تنظيم الهيئة والمنطق الأعوج لسعد البريك

الخميس 2016/04/21

قامت الحكومة السعودية بخطوة تاريخية ما ظننا لها الصدور في يوم منظور، وهي إعادة تنظيم جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي استفحل شره وضرره بما لا يقارن بإيجابياته إن وجدت، فشاهدنا في أشهر وأعوام مضت، استباحة الأعراض واتهام الأبرياء، وهناك مواطنون استشهدوا بسبب غلو رجال الهيئة، وفوق ذلك نال سمعة البلاد ما نالها داخلا وخارجا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وكان جهاز الهيئة علة اصطنعتها الدولة في مرحلة سابقة، فقد أعلن نظام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سنة 1962، وجاء في بيان حكومة رئيس الوزراء الأمير فيصل بن عبدالعزيز “إصلاح وضع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يضمن اجتثاث بواعث المنكر من قلوب الناس ما استطعنا لذلك سبيلا”.

يشير النص إلى احتكار المنكر في قلوب الناس، واحتكار الفضيلة للهيئة ورجال الدولة. وتم منح “الهيئة” سلطة التفتيش على القلوب والنوايا، وهي سلطة لم تؤتَ للأنبياء والرسل، تزامنت مع فتوى قديمة بأن رجال الهيئة فوق الحساب، وصرح قبل أعوام الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى للقضاء (الشيخ صالح اللحيدان) بأن القضاء نصير جهاز الهيئة، فأصبحت السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، لذلك وجب التصحيح على من ارتكب الخطأ.

بدأت الإصلاحات في عهد عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - فاعتذرت الهيئة لأول مرة من مواطن وزوجته، وتم تعيين الشيخ عبداللطيف آل الشيخ رئيسا للجهاز، وحاول الإصلاح ما استطاع لكن المتطرفين من داخل الهيئة وخارجها ألحقوا به كل أذى، وسبقه في ذلك عنصر تنويري نادر من الهيئة هو الشيخ أحمد بن قاسم الغامدي، ولم يرتح المتطرفون حتى أزاحوه خارجها، وشاهدنا في عهد الملك سلمان – حفظه الله – حوادث مفجعة، منها قصة فتاة المول الشهيرة، وما عرف عـن قصة الشـاعر أشـرف فيـاض، وأخيرا الافتراء على الإعلامي الزميل علي العلياني.

وكتبت مرارا وغيري من الكتاب السعوديين نطالب بإلغاء جهاز الهيئة كليا، إذ بدت وكأنها دولة داخل الدولة، أو ميليشيا بلا سلاح، وغطت أغلب نشاطاتها النقاط الخلافية والاجتهادية في الدين وإن ادعت عكس ذلك، وأصبحت التجاوزات “الفردية” مسلكا عاما خطير الأثر وفادحه، والأسوأ هم أولئك المتعاطفون معها، سواء كانوا من المتعاونين مع الجهاز أو من المتطفلين الذين اصطلح على تسميتهم بالمحتسبين، وهم من الاحتساب براء ومن الدين كله براء، فلم نعرف لهم سابقة الاهتمام بالشأن العام أو لاحقة، وكأن مهمتهم الوحيدة في هذا الكوكب هي انتهاك الحريات العامة والخاصة وهدم حقوق الإنسان بسلطة النظام، وعدم التورع عن ارتكاب أي خطيئة تبرر ممارساتهم عن حق أو عن باطل.

وكان بعض المتطرفين يشنعون علينا بأننا دعاة الخروج على الحاكم، ويزايدون في السمع والطاعة، وحين صدر نظام على غير هواهم سبقونا إلى ما اتهمونا به، ونحن نسير معهم على قاعدة الفقهاء “ألزموهم بما ألزموا أنفسهم به”، وقالوا بأن عرى الدين ستنقض من دون هذا الجهاز، وكان الإسلام قائما قبله وقائما بعده، وبعد زوال طالبان لم يبق جهاز مشابه إلا في المملكة، وبعض نتوءات إيران وميليشياتها وعصابات الإرهاب وداعش، وما عدا ذلك، فالمسلمون في الأرض من أقصاها إلى أقصاها لا خوف عليهم إلا من أهل التطرف والإرهاب، ورأى السعوديون سيادة القانون في بعض الدول المجاورة لم تترك حاجة إلى هيئة معروف أو هيئة منكر، فما الفرق بين هؤلاء وهؤلاء؟ وما هي الإيجابية التي تقدمها الهيئة وتعجز عن تقديمها وزارة الداخلية وغيرها من الأجهزة الرسمية؟

وكان آخرون يتباكون بدموع من زيف، بأن زوال الدولة السعودية مرتبط بزوال الهيئة، وهم بذلك أساؤوا لدولتهم بقصد أو بلا قصد، فاستقرار النظام قائم على القبول والرضا، والأنظمة التي تقوم على الإكراه هي أنظمة لا تستحق البقاء، والزوال مصيرها قطعا وحتما، وما يسري على الدولة ينطبق على الدين، فدين قائم على القمع ليس بدين ومصيره الفناء القريب والواجب.

وبسبب تصرفات الهيئة، الفردية أو غير الفردية، ما وصل إلى الإعلام وما لم يصل، أصبحت بلادنا محل مقارنة بجماعات الإرهاب، وما زاد الطين بلة أننا لم نسمع إلا نادرا دورا لهذا الجهاز في صد التطرف وفضحه، بل إن ممارساته بدت أشبه بتطبيق الأجنـدة الاجتماعية والثقافية لتلك الجماعات.

ويخطئ من يظن أن التنظيم قد ألغى جهاز الهيئة، بل حوّله من جهة ضبط إلى جهة إبلاغ وتوجيه ورصد، وسحب منه صلاحية الإيقاف والمراقبة والمتابعة والمطاردة لصالح الجهات الأمنية، ومنع من تفتيش الهويات والممتلكات، وتم الاستغناء كليا عن المتعاونين والمتطفلين، وأصبحت لكل رجل هيئة بطاقة تعريفية محددة بدوامه الرسمي، فلا مجال لغير عنصر الهيئة زعم انتمائه إليها، ولا مجال لعنصر الهيئة ممارسة عمله خارج الدوام كأي موظف رسمي، وخلاصة هذه الإصلاحات حماية المواطنين من التجاوزات، وحماية الجهاز من المتطفلين، وفض الاشتباك بين صلاحيات الجهاز وصلاحيات الأجهزة الأمنية، وإذا كان الجهاز يمارس مهامه عبر الجهات الأمنية، فلماذا لا يثق بعض رجال الهيئة وبعض المتحمسين لها في وزارة الداخلية؟

كانت مفاجأة لي أن أعلم – وفق إحصاءات غير رسمية – أن عدد مراكز الهيئة في بعض المدن والمناطق يتجاوز عدد مراكز الشرطة، وآن أوان تصحيح ذلك، وإعادة الاعتبار لدور الشرطة ولقيمة سيادة القانون التي ستحمي كل المواطنين وتردع كل المخالفين والمتجاوزين.

إننا أمام مجموعة من الواضح أنها اعتنقت مفهوما خاطئا عن الدين وعن الدولة، فأهم قواعد الدين انشغال العبد بعلاقته بربه لا بعلاقات الآخرين بربهم، وأهم وظائف الدولة هي إدارة تضارب المصالح الفردية وحفظ الأمن ودفع محركات التنمية وحماية الحريات وصون المبادرة الفردية، لا إدخال الناس إلى الجنة أو التطفل على معتقدات الإنسان وعلاقته بربه، والأهم من كل ذلك أن الفرد السعودي ليس ملزما باتباع رؤية أحادية ومتعسفة للدين ولدور الدولة، ولم يعد قادرا على تحمل أولئك الذين يجهلون ماهية الدين وماهية الدولة ويشوهون هذه وتلك، ومن الواجب تجديد التحذير من الذين يتمايزون عن الإرهابيين بموقف سلبي من حمل السلاح فقط، فتبني المشروع الفكري والاجتماعي لجماعات الإرهاب نهايته عنف عاجل أو آجل، والقطيعة مع الإرهاب والتطرف يجب أن تكون جذرية بمشروع مضاد، وإلا فإننا سنعيد إنتاج التطرف بشكل مباشر أو غير مباشر.

ولم أتفاجأ في مواقع التواصل الاجتماعي بتغريدة للواعظ د. سعد البريك كتب فيها نصا “عندما يفرح العلمانيون والصفويون الروافض والمنافقون ومؤسسات نصرانية بقرار تنظيم الهيئة تدرك أن الأمر يحتاج إلى مراجعة تصلح الخلل وتمنع الزلل”.

ولسعد البريك تاريخ مشوق، ظهر في الثمانينات إبان ظاهرة شرائط الكاسيت، احتج على اقتراح مجلة اليمامة استحداث بطاقة هوية للمرأة، وفيما بعد ارتبطت به أفكار طريفة، كسحب الدكتوراه من العلمانيين بحكم قضائي من باب التعزير، وكان لا يخفي تأثره بالمفكر محمد قطب – رحمه الله – وما يمثله من أدلجة مأزومة، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.

مرت السنون ولم يتغير البريك إلا على صعيد الشكل، فموقفه من الفنون والتنوير وتمكين المرأة وحقوق الفرد هو السوء بعينه، وله سجال شهير قبل نحو عشر سنوات مع الكاتب قينان الغامدي تبنى فيه البريك مفهوم الدولة الدينية، ولا أدري كيف يمكن لمثل هذا أن يكون عضوا في لجنة المناصحة التي تأسست من أجل تصحيح أفكار بعض الموقوفين في قضايا الإرهاب؟

وكان لافتا في تغريدته استخدام مصطلح عنصري “الروافض”، وهذا يدل على خلل واضح عنده وعند من يمثلهم أو من يمثلونه لقيمة المواطنة إذا قصد الشيعة السعوديين، وكانت له محاولاته السابقة لمقاربة هذا الملف انتهت بفشل فاضح، وإذا قصد إيران ومن والاها خارجا، فالعنصرية لا تجوز حتى على العدو وإن كان عنصريا، فنحن أولا نتحدث عن جريمة تخالف القيم الإنسانية كلها، وإذا كان هناك من يرتكب هذه الجريمة فهذا ليس مبررا لارتكابها من الذات، كما أنك إذا أصبحت عنصريا طائفيا مثل إيران، فما الفرق بينك وبينها إذن؟ مشكلتنا مع إيران ليست لأنها إيران أو لأنها شيعية، إنما لإرهابها وبغيها وعدوانها وطائفيتها وعنصريتها.

إن الرد على البريك بسيط وواضح، إن غضب الدواعش والقاعديين والمتطرفين من قرار تنظيم جهاز الهيئة يؤكد صواب القرار، ويحفز قادة البلاد والمواطنين على الثبات والحزم والمضي إلى الأمام.

كاتب سعودي

9