق الأوسطية غير المتحمسة للالتحاق بمبادرات أميركية محضة لتنضمّ إلى الجانب الروسي المشارك في الائتلاف.

6