تنظيم القاعدة.. الزرع الذي أينع في "الربيع العربي"

الجمعة 2013/11/01
رايات مفقودة زمن الاستبداد غائبة عن الثورات، لكنها عادت لتمارس"التسلق السياسي" وتربك المسارات المدنية

القاهرة- تلقى تنظيم القاعدة منذ مفصل 11 سبتمبر 2001 ضربات موجعة كادت تعصف بوجوده، وتزامن ذلك مع وجود أنظمة استبدادية عربية أتقنت إحصاء أنفاس الجميع وضيقت الخناق خاصة على الإرهابيين، وتحولت مكافحة الإرهاب إلى ضمانة لاستمرارهم في الحكم، لكن الوضع انقلب رأسا على عقب بعد الثورات العربية التي أعطت تنظيم القاعدة «فرصة» العودة إلى الديار، واستغلال الفراغ السياسي والأمني. لذلك كله عُدّ الربيع العربي فرصة القاعدة المشتهاة.

في هذا السياق أكد جمال عبد الجواد أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية أن «هجمات القاعدة الإرهابية ما هي إلا جانب واحد من أهدافها، حيث تطمح المنظمة إلى قيادة حركة جماهيرية من المسلمين نحو مفهومها المسلح أو ما يطلق عليه السلفية الجهادية، ورغم ذلك توجد فئة معينة من بعض المسلمين تهتم فعلاً بمثل هذه الأيديولوجية الجامدة في الفكر الإسلامي المتشدد، الذي قد يرتقي إلى مرتبة التطرف.

لافتاً إلى أن تنظيم القاعدة ازدهر خلال فترات الحرب والتوتر الشديد، مثل الحرب على الإرهاب بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، أو السنوات الأولى من الاحتلال الأميركي للعراق، حيث قدم التنظيم نفسه كحامل للواء الدفاع عن الأرض العربية والإسلامية ضد العدو الكافر. واستطاعت الحركة الجهادية الاستفادة بشكل كبير من الخلط بين آرائها الحدية الخاصة وتلك التي تسيطر عليها الجماعات الأخرى الأكثر شعبية، وخاصة المنظمات الرئيسية مثل الإخوان المسلمين، ووقتها بدأت واشنطن للحصول على أفضل طريقة لمكافحة الرسائل البريدية لتنظيم القاعدة في سنوات إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، وبدأت في التعرف على الانقسامات الدينية داخل العالم الإسلامي، وكيفية دعم الموالين والاستفادة منهم من أجل حرمان التنظيم من إقامة علاقات أوسع داخل الدول الإسلامية.


عامل تعثّر الديمقراطية


وذهب حمدي عبد الرحمن أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إلى أن الانتفاضات العربية عرضت في وقت مبكر لمحة عن الكيفية التي يمكن بها لتنظيم القاعدة أن يهزم الأنظمة الحاكمة، نظراً لأن الانتفاضات الشعبية الناجحة ضد الأنظمة الاستبدادية تركت مساحة صغيرة لأن يكون لاختراق حلفاء القاعدة المستترين بين الطليعة الثورية، لكن من أصغر عضو داخل تنظيم القاعدة مروراً إلى القيادة مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري والعديد من قادة السلفية الجهادية كافحوا بشكل كبير لتبرير مواقفهم في الأيام الأولى من الانتفاضات العربية، نظرا لأنهم كانوا يرفضون الخروج على الحاكم.

وأوضح حمدي أن هذه الثورات أدت إلى تحولات ديمقراطية ناجحة لم تكتمل، وكادت أن تكون ضربة قاصمة لتنظيم القاعدة، ولذلك فإن قاعدة التنظيم الخاصة ظلت ملتزمة بقضية التغول داخل الجماعات الإسلامية المحلية من أجل ضرب استقرار هذه البلاد وتنفيذ هجمات إرهابية في بعض الأحيان، ولكن العقبة الرئيسية أن القاعدة وجدت نفسها غير قادرة على كسب مجندين جدد أو نشر أفكارها إلى قاعدة أوسع من السكان داخل دول الربيع العربي، ولكن التحولات الديمقراطية المتوقعة لم تذهب في الاتجاه الصحيح، حيث تعثرت مصر من كارثة إلى كارثة، وكافحت الدولة الليبية لتوطيد سلطتها في مواجهة الميليشيات القوية، وحتى تونس استسلمت لاستقطاب عميق بين العلمانيين والإسلاميين، إضافة إلى أن سوء الإدارة وضعف المؤسسات في اليمن سمحت للجماعات المتطرفة بتنظيم صفوفها والقيام بأدوار رئيسية مع الدولة، أما في سوريا فإن تنظيم القاعدة يلعب دوراً رئيسياً في قلب خطوط المعركة السياسية الجديدة في المنطقة.


الربيع - الهدية


ومن جانبه أوضح طارق فهمي الخبير بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، أن فشل معظم الانتفاضات العربية في وضع خارطة طريق لمستقبلها السياسي يعد بمثابة هدية غير عادية لتنظيم القاعدة، نظراً لأن الفراغ الذي خلفته الأنظمة السابقة بجانب تفكك أجهزة الأمن أعطى مساحة أكبر للعمل الإرهابي للقاعدة. فقد تحولت الانتفاضة السورية مثلاً إلى تمرد مسلح حتى وصلت إلى الجهاد العالمي وتكالبت عليها كافة التنظيمات الإرهابية، كما أن الانهيار الهائل لجماعة الإخوان المسلمين في مصر أضعفت بشدة التيارات الإسلامية الأخرى في المنطقة التي كانت تنوي التقدم إلى السلطة، وهذا ما أدى إلى وجود فرص جديدة غير مسبوقة للقاعدة لإعادة تنظيم نفسها داخل الدول المضطربة.

وأكد طارق فهمي أن أي بداية للاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في المنطقة، يستغلها تنظيم القاعدة الذي يعرف جيداً كيف يتغلغل وسط التظاهرات، عندئذ يخرج عليهم أيمن الظواهري زعيم التنظيم من مخبئه ويصدر بيانا للشباب في العالم العربي. وبذلك استطاع التنظيم الانقضاض على اليمن وليبيا، لكنه تداخل ببطء ولم تفلح مخططاته مع مصر وتونس لوجود أجهزة أمنية وعسكرية تعرف جيدا كيف تتصدى لهذه التيارات وتتعامل معها جيداً.

أما في سوريا فإن تنظيم القاعدة يسعى إلى «لم شمل» سوريا والعراق في دولة واحدة تحت مسمى «دولة الشام والعراق الإسلامية»، وهناك سيناريوهات مماثلة تلعب بها في باكستان وأفغانستان بمساعدة قوى وأطراف خارجية تمد التنظيم بالسلاح والمال اللازم لتنفيذ هذه المخططات الدولية.


التحالف بين إخوان مصر والقاعدة


يرى عمرو هاشم ربيع الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الربيع العربي قدم فرصاً جديدة لإعادة إحياء تنظيم القاعدة بعد أن كان خاملاً، حيث جلبت الظروف الحالية فرصاً لم يسبق لها مثيل لانتشار القاعدة في جميع الدول العربية دون استثناء، فالحرب التي تشنها مصر ليست حربا على الإرهاب بالمفهوم الواسع للكلمة بقدر ما هي حرب على القاعدة بشكل رئيسي.

أما في باقي الدول العربية فإن التنظيم يرفض أنصاف الحلول التي تقدم سواء في اليمن أو ليبيا، ويكاد يكون استقر بشكل كبير داخل هذه المجتمعات لطبيعتها الجغرافية الواسعة التي تعطي للتنظيم حرية تنفيذ عملياته خاصة مع صعوبة ملاحقته.

ولفت عمرو هاشم إلى أن الآثار المترتبة على تغلغل القاعدة داخل دول الثورات تمثل مصدر قلق وتهديد للربيع العربي في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تحاول الجماعات الإرهابية الاستفادة من الاضطرابات السياسية واستبدال الأنظمة المتبقية ببديل متطرف.

صحيح أن القاعدة لم ترحب بالربيع العربي في بداياته، لكن أيديولوجيتها تمثل قوة مهيمنة على إسلاميي المنطقة، واضطهاد الحركات الإسلامية مثل فرصة جيدة لتجميع كل الجماعات الإسلامية تحت لواء تنظيم القاعدة، وهذا ما ينطبق على إخوان مصر الذين يروجون للعنف والتفجيرات بعد سقوطهم من الحكم بعد عام واحد فقط، وبالتالي فإن تعاونهم مع القاعدة بات أمراً مؤكداً لزعزعة استقرار النظام السياسي المؤقت، وخلال عهد الرئيس المعزول محمد مرسي تم الإفراج عن عناصر القاعدة الكبار من سجون حسني مبارك، وعاد البعض الآخر من ملاذاتهم الآمنة في الخارج، وأحد هؤلاء القادة شقيق أيمن الظواهري الأصغر محمد الظواهري.

أما في ليبيا فإن محمد جمال الكاشف- مثلا- قائد معسكرات تدريب الإرهابيين داخل مصر وليبيا وبعد إطلاق سراحه من السجن عام 2011 بعد سقوط القذافي، شارك في الهجوم الإرهابي على القنصلية الأميركية في بنغازي، وقتل أربعة أميركيين بينهم السفير، واعترف الكاشف بالعمل مع ميليشيا تسمى جماعة أنصار الشريعة لتنفيذ المخطط.

وفي تونس لا يختلف الأمر حيث نمت خلية تابعة لتنظيم القاعدة متحالفة مع جماعة أنصار الشريعة التونسية بقيادة أبي عياض التونسي، ودبرت هجوماً على السفارة الأميركية، وتحاول الجماعة إجبار الحكومة الإسلامية التونسية على اعتماد صيغة أكثر صرامة لتطبيق الشريعة الإسلامية.

13