تنظيم القاعدة يتربص بجنوب اليمن على أرضية الارتباك السياسي والأمني

حالة الارتباك التي تسود إدارة المناطق اليمنية المحرّرة من المتمرّدين الحوثيين، والفشل في توفير الخدمات الأساسية لسكانها، تمثّل أرضية مثالية لتنظيم القاعدة لإعادة تموضعه في تلك المناطق، خصوصا في ظلّ استعداد جماعة الإخوان المسلمين لتوفير الغطاء للتنظيم على أساس وحدة الأهداف والقرابة الفكرية والأيديولوجية معه.
الثلاثاء 2017/05/02
جروح عدن لا تكاد تندمل حتى تنكأ من جديد

عدن (اليمن) - تثير تحرّكات عناصر تنظيم القاعدة بمدينة عدن إحدى أهم المراكز بجنوب اليمن والتي تتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، مخاوف السكّان من أنّ التنظيم المتشدّد بصدد إعادة التموقع بالمدينة، بعد النجاحات التي حقّقها التحالف العربي في مواجهته، وأهمها طرده من المكلاّ مركز محافظة حضرموت الواقعة إلى الشرق من عدن، وبعد الضربات الكثيرة التي تلقاها من الطائرات الأميركية دون طيار وأودت على مدار الأشهر الماضية بعدد هام من مقاتليه من بينهم قادة ميدانيون.

ويحذّر خبراء الشؤون الأمنية من أنّ التنظيم الذي لطالما أظهر استعدادا كبيرا لملء الفراغات واستثمار الثغرات السياسية والأمنية، بصدد الاستفادة من الارتباك السياسي الذي يطبع عمل حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي، وخصوصا فشلها في إعادة إطلاق عجلة التنمية بالمناطق المحرّرة من المتمرّدين الحوثيين، فضلا عن توفير الخدمات الأساسية لسكان تلك المناطق.

ويقول هؤلاء إنّ من أكبر المعضلات اختلاط التنظيم بفصائل مسلّحة تعرض نفسها كمقاومة شعبية منخرطة في مواجهة التمرّد الحوثي وباتت بمثابة “حصان طروادة” للتنظيم للتسلّل إلى عدن وعدد آخر من المناطق والمدن.

ويؤكّدون وجود دلائل على أنّ حزب الإصلاح ذراع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، والممثل بشكل رسمي في السلطة التي يقودها هادي عمد إلى تسريب أعداد كبيرة من مسلّحي تنظيم القاعدة إلى صفوف المقاتلين غير النظاميين المنخرطين في حرب المتمرّدين، لاستخدامهم في محاولة السيطرة على المدن والمناطق التي تتم استعادتها.

والأسبوع الماضي صدر من مدينة تعز إحدى أكبر مدن الساحل الجنوبي الغربي لليمن “بيان” يعلن فيه تنظيم القاعدة لأوّل مرّة تواجده بالمدينة التي تعتبر مركزا مهمّا لحزب الإصلاح الإخواني، ويهدّد فيه بشكل صريح دولا في التحالف العربي كانت قادت جهود طرده من المكلاّ.

وأكّدت مصادر محلّية في تعز أنّ البيان إخواني بامتياز، مذكّرة بأن حزب الإصلاح لطالما حرص في السابق على إنكار أيّ وجود للقاعدة بتعز.

ويلتقي قلق سكان المناطق اليمنية المحرّرة من تحرّكات تنظيم القاعدة مع تقارير غربية تتحدّث عن استفادة التنظيم من الفوضى في إدارة تلك المناطق.

وورد في تقرير لصحيفة التايمز البريطانية قول موفد الصحيفة إلى عدن، ريتشارد سبنسر، إنّ التنظيم لم يختف من المنطقة على الرغم من طرده بعيدا عن الساحل اليمني الجنوبي على أيدي قوات خاصة من الإمارات العربية المتحدة وقوات من مقاتلين قبليين يمنيين وبدعم من الغارات الأميركية بطائرات دون طيار.

وربط التقرير بين إقالة محافظ عدن عيدروس الزبيدي -المعروف بجهوده في محاربة القاعدة وبمناهضته لجماعة الإخوان- وبين شكوك كان أثارها المحافظ المقال بشأن توظيف السلطات لعناصر التنظيم المتشدّد في الحرب ودفع أجور لهم لقاء ذلك.

توماس جوسلين: بعد سنوات من القتال والقصف بالطائرات دون طيار ما تزال القاعدة قوية

وقال سبنسر إنّ الردّ كان إقالة عيدروس، واصفا ذلك بالمجازفة.

وتتخوّف حكومة هادي من تظاهرات عارمة ستشهدها عدن الخميس احتجاجا على إقالة المحافظ الذي تحوّلت إزاحته من المنصب إلى استفتاء تلقائي أظهر أنّ له شعبية كاسحة. وحذّرت، الإثنين، على لسان وزير الداخلية حسين عرب من القيام بأعمال عنف وشغب، مهدّدة بأنّ “الأجهزة الأمنية لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أيّ أعمال عنف أو شغب يمكن القيام بها في عدن”.

ونُقل عن الكولونيل أحمد صالح العامري، وهو ضابط بالقوات اليمنية قوله إنّ الدعم القَبلي للتنظيم في جنوب اليمن تضاءل، لكن مراسل التايمز يستدرك بأنّ الأدلة على ذلك في شوارع عدن ليست واضحة، مذكّرا بأن سلف الزبيدي في منصب المحافظ اغتيل بهجوم بسيارة مفخخة، كما فجّر تنظيم القاعدة مكتبة عدن المركزية بعد وقت قليل من بنائها بتمويل من الهلال الأحمر الإماراتي.

ونقل عن طالبات في إحدى مدارس عدن قولهن إنهن لا يتمكنّ من النوم ليلا بسبب أصوات إطلاق النار.

وسبق لتوماس جوسلين، المحلل الذي عرض على الكونغرس الأميركي صورة قاتمة لقوة الجماعات الإرهابية في اليمن الشهر الماضي أن أكّد أنّ “القاعدة أقوى مما يمكن أن نتصوره”، مضيفا أنّه على الرغم من سنوات من القتال والقصف من قبل الطائرات الأميركية دون طيار، فإن هذه الجماعات احتفظت بالقدرة على تجديد الأفراد وتنصيب نفسها الحاكم الشرعي في العديد من المناطق.

وجاء تهديد التنظيم للولايات المتحدة ليدعم طرح جوسلين بشأن احتفاظ القاعدة بقوّتها في اليمن، حيث قال زعيم “القاعدة في جزيرة العرب”، قاسم الريمي إن مقاتلي التنظيم “لن يتركوا جرائم أميركا تمر دون عقاب”.

واعتبر الريمي في تصريح عبر قناة التنظيم على تطبيق المراسلات “تيليجرام” أن “ما تفعله الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب انعكاس للفشل المتراكم للإدارات الأميركية المتعاقبة، التي أفلست في مواجهة المجاهدين في كل مكان”، في إشارة للعمليات العسكرية التي نفذتها قوات أميركية

في اليمن منذ تسلّم ترامب مهامه رئيسا للولايات المتحدة قبل حوالي مئة يوم. وكثّفت القواة الأميركية في الآونة الأخيرة، من عملياتها العسكرية ضدّ تجمعات تنظيم القاعدة في اليمن، وكان أكثرها جلبا للانتباه العملية التي نفذتها قوات خاصّة آخر شهر فبراير الماضي وتضمنت إنزالا بريا على

أحد مواقع التنظيم في محافظة البيضاء بجنوب البلاد أسفر عن مقتل 14 من عناصر القاعدة وعشرات المدنيين وجندي أميركي، إضافة إلى سقوط مروحية تابعة لسلاح الجو الأميركي.

وتأتي مضاعفة واشنطن لجهودها في محاربة تنظيم القاعدة باليمن كمظهر آخر عن المخاطر التي ما يزال التنظيم يشكلّها في ذلك البلد ذي الموقع الاستراتيجي بجوار بلدان الخليج الغنية والمستقرّة والمشرف على ممر بحري مهم لحركة التجارة العالمية بما في ذلك تجارة النفط.

3