تنظيم القاعدة في بلاد المغرب.. نشوء متشابه ومسارات مختلفة

الاثنين 2018/01/29
طريق القاعدة في المغرب الإسلامي عبدته العشرية السوداء في الجزائر

باماكو - يتناول الباحث أشرف راضي، في كتابه المعنون “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.. النشأة والتحول والمسار” واحدا من أهم التنظيمات الجهادية في هذه المنطقة وفي دول الساحل الأفريقي التي تمتد عبر الصحراء الكبرى وجنوبها من موريتانيا على ساحل المحيط الأطلسي غربا إلى حدود السودان شرقا، مرورا بمالي والنيجر وشمال النيجر.. إنه تنظيم القاعدة.

وتبحث هذه الدراسة المستفيضة في جذور الجماعات الإسلامية الناشطة في هذه المنطقة الشاسعة من القارة الأفريقية، كيف ظهرت؟ وكيف تعمل؟ وما هي علاقتها بتنظيم القاعدة الذي أسسه أسامة بن لادن في منتصف التسعينات من القرن الماضي؟

وتكمن أهمية هذا البحث المنشور في كتاب أشرف عليه الأكاديمي جهاد عودة، وصدر عن المعهد العربي للكتاب، في أنه يساعد المتخصصين في بلدان المشرق العربي على فهم ورصد تطورات الإسلام السياسي في بلدان المغرب والساحل الأفريقي، ذلك أن جذور وملابسات تشكّل التنظيمات الإسلامية ليست مشابهة لما هو عليه في بلدان مثل العراق وسوريا.

ولا يمكن رصد تطور الإسلام السياسي في المغرب الإسلامي دون التوقف عند محطات مفصلية في التاريخ المعاصر الذي يخص هذه المنطقة ولعل أهمها هو الأحداث الدامية في الجزائر أو ما سمّي بالعشرية السوداء التي اندلعت مطلع التسعينات إثر تلك الانتخابات، وخلفت عشرات الآلاف من الضحايا. وظهرت فصائل ومجموعات إسلامية مسلحة انضوت فيما بعد تحت تنظيم القاعدة، الأمر الذي لم ينتبه إليه المراقبون وحسبوا ظهور القاعدة في هذه المنطقة ظهورا مفاجئا أملته تطورات ميدانية في بلدان مشرقية وآسيوية بشكل عام.

الأمر الثاني، والمشابه لأحداث الجزائر يأتي من منطقة الساحل الأفريقي، وتلك الحرب التي اندلعت عام 2012 شمال مالي والتي استدعت تدخلا خارجيا قادته فرنسا، الدولة الاستعمارية السابقة، للتغلب على الجماعات الإسلامية المسلحة التي احتلت شمال البلاد مستغلة الصراع بين الطوارق والحكومة المركزية لتحويل تلك المناطق إلى قاعدة للتنظيمات الجهادية القادمة من بلاد في المنطقة، والساعية للسيطرة على الحكم.

الأمر الآخر والذي سهّل على هذه الجماعات الجهادية التحرك والتوسع والتنسيق في ما بينها في المنطقة هو حالة “الربيع العربي” وما رافقها من فوضى عارمة وانفلات أمني خصوصا في ليبيا التي مازالت ملاذا للعديد من الجماعات الإرهابية المسلحة.

ظهور تنظيم بوكو حرام في شمال نيجيريا كان بدوره رافدا أساسيا وعاملا حاسما في تغول التنظيمات الإسلامية في المنطقة، ذلك أن أسباب ظهور هذا التنظيم الإرهابي لا تختلف عن مثيلاته في المنطقة، وهي أسباب في غالبيتها اقتصادية واجتماعية تمثلت في غياب التنمية واستفحال الفوارق الطبقية وانتشار الفساد وتنامي التفرقة الفئوية والدينية.

حقيقة قد تبدو صادمة بالنسبة للمهتمين بنشاطات القاعدة، وهي أن الملامح الأولى لتشكل القاعدة كانت في المغرب الإسلامي

ويؤكد الباحث أشرف راضي في كتابه أن التشكل الأول لظهور القاعدة في بلاد المغرب كان سنة 2007، وفي الجزائر على وجه التحديد حين أصبحت الجماعة السلفية للدعوة والقتال تعرف باسم القاعدة في المغرب الإسلامي بعد أن أعلن قادتها الولاء وبايعوا أسامة بن لادن.

ويضيف الباحث راضي في كتابه “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.. النشأة والتحول والمسار” حقيقة قد تبدو صادمة بالنسبة إلى مراقبين ومهتمين بنشاطات القاعدة، وهي أن الملامح الأولى أو الإرهاصات الجنينية لتشكل تنظيم القاعدة كانت في بلاد المغرب الإسلامي، ذلك أن الكثير من قادة هؤلاء كانت لهم خبرة في القتال في أماكن كثيرة بالعالمين العربي والإسلامي، وساهموا في تكوين الخلايا المسلحة والتنظير لدولة الخلافة التي يقولون إنهم يعملون لاسترجاعها بعد سقوطها مع الدولة العثمانية في بداية عشرينات القرن الماضي، كما يدّعون.

ويلفت الكتاب الانتباه إلى عامل آخر من عوامل تقوية شوكة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والساحل الأفريقي، وهو أن الولايات المتحدة وفي أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، أطلقت جبهة دولية لمحاربة الجماعات الإسلامية وبدأت بالتنسيق وإنشاء شبكات لتبادل المعلومات، الأمر الذي أنتج ردة فعل لدى بن لادن الذي أطلق بدوره سنة 1998 ما سماه بالجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين.

وما يميز ما ذهب إليه أشرف راضي، في دراسته هذه عن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، هو أنها اعتمدت منهجا علميا تأسس على قاعدة جمع بيانات وترصّد هذه الحركات الإسلامية منذ نشأتها وكيفية تعاطيها مع الحكومات المحلية في دولها وبطرق مختلفة تعتمد المناورة والتنسيق ثم إن هذه الدراسة لم تتخذ لنفسها نهجا سياسيا محددا ومتوقعا من شأنه أن يوقعها في التسطيح وإعادة إنتاج المواقف والتصريحات الإعلامية ذات الطابع السياسي.

ولم يغفل راضي في كتابه عن الإشارة إلى مدى استفادة الجماعات الإسلامية من وسائل الاتصال الحديثة والثورة الرقمية في الاتصال في ما بينها حتى لو لم ترتبط كلها بتنظيم القاعدة، لكن الأهداف العريضة لهذه الجماعات هي واحدة، أما طرق معالجتها فليست واحدة وتتجاوزها نحو ضرورة إيجاد حلول واقعية راهنة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية.

والدول المنخرطة في محاربة الإرهاب يمكن لها أن تستفيد من هذا البحث المتميز عربيا، ذلك أن الغريب في الأمر، وكما أشار الكاتب، أن الدراسات المتعمقة في تنظيم القاعدة بهذه البلدان هي دراسات في مجملها إنكليزية وفرنسية أما البحوث العربية فيطغى على غالبيتها التوصيف والتوثيق دون تحليل وتتبع لبدايات نشوء الإسلامي وأسبابه المنطقية التي كثيرا ما تتعامى عنها حكومات عربية.

وتقوم المنهجية المطبقة في هذا البحث على أساس البيانات والمعلومات كموجه لتحليل الظاهرة موضع الدراسة، وذلك بهدف التقليل من التصورات المسبقة.. وهذا ما يكسب الكتاب أهميته.

13