تنظيم القاعدة يوقظ خلاياه النائمة في لبنان والتشدد يطل من المخيمات

الاثنين 2013/09/16
الأسد فتح الباب أمام "القاعدة" لتوسّع من ساحة إرهابها

منذ عام 2007، سعت لبنان جاهدة لوقف صعود جماعات الإرهاب التكفيري المتطرفة، وتحصين لبنان ضدّ أعضاء تنظيم القاعدة والموالين له، لكن هذا التهديد تفاقم هذا العام عندما دعا أحمد عسير رجل دين (سني) مؤيديه المسلحين بقتال الجيش اللبناني؛ لأنه مرتد وعلى رأسه قائد مسيحي، وأيضا أعضاء حزب الله الشيعي لأنهم يقاتلون بجوار النظام السوري. وهذا الأمر أجّج الانقسامات والتوترات الطائفية مع حزب الله.

وفي وقت يشهد فيه لبنان تداعيات خطيرة بسبب الحرب الدائرة في سوريا، زادت أزماته الداخلية تعقيدا، إذ نظّم أتباع الشيخ عسير هجوما مميتا على الجيش اللبناني في مواجهة مطولة هزت مدينة صيدا- جنوب لبنان- وخلفت الكثير من الضحايا، ووقتها أصدرت الحكومة اللبنانية مذكرات توقيف بحق عسير ونحو 120 من أتباعه، إلا أن رجل الدين لا يزال في حالة فرار من السلطات.


الخلايا الجهادية


بدأ متشددون إسلاميون استخدام المخيمات الفلسطينية الواقعة على الحدود مع لبنان كملاذ آمن من الملاحقة الأمنية منذ عام 2007، في محاولة لإنشاء إمارة إسلامية لكنها فشلت في نهاية المطاف، وحتى وقت قريب، كانت الأجهزة الأمنية اللبنانية والقوى السياسية تصرّ على عدم وجود تنظيم القاعدة في بيروت.

لكن الواقع يؤكد أن تبني هذا الموقف يعد التفافا على الحقيقة بعد اكتشاف العديد من الخلايا الجهادية النائمة في لبنان، ووقوع الكثير من التفجيرات في ضواحي لبنان في ظل انشغال حزب الله بمعاونة نظام الرئيس السوري بشار الأسد في حربه ضد المعارضة المسلحة هناك.

غسان جواد، الخبير في الشأن اللبناني، يرى أن بعض الرافضين لوجود تنظيم القاعدة في البلاد بنوا موقفا خاطئا على أساس أن الخصائص الجغرافية والديمغرافية في لبنان لا تناسب جدول الأعمال الإرهابي المعتمد لتنظيم القاعدة.

هذا التنظيم، وفق استراتيجيته المعروفة، يفضّل مناطق جغرافية واسعة وجبلية للتحرك فيها بحرية، وحتى لا يكون مستهدفا من الأجهزة الأمنية، وهو ما يفسّر تمركز القاعدة في أماكن مثل اليمن والعراق وأفغانستان.

ومؤخّرا بدأ التنظيم والجماعات التابعة له بالتمركز في سوريا وسيناء المصرية حيث تسمح المناطق الشاسعة في هذه المناطق لأعضاء التنظيم للاختباء قبل تنفيذ ضرباتها وبعدها.

اليوم بدأت الجماعات الجهادية، التي تنشط تحت لواء القاعدة، تغيّر في ملامح استراتيجيتها، وتتطوّر وفق ما هو مطروح على الساحة الآن، من ذلك بداية تحرّكها في لبنان حيث توجد بيئة اجتماعية يغلب عليها الطابع الطائفي تقدم ملجأ شعبيا للخلايا الجهادية النائمة في لبنان، كما أن معظم المناطق هي خليط من مختلف الانتماءات الدينية والطائفية ما يجعلها بيئة مناسبة لتفجيرات القاعدة.

نشاط في لبنان

في ضوء الحرب الدائرة في الجارة سوريا- حيث تورّطت فيها بشكل كبير فروع القاعدة مثل الدولة الإسلامية للعراق والمشرق (ISIS)- ويخشى بعض المحللين من أن يكون نفوذ القاعدة في لبنان في ارتفاع.

وتعزز هذه المخاوف مشاركة ما يُقدّر ببضع مئات من اللبنانيين السنة في الحرب، وبينهم مجاهدون شاركوا مؤخرا في التفجيرات الانتحارية في محافظة حمص التي نفّذها شقيقان من طرابلس- بالإضافة إلى انعدام الأمن على الحدود اللبنانية- السورية وسهولة اختراقها.

وفي رأي محسن صالح، المحلل السياسي اللبناني، أن تواجد أفراد القاعدة في بيروت محدودا لكنه قوي التأثير في التفجيرات والأعمال الإرهابية ومحاولة استخدام التنظيم للبنان كمنطقة دعم لإطلاق الصواريخ ضد إسرائيل.

وقد يكون أفراد القاعدة يبحثون عن ملاذ آمن مؤقت أثناء رحلاتهم من بلد إلى آخر وليس لاستخدام البلاد كساحة جهاد لطبيعتها الديمغرافية والجغرافية، لكن هذه النظرية لم يعد لديها العديد من المدافعين داخل الأوساط الأمنية والسياسية اللبنانية، خاصة بعد الحوادث الأمنية المتكررة واكتشاف العديد من الخلايا التكفيرية الجهادية في منتصف عام 2011 وحتى الآن في أكثر من منطقة، والعثور على وثائق تكشف كيفية تحركات التنظيم لوقوع ضربات إرهابية داخل البلاد.

مقارنة بأفغانستان الجبلية أو الدول ذات الظهير الصحراوي الشاسع، قد لا تكون العوامل الجغرافية والطبيعية للبنان مناسبة لتنظيم القاعدة للاستقرار هناك، لكن من المؤكّد أن تركيبة المجتمع اللبناني تعتبر أرضا خصبة توفّر أفضل المجنّدين، نظرا لوجود فصائل متباينة طائفيا وبيئة اجتماعية معقدة غير معروف اتجاهها السياسي أو الديني.

هذه الجماعات التكفيرية تلعب على وتيرة تعدد المذاهب الدينية في لبنان وتتحصّن في مناطق محظورة على الدولة اللبنانية بسبب العوامل الدولية والإقليمية التي ترفض وجودها، من هذه المناطق مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، لا سيما مخيم عين الحلوة، حيث تملك هذه الفصائل مساحة شبه مفتوحة وخصوصا في حي التعمير.

أبرز الجماعات الجهادية في لبنان
*فتح الإسلام: الفصيل الأشهر، خاض مواجهات دامية ضد الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد، أسفرت عن مقتل 163 جنديا وضابطا لبنانيا. وقد اختلفت التحليلات حول هويته فربطه البعض بالقاعدة فيما نسبه آخرون إلى أجهزة مخابرات إقليمية.

*جند الشام: يمثل هذا التنظيم أحد ألغاز الخريطة السياسية والأصولية اللبنانية، ففي حين يعتبر البعض أن الجماعة جزء من مجموعات "جند الشام"، التي قام أبو مصعب الزرقاوي بتدريبها في هيرات الأفغانية، يصر آخرون على أن الجماعة المتواجدة في لبنان تضم متشددين لبنانيين فارين من العدالة.

وخلال العقود الأربعة الماضية أصبحت هذه الفصائل أغلبية وزادت هجرتها إلى منطقة مشاعة بين المعسكر الفلسطيني وضواحي لبنان، وهذه المنطقة من الناحية الجغرافية والديمغرافية لا تزال منفصلة إداريا بين سوريا ولبنان. ومع بداية الثورة السورية وانشغال حزب الله البناني في معاونة النظام السوري لجأت العديد من الفصائل التكفيرية الفلسطينية مثل "جند الشام" و"فتح الإسلام"، وكتائب أخرى أقل أهمية إلى الإقامة في حي التعمير.

هذه الفصائل المتواجدة على الأرض اللبنانية حاولت خلال الفترة الأخيرة جلب المساعدة من مجموعة تكفيرية من السلفيين أبرزها فصيل الشيخ أحمد عسير لمحاربة الجيش اللبناني في صيدا المجاورة لمخيم عين الحلوة، وفق ما أشار إليه غانم النجار أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت.

وأوضح أن هناك جهودا وساطة تقوم بها بعض الفصائل الفلسطينية للتسوية بين خمسة فصائل لبنانية والجيش اللبناني لتهدئة الأوضاع في البلاد ومنع تكرار الأعمال التفجيرية والإرهابية.

وتقوم هذه التسوية على معاونة قوة مشتركة بين فتح وحماس بين الحدود للحفاظ على الفصائل ووضعها تحت السيطرة ومنعهم من تنفيذ عمليات أمنية خارج مناطقهم، كما سيشمل موضوع المفاوضات اللبنانية الفلسطينية أن سلطات بيروت ستعتبر وجود هذه الجماعات بمثابة ملحقات للفصائل السلفية العسكرية العاملة في سوريا، وتجب مقاومتها وردعها بكافة الطرق، ومنع أية محاولات لأعضاء الفصائل سواء بتهريب البنادق أو المقاتلين للمعارضة السورية عبر الحدود اللبنانية.

فرع جبهة النصرة

وأكد عيسى الأيوبي، أستاذ العلاقات الدولية، بجامعة باريس، أن الجماعات السلفية ذات التوجه العسكري في لبنان تستعد لتشكيل فرع من جبهة النصرة، ولكنها تنتظر تعليمات في هذا الشأن من تنظيم القاعدة الدولي.

فصائل مسلحة


وأهم هذه الفصائل تقع في منطقة عكار بقيادة شخص يدعى أبا ثائر ولديه حوالي 200 مقاتل، كما يوجد بعض أمراء الفصائل المسلحة التي تقاتل في سوريا على أرض لبنان أبرزهم أحمد الأسعد، حسن إسماعيل الغنية، محمد الأبرش، وكذلك إسماعيل خليل، وجميع هؤلاء الأمراء دخلوا ضواحي لبنان في ظل انشغال حزب الله بالقتال في سوريا جنبا إلى جنب مع قوات الأسد، ومهمتهم الحالية هي نقل الأسلحة داخل سوريا لمليشيات جبهة النصرة، وإعداد السيطرة على المراكز الحدودية اللبنانية مع سوريا عندما يتلقون التعليمات في الوقت المناسب – وفقا لقادتهم-.

ولفت الأيوبي إلى أن طرابلس اللبنانية هي أيضا موطن لفصائل أخرى سلفية مسلحة تابعة لتنظيم القاعدة أقل أهمية، لكنها أيضا متطرفة في الفكر والعقيدة ولديها موارد مالية كبيرة.

وتتهم هذه الفصائل الجيش اللبناني بأنه جيش من المرتدين وذلك لأن قائده مسيحي. كما تمتلك أفكارا متطرفة ضد الشيعة وتعتبرهم كفارا وخطرا على الأمة العربية السنية، ويدعون إلى الجهاد ودعم الثورة السورية بالمال والسلاح، وهو الأمر الذي يؤكد أن أرض لبنان أصبحت مستودعاً كبيرا لجميع الفصائل الإرهابية والتي وجدت في بيروت ملاذا آمناً كونها تشهد الكثير من المعارك الطائفية.

7