تنظيم القاعدة يسوّق نفسه حليفا ضد الدولة الإسلامية

التغيرات الحاصلة اليوم في منطقة الشرق الأوسط لم تؤثر فقط على مشهدها الجغراسياسي، بل تجاوزته لتطال جوهر التنظيمات الجهادية، التي أنشئت أساسا لتساعد في عملية التغيير بالمنطقة إلا أنها استقوت وتمرّدت وانشطرت، بما ينذر بدخولها في صراع وجودي للفوز بريادة الإرهاب وتزعم عمليات سفك الدماء.
السبت 2015/09/12
الصراع يحتدم بين أمراء الإرهاب

اختلف خبراء في الحركات الجهادية في تفسير دلالات أحدث التسجيلات الصوتية لأيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، التي هاجم فيها تنظيم الدولة الإسلامية، ووصف حكمه بأنه إمارة استيلاء دون شورى.

ورأى بعض الخبراء أن عودة الظواهري للظهور، عقب فترة من الاختفاء، رسالة للعالم بأن تنظيم القاعدة لا يزال الأب الشرعي للحركات الجهادية في العالم. بينما حلل البعض لهجة الظواهري الحادة بأنها انعكاس لاتفاق ما، لا يزال خفيا مع جهات أو وكالات غربية لعودة تنظيم القاعدة كبديل لتنظيم داعش في مناطق نفوذه، خصوصا في سوريا وليبيا، اللتين خرج فيهما الأخير عن سيطرة الغرب.

لكن بين هؤلاء وأولئك، ظهرت تحليلات لم تستبعد أن يكون خطاب زعيم القاعدة، رغم عنفه الظاهر، رسالة خفية لنظيره الداعشي أبي بكر البغدادي، للتعاون وربما الالتحام في تنظيم واحد بالغ القوة، استنادا على فقرة غريبة خارجة عن السياق العام لتصريح زعيم القاعدة حينما قال “لو كنت في العراق أو في الشام لتعاونت معهم في قتال الصليبيين والعلمانيين والنصيريين والصفويين رغم عدم اعترافي بشرعية دولتهم ناهيك عن خلافتهم لأن الأمر أكبر مني ومن زعمهم إقامة الخلافة”.

عمرو عبدالمنعم، باحث في شؤون الحركة الجهادية، استبعد الفرضية الأخيرة، معبرا في تصريحات لـ”العرب”، عن قناعته بأن إعلان الظواهري كان لموقف شخصي منه، ولا يمثل تنظيم القاعدة، وليس أمرا مباشرا منه بالتقارب مع داعش. ودلل عبدالمنعم على رأيه بأن كل محاولات الصلح بين التنظيمين خلال الفترة الماضية فشلت، خاصة أن العلاقة بينهما، منذ ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في نسخته الداعيشية، تنافسية وليست تعاونية، كما أن هذا التنظيم سعى منذ البداية لتقديم نفسه كبديل للقاعدة في قيادة الجهاد الإسلامي في المنطقة.

واستبعد عبدالمنعم كذلك تلميحات بأن الخطاب مقدّمة لتنفيذ عمليات جهادية جديدة لتنظيم القاعدة خلال الفترة المقبلة، مفسرا خروج الظواهري قبل ساعات من ذكرى 11 سبتمبر عادة سنوية للتنظيم، مثل خطابات رؤساء الدول والحكومات في المناسبات الوطنية لبلادهم.

ورفض أيمن الظواهري، الطبيب المصري السابق، خلال التسجيل، الذي جرى بثه مساء الأربعاء، الاعتراف بشرعية تنظيم الدولة الإسلامية وزعيمها أبي بكر البغدادي، معتبرا خلافته عبارة عن استيلاء وغلبة، قائلا “لا نعترف بهذه الخلافة ولا نراها خلافة على منهاج النبوة، بل إمارة استيلاء بلا شورى، ولا يلزم المسلمون مبايعتها، ولا نرى أبا بكر البغدادي أهلا للخلافة”.

عمرو عبدالمنعم: داعش يسعى لتقديم نفسه كبديل للقاعدة ةفي قيادة الجهاد الإسلامي

انكماش داعش

في رأي منير أديب، الخبير في شؤون الحركات الجهادية، يعتبر ظهور الظواهري قبل ساعات من ذكرى 11 سبتمبر رسالة بأن تنظيم القاعدة مازال موجودا على الساحة وأن قيادة الجهاد لم تنتقل لتنظيم داعش. وأشار أديب إلى أن تخصيص الظواهري جزءا كبيرا من تسجيله لرثاء من وصفهم بـ”شهداء الجهاد” حول العالم، محاولة للإيحاء بوجود أنصار وتابعين في شتى مناطق الصراع وعدم سيطرة داعش على تجمعات القاعدة حول العالم.

وأكد الباحث أن الخطاب يجدد الصراع بين داعش والقاعدة، بعد مرور أكثر من عام على التسجيل الصوتي لأبي محمد العدناني، القيادي بداعش، الذي وصف الظواهري بـ”الشيخ الخرف”، مشيرا إلى أنه يتوقع رد فعل قريب من تنظيم الدولة الإسلامية، سواء عبر تصعيد عملياته ضد جبهة النصرة، في سوريا، أو ظهور تسجيل جديد لمهاجمة الظواهري والقاعدة.

ويعزى انفصال التنظيمين وقيادتهما عن بعضهما لأسباب عدة ترتبط بنوعية العدو المستهدف والاستراتيجية المتبعة في مواجهته، علاوة على اختلافات فقهية وفكرية بين التنظيمين، وذلك برغم تقاسمها الأهداف المتوخاة من ذلك.

وبينما يسعى كل من تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية إلى إقامة دولة “خلافة عالمية”، لكنهما يختلفان بشكل واضح في كيفية إنجاز تلك المهمة وسرعة تحقيقها. ويتبع التنظيم مقاربة حرب طويلة المدى تركز على مهاجمة “العدو البعيد” الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بشكل يمنعهم من التدخل في الأراضي الإسلامية سواء بسبب عدم القدرة أو عدم الرغبة.

أما تنظيم الدولة الإسلامية فيتبع المسار المعاكس، إذ يتبنّى المقاربة العاجلة، “لما الانتظار؟”، ويركز جهوده على السطو على الأراضي والحفاظ عليها وحكمها. وتعول هذه الاستراتيجية على القدرة على استخدام أي أرض يتم غزوها والموارد المتحصل عليها بغاية التوسع المتواصل.

وكان تنظيم الدولة الإسلامية شن في مايو العام الماضي، هجوما شديد اللهجة على أيمن الظواهري، واتهمه بالانحراف عن “النهج الجهادي”، وبشق صفوف “المقاتلين الجهاديين”، كما رفض الامتثال لأوامره بالانسحاب من القتال الدائر في سوريا.

ويتوقع ماهر فرغلي، الخبير في الحركات الجهادية، تواصل السجالات الكلامية والعسكرية بين التنظيمين في الفترة المقبلة، فبعد تسجيل الظواهري سيخرج البغدادي أو العدناني للرد، ثم يتم تسريب رسالة للأنباري (الرجل الثاني في التنظيم) وبعدها يقوم داعش بالإعلان عن بيعة أو بيعات جديدة، من المرجح أن تكون في شمال أفريقيا، وعمليات نوعية كبيرة لإثبات الكيان والوجود والتمدد.

وحذّر الجهادي السابق من أن تنظيم القاعدة، مازال محافظا على خلاياه النائمة، القادرة على الانتشار والتمدّد، في حين أن تنظيم داعش ينكمش ويرتد للداخل العراقي ويثبت وجوده بالطائفية ويقاوم الانهيار بالفوضى وبيعات التمدد الوهمية وصناعة ولايات منفوخة وكاذبة. وشدّد على أن تنظيم القاعدة هو الأخطر والأصعب، والظواهري والقيادات المصرية التي تدير التنظيم بالكامل هي المشكلة لخبراتها الكبيرة بالعمل الجهادي، والمفاوضات السرية مع وكالات مخابراتية غربية على مدى سنوات طويلة.

"داعش" يثبت وجوده بالطائفية ويقاوم الانهيار بالفوضى

وتتّفق قراءة ماهر فرغلي مع ما جاء في تحليل لسكوت ستيوارت، الباحث في مركز ستراتفور الأميركي للاستخبارات والدراسات الأمنية، حيث يرى، في تحليله للاستراتيجية الجهادية للقاعدة ووجه الشبه بينها وبين استراتيجية الدولة الإسلامية، أن قتل الأيديولوجيات أصعب من قتل الأفراد. ويعني ستيوارت بذلك أن تنظيم الدولة الإسلامية سيأتي يوم وينهار، فيما سيبقى تنظيم القاعدة المركزي.

ويستشهد سيتروارت على ذلك مبيّنا أنه منذ سقوط إمارة طالبان في أفغانستان حاولت عدة تنظيمات جهادية إحداث أنظمة إسلامية. وإلى حد الآن انتهت كل واحدة من هذه المحاولات بفشل ذريع، وفي كل مرة بما في ذلك إمارة طالبان، فقد لعب التدخل العسكري الغربي دورا أساسيا في سقوط الدولة الجهادية، وستفعل الشيء نفسه مرة أخرى في حالة دولة الخلافة المزعومة لدى تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيتخلى في نهاية المطاف عن الأراضي التي استحوذ عليها.

ريادة الجهاد

مراقبون قالوا لـ”العرب” إن تركيز أيمن الظواهري، في بيانه الأخير، على تنظيم الدولة الإسلامية “محاولة لاستغلال التحالف الدولي ضده، وحالة الضعف التي يمر بها التنظيم وانكماشه في الداخل العراقي، من أجل إعادة تنظيم القاعدة إلى مكانته كرائد للجهاد الإسلامي حول العالم”.

بدوره، أكّد هشام النجار، الجهادي السابق والخبير الحالي في شؤون الحركات الإسلامية، أن تنظيم داعش يتراجع بالفعل في عدة ملفات ومحاور ومناطق نفوذ استراتيجية، منها سوريا وسيناء وليبيا، ونوعا ما العراق، وفي المقابل يسعى تنظيم القاعدة إلى استغلال التراجع لاستعادة بريقه واسترجاع تقدمه وأقدميته واستحقاقه للقيادة والزعامة الجهادية.

وأشار النجار، مؤلف كتاب “داعش.. السكين التي تذبح الإسلام”، إلى أن تنظيم القاعدة يحاول طرح نفسه كبديل لداعش الذي يتعرض لمواجهة دولية، بمعنى أن تنظيم القاعدة تطور من تلقاء نفسه ككيان يمكن التحالف معه والدخول في مفاوضات، على خلفية ارتباطه بحركة طالبان، التي خاضت معها الولايات المتحدة مفاوضات في الدوحة. وأضاف أن القضية لا تخلو من ارتباط بالملف السوري وإمكانية القبول بتنظيم القاعدة والكيانات المرتبطة به هناك، كأحد اللاعبين الأساسيين في المشهد حاليا ومستقبلا.

وحول الرسائل التي يحملها خطاب الظواهري، قال النجار هناك رسالة موجهة للغرب، والولايات المتحدة تحديدا، لتسهيل عملية تحجيم داعش من خلال التفاهم والتنسيق مع القاعدة، على غرار ما حدث في الحرب الأفغانية ضد الروس. كما أن هناك رسالة تحذير لداعش التي أدى توسع عملياته إلى أن طالت قادة القاعدة أنفسهم، سواء في سوريا أو ليبيا، وأن هذا الأمر لن يمر مرور الكرام ولن تسكت عليه القاعدة. كما كشف الخطاب أن تنظيم القاعدة قرر في المرحلة المقبلة التعبير عن نفسه وحضوره بقوة، خاصة في ليبيا واليمن ومناطق نفوذه المتناثرة في أفريقيا.

ولفت النجار إلى أن رسالة الظواهري، بنبرة التحدي التي تحملها، تعني أن هناك تحالفا وتنسيقا جديدا تم بالفعل مع الغرب والولايات المتحدة، أو أن هناك دعما جديدا للقاعدة تغذت به على خلفية الانقسام الحاصل في صفوف جماعة الإخوان المسلمين، وبعض الجماعات الجهادية المتحالفة معها.

7