تنظيم القاعدة يحاول استثمار اتفاق طالبان مع واشنطن

رواية تعبوية مشتركة تجمع أعضاء طالبان والقاعدة وتنتشلهم من الانقسام.
الاثنين 2020/03/16
طالبان تحتفي باتفاق السلام وتنظيم القاعدة يغازل

تباينت ردود الفعل لدى الفصائل الجهادية على اتفاق السلام التاريخي الموقع بين الولايات المتحدة وحركة طالبان الأفغانية، وبحث كل تيار جهادي عن الأسلوب الأمثل لتطويع الحدث صوب الاتجاه الذي يحقق مصلحته.

كان بيان تنظيم القاعدة المركزي بقيادة أيمن الظواهري، الصادر في 12 مارس بعنوان “إنا فتحنا لك فتحا مبينا”، أبرز التفاعلات الصادرة من التيارات الجهادية، حيث تضمن “تهنئة” لقيادة طالبان على الإنجاز العظيم، معتبرا التوصل إلى اتفاق سلام مع واشنطن نصرا تاريخيا لتنظيم القاعدة.

وضح من الصياغة الاحتفالية للبيان رغبة التنظيم في استثمار الحدث للمزاحمة في جني ثماره السياسية، اعتمادا على علاقته بطالبان، هادفا إلى رفع معنويات أعضاء القاعدة، ومحاولة استعادة الهيبة المفقودة لمركز التنظيم.

حرص الظواهري على توظيف التطورات في الساحة الأفغانية لجمع شتات تنظيمه المهلهل واستعادة الولاء والتبعية لفروعه مجددا صوب المركز، في ظل مؤشرات تعكس اكتساب الفروع في مناطق كثيرة من العالم مقدرة على الاستقلالية عن التنظيم الأم، علاوة على الضعف الطارئ على الظواهري بالمقارنة بقوة قادة العديد من الفروع إلى حد إعلان بعضهم التمرد عليه وفك الارتباط به.

حاول التنظيم المركزي للقاعدة تخفيض رواج التوقعات بشأن المستقبل المنتظر للتنظيم بعد الاتفاق، قاطعا الطريق أمام من يدفعون باتجاه سيناريوهات قطع الروابط الاستراتيجية والعشائرية التي تجمعه بطالبان، لأن الاتفاق يقضي بأن تقطع طالبان علاقتها بالقاعدة التي نشأت منذ تسعينات القرن الماضي، مقابل الانسحاب الأميركي من الأراضي الأفغانية.

تنفيذ جوهر الاتفاق وفق الرؤية الأميركية بالنظر للروابط العسكرية التي تجمع الكيانين، حيث يدرب القاعدة عناصر طالبان في العديد من الولايات الأفغانية، قد يفضي إلى مواجهات مسلحة بينهما لصعوبة قبول القاعدة بخسارة معسكرات التدريب وحرمانها من ملاذاتها الآمنة في الأراضي الأفغانية، علاوة على الروابط الأسرية التي تشكلت طوال السنوات الماضية.

علاقة متينة

موقف القاعدة يخدم حركة طالبان عبر إظهارها كقوة فاعلة على الأرض، ما يضعف حجج الأجنحة المتشددة داخلها

لذا يحرص تنظيم القاعدة على إظهار متانة العلاقة التي تربطه بطالبان، عامدا إلى إعادة قراءة بنود اتفاق الدوحة وفق رؤيته، فهو لا يعتبره اتفاق سلام يشترط إقصاء التنظيم والتخلي عنه، إنما الانتصار والمؤازرة للقاعدة لحركة طالبان على الولايات المتحدة التي أُجبرت على الانسحاب من أفغانستان.

استحضر الظواهري اسم زعيم طالبان الأسبق الملا محمد عمر، كشاهد على أزهى مراحل العلاقة بين طالبان والقاعدة، فهو من رفض مطالب واشنطن بتسليم بن لادن وأعضاء تنظيمه، مذكرا بحديثه عن الوعد الإلهي للمجاهدين بـ”هزيمة أميركا”.

سبقت بيان الظواهري مطالبة أبومحمد المقدسي، أحد أهم منظري القاعدة على حسابه على التليغرام، طالبان بعدم التخلي عن القاعدة ومحذرا من إلقاء السلاح واعتزال الجهاد، نافيا عدم علم الملا عمر بهجمات 11 سبتمبر 2001 قبل وقوعها.

عدم اكتراث القاعدة بشروط الطرف الأميركي تصاحبه مناورات من قبل حركة طالبان التي لم تحسم بشكل واضح مستقبل علاقتها بالقاعدة، في وقت تميل وفق تصريحات البعض من قادتها لسد المنافذ أمام حدوث انشقاقات كبيرة داخلها.

تخشى طالبان من انفصال باقي أجنحتها المتشددة عنها وهو ما يمنح تنظيم داعش في أفغانستان (ولاية خراسان) فرص التفوق عليها وتوسيع النفوذ وتكثير الأتباع على حسابها، إذا تعرضت العلاقة التي تجمعها بالقاعدة لهزة عنيفة من شأنها تقسيم الحالة الجهادية الأفغانية بين معسكرين، أحدهما متخاذل يقبل بالتنازلات والحلول الوسط، والآخر متمسك بالجهاد حتى النصر.

يخدم موقف القاعدة حركة طالبان عبر إظهارها كمنتصرة وكقوة فاعلة على الأرض وقادرة على قلب الأوضاع لصالحها والتعامل مع أي طرف لا يعترف بها مهما كانت قوته، ما يضعف حجج الأجنحة المتشددة داخلها، غير الراضية عن الاتفاق مع واشنطن والداعية إلى التمرد تمهيدا للالتحاق بداعش.

تنظر طالبان والقاعدة إلى انسحاب أميركا من أفغانستان كأمر واقع تحقق بقوة السلاح، وإلى اتفاق السلام كورقة تجميل للموقف الأميركي وحفظ ماء وجه الرئيس دونالد ترامب، ولا ينبني عليه تغيير وقائع على الأرض، في حين من الممكن استثماره بغرض التأسيس لرواية تعبوية تجمع شتات أعضاء طالبان والقاعدة وتنتشلهم من انقساماتهم.

"ملحمة" من التاريخ

المعادلة الأفغانية المعقدة تقتضي أن تظل بعض التعهدات بالاتفاق مع الولايات المتحدة حبرا على ورق
المعادلة الأفغانية المعقدة تقتضي أن تظل بعض التعهدات بالاتفاق مع الولايات المتحدة حبرا على ورق

يعكس ترويج القاعدة لتوافق ضمني مع طالبان، ملحمة جهادية شبيهة بالانتصار على الاتحاد السوفييتي السابق، وعدم خشية الجهاديين في طالبان والقاعدة من نكوص الأميركيين عن الاتفاق قبل بدء سريانه وفق البنود التي تقضي بانسحاب القوات الأميركية في غضون أربعة عشر شهرا من التوقيع.

على الرغم من أن الشرط المقابل كبند أساسي في بنود الاتفاق يقضي بتخلي طالبان عن رفقائها في القاعدة، إلا أن ما يحقق جوهر الهدف الأميركي، وألا تكون أفغانستان مستقبلا نقطة تحضير لهجمات إرهابية ضد المصالح الأميركية والغربية، هو احتواء طالبان للعدد الأكبر من الجهاديين، للحيلولة دون انحيازهم لداعش وللتنظيمات المنفلتة التي لا تكبلها اتفاقيات مع الطرف الأميركي.

نظر المفاوض الأميركي بواقعية إلى التطورات المستجدة على الساحة الأفغانية وفي مقدمتها تنامي نفوذ تنظيم داعش الذي يطمح إلى بسط السيطرة وكسب المزيد من الأراضي، لذا تتفهم واشنطن ضرورة أن يظل قادة طالبان مسنودين بأدواتهم التي تؤكد قوتهم على الأرض.

سارع فرع داعش في أفغانستان (ولاية خراسان) لإظهار ردة فعله على اتفاق طالبان وواشنطن عبر البيانات والأفعال، معلنا كفر طالبان وردتها، ومنفذا لعمليات عنف وتفجيرات في رسالة مختصرها أن الساحة الأفغانية خلت من جميع الجهاديين، وبقي تنظيم داعش بمفرده.

حرص داعش في أفغانستان على أن تكون طالبان ضمن أهدافه المشروعة داخل ما يقارب الخمس وعشرين ولاية من أصل خمس وثلاثين التي ينشط بها التنظيم بجانب أهدافه الأخرى، حيث نفذ العديد من العمليات التي راح ضحيتها عشرات القتلى من طالبان والمدنيين وقوات الأمن والطائفة الشيعية.

اقتضت المعادلة الأفغانية المعقدة أن تظل بعض التعهدات بالاتفاق حبرا على ورق، ومنها تعهد طالبان المكتوب بقطع العلاقة مع القاعدة، لأن بديل القاعدة في أفغانستان هو داعش الذي يسعى لأن يحل محله، لذلك تتسامح أميركا مع أهون الشرين لتكسب طالبان الصراع الداخلي وتحول دون انشقاق المتشددين عنها، وتمنع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية.

سعت واشنطن إلى كسب طالبان وإنهاء الصراع لأسباب عديدة، منها ما يخص التنافس على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض، ومنها ما يتعلق بالصراع الاستراتيجي مع كل من إيران وروسيا والصين، وهو ما يدفعها إلى عدم التدقيق في المسميات والتفريق بين الحركة والتنظيم، إذا ما نجح مفاوضها الأفغاني حاضرا ومستقبلا في السيطرة على الأوضاع ومحققا جوهر المطالب الأميركية.

في هذا الإطار يمكن تفسير وفهم معنى احتفاء تنظيم القاعدة الأم بالاتفاق، رغم الجدل المثار حوله داخل الأوساط الجهادية وندرة تفاعله مع أحداث مهمة تخص فروعه خلال الفترة الماضية، حيث تدشن فروع التنظيم على مختلف المحاور تجارب محلية مستقلة عن مركزه الذي لم يتبق له سوى طالبان، ومرجح أن يخضع لها لاحقا وفق شروطها.

يدرك تنظيم القاعدة أنه الخاسر الأول إذا استسلم لمصيره ولم يتحل ببعض البراغماتية التي تمكنه من اقتناص فرصة غالية كشريك مجددا لحركة طالبان في السلطة، بعد عودتها بقوة كطرف أساسي على الساحة الأفغانية باعتراف دولي.

13