تنظيم داعش.. شبكة دولية لامركزية

إعادة تدوير الجهاديين وتوزيعهم على مناطق جديدة في أفريقيا وآسيا، والتشتت الجغرافي للمتطرفين يعقد الحالة الإرهابية العالمية.
الجمعة 2018/03/02
المعركة لم تضع أوزارها

تونس - بدرة قعلول - عندما يعلن الخليفة أبوبكر البغدادي عن أن تنظيم الدولة الإسلامية لم ينته ويأمر عناصره ومواليه بالنفير والخروج من أرض الشام والعراق بالرغم من أن تنظيمه قد خسر أكثر من 87 بالمئة من الأرض التي سيطر عليها فإن ذلك يعني أن دور داعش لم ينته بانتهاء الحرب ضده في العراق وسوريا وأن المعركة لم تنته بل سيتم تحويل وجهتها نحو مقاصد جغرافية أخرى، وبالأساس بلدان بعينها استقبلت وبصدد استقبال عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية يجري إعادة تدويرها وفق المهمات القادمة.

خسر تنظيم الدولة الإسلامية أكثر من 87 بالمئة من قوته الميدانية في سوريا والعراق وخسر مصادر تمويل رئيسية، لكنه لم يخسر كل قواعده وجنوده، وهناك عدد كبير من المؤمنين بفكر هذا التنظيم لم يستطيعوا الالتحاق به في سوريا، لكنهم تحولوا إلى قواعد احتياط لديه في بلدان كثيرة من العالم.

منذ سبتمبر 2015 إلى أواخر 2017 تم ترحيل الآلاف من العناصر الإرهابية القيادية وغيرها إلى مواقع متعددة من العالم أبرزها شمال أفريقيا وخط الساحل والصحراء وجنوب شرق آسيا. كما تسللت مجموعات من الإرهابيين إلى بلدانها الأصلية، ضمن واقع يجعل الحالة الإرهابية العالمية أكثر خطورة لأن التعامل سيكون مع إرهابيين متفرقين، لا يمكن حصرهم في مكان واحد.

عندما تحدث التحالف الدولي ضد داعش والأمم المتحدة وأكبر مراكز الاستخبارات في العالم عما يناهز 150 ألف مقاتل داعشي من جنسيات مختلفة في العالم متمكنين ومدربين على نوعية حرب وقتال خاصة جدا ومستقطبين من كافة أنحاء العالم وتلقوا تدريبات خاصة جدا ثم تعلن هذه الهيئات عن انهزامهم فجأة فهذا يدعونا إلى إعادة النظر من زاوية أخرى لهؤلاء الإرهابيين ولتصريحات القوى الكبرى التي قالت في البداية إنها في حاجة إلى سنوات كثيرة لهزم هذا التنظيم وفجأة تقول إن داعش انتهى؟ أين ذهب كل هؤلاء؟

هذا يجعلنا نطرح العديد من الأسئلة: كيف تمّ تأمين خروج العناصر الإرهابية من سوريا والعراق وما هي مسارب تنقلاتهم؟ وأين اتجه مقاتلو داعش وما هي أهم سيناريوهات توجهاتهم؟ وهل فعلا تم تجفيف مصادر التمويل لتنظيم داعش بعد أن أعلنت الولايات المتحدة الأميركية أن هذا التنظيم قد خسر أكثر من 90 بالمئة من موارده؟

شبكات تسفير

من كان غطاء للتسفير ومن ساعد على التسفير والتحريض على التوجه إلى سوريا والعراق ومن فتح الحدود هو نفسه من يعيد فتح حدوده لنفس العملية لتصبح معالم العملية والصورة واضحة: نفس الطريقة ونفس المسارب ونفس الغطاء، مثلا في تونس تم الكشف عن أن شبكات التسفير التي نشطت أساسا خلال فترة الترويكا تم التساهل معها من جهات مختلفة، وكانت لديها شبكات منظمة باتجاه ليبيا أو تركيا.

وتعالت الأصوات الكاشفة عن هذا الملف الخطير وكيف تم تشكيل لجنة التسفير إلى سوريا وبؤر التوتر بالبرلمان التونسي حتى تتم السيطرة على الملف. ونستحضر هنا مساهمة الترويكا، وعلى رأسها حركة النهضة، في 2012 خلال انعقاد مؤتمر أصدقاء سوريا الذي تمت فيه المصادقة على تسليح الثوار وتشجيع الشباب على نصرة الثورة السورية وغيرها.

الكرة التي تم إلقاؤها في سوريا والعراق انشطرت إلى كرات عديدة محملة بعناصر تحمل ثقافة الدم والقتل يعاد رميها في ملاعب مختلفة من العالم

وما هو أخطر اليوم أن الكرة التي تم إلقاؤها في سوريا والعراق انشطرت إلى كرات عديدة محملة بعناصر تحمل ثقافة الدم والقتل يعاد رميها في ملاعب مختلفة من العالم. وتعمل هذه العناصر على فتح العديد من الجبهات في بلدان بعينها، وستبدأ نشاطها عبر تكتيك “الهرسلة” وتحريك الذئاب المنفردة.

يقوم هذا التكتيك على الترهيب والعنف النفسي عبر تنفيذ عمليات داخل المدن الكبرى والأكثر تحصينا، من خلال تحريك خلايا لا يزيد عدد أفرادها على 30 عنصرا، وتقسم إلى أربعة فرق صغرى (فريق الرصد وفريق المد اللوجستي وفريق الاتصال والإعلام وفريق التنفيذ). وتكمن المعضلة في أن من سيقوم بهذه العمليات “أشباح مدرّبة” أي عناصر أسماؤهم غير مبرمجة على قوائم الإرهابيين لدى وزارات الداخلية أو المخابرات العامة الداخلية والخارجية.

بين داعش والقاعدة والإخوان

أغلب الدواعش كان انتماؤهم الأول للإخوان ثم لأجنحة القاعدة، بعد ذلك انضموا إلى تنظيم داعش. فالمدرسة هي نفسها، واختلافهم كان فقط بخصوص مرحلة إعلان “الخلافة”. ومخطئ من يقول إن هناك صراعا وعداء بين داعش والقاعدة والإخوان، إذ كل تنظيم له مهامه، فتنظيم الإخوان العتبة الأولى ومهمته تهيئة الأيديولوجيا، وتنظيم القاعدة يستهدف الأجانب ويتموقع داخل المجتمعات ويقوم على العمل السري، أما داعش فهو الجناح الدموي الذي يرهب ويثير عدم الاستقرار ويربك الدول.

منذ 2014 إلى اليوم، والأنظار والعقول مركزة على داعش وقدرته الكبيرة على استعمال السلاح والتكنولوجيا الجديدة والتكتيك الحربي في حين أن الإخوان المسلمين كانوا يتموقعون في أماكن أخرى ويتسللون داخل مفاصل الدول. أما القاعدة فكانت تتموقع في كامل شمال أفريقيا وخط الساحل والصحراء وتكتسب الأرض.

تاريخيا القاعدة لها مكانتها وتنظيمها وعناصرها في منطقة شمال أفريقيا وخط الساحل والصحراء والأرضية ملائمة وجاهزة خاصة بعد ما يسمى بالثورات العربية وانهيار الأنظمة التي كانت سدا منيعا ضد هؤلاء. بالاعتلاء التيارات الإخوانية سدة الحكم في بلدان الثورات العربية أصبحت الأرضية جاهزة.

وسرّبت العديد من الفيديوهات والملفات التي تبرز مدى ارتباط التيارات الإخوانية بقطر وتركيا والقاعدة، وتونس خير دليل على ذلك من خلال مثال المسمى أبوعياض التونسي زعيم أنصار الشريعة الذي أعلنت عن مقتله الولايات المتحدة الأميركية ما يقارب خمس مرات.

داعش الجناح الدموي الذي يرهب ويثير عدم الاستقرار ويربك الدول
داعش الجناح الدموي الذي يرهب ويثير عدم الاستقرار ويربك الدول

أبوعياض المتورط في مقتل الشاه مسعود هرب إلى بريطانيا وبعدها التحق بالقاعدة في أفغانستان ونشط ضمن مجموعة مقاتلين من منطقة شمال أفريقيا في جلال أباد. وتم القبض عليه وسلم للسجون السرية الأميركية لينتهي به المطاف في سجون تركيا ويسلم لتونس قبل الثورة بسنتين.

وبعد أحداث 2011 وسقوط نظام بن علي بشهر واحد يخرج أبوعياض من السجن إثر العفو التشريعي العام على أساس أنه سجين سياسي. وفي شهر أبريل عقد مؤتمره العام بالضاحية الشمالية للعاصمة التونسية ونصب نفسه زعيما لأنصار الشريعة بمنطقة شمال أفريقيا، وهو الذي قاد عملية الهجوم على السفارة الأميركية في 2012، وبعد هذه الحادثة تم تهريبه إلى ليبيا. ولا يقتصر الأمر على أبوعياض، فغيره كثر، ممن تثبت ملفاتهم التواصل ما بين التيارات الإخوانية والإرهابيين في داعش والقاعدة.

وتنقسم المهمة الجديدة لعناصر تنظيم الدولة الإسلامية إلى أربعة سيناريوهات:

* الهجرة إلى أفريقيا: بعد الهزائم المتكررة في الموصل والرقة وإدلب ودير الزور وحلب وغيرها من المدن يعلن البغدادي في بيان له النفير إلى “بلد الإسلام”، ويعني ليبيا التي تعيش جحيم الانهيار جراء القاعدة والميليشيات والصراع الداخلي وتداخل مصالح القوى العظمى.

أصبحت ليبيا ثكنة لتدريب الإرهابيين والمرتزقة من كل الجنسيات ومقرا للوحدات الأجنبية الخاصة. كذلك هناك معطى خطير آخر هو أن ليبيا كما كانت معبر الإرهابيين للسفر إلى سوريا والعراق، كانت طريق العودة حيث استقر بعضهم هناك، فيما غير البعض الآخر وجهته بعد وصوله إلى ليبيا. وكانت تركيا نقطة ترانزيت رئيسية، تفتح المجال الجوي بينها وبين ليبيا للتسفير وبنفس الطريقة للعودة.

في أواخر 2016، بدأ العد التنازلي لداعش في الشرق الأوسط بعد أن أدى مهامه وهدم وشرّد وأضعف دولا مركزية، في المقابل استقوت بلدان إقليمية وأصبح لها ثقل كانت تبحث عنه في المنطقة بعد أن تدربت على قتال داعش وخبرت الحرب ضده.

ومع اقتراب نهاية المهمة، اتفقت القوى المعنية على تأمين العناصر الإرهابية وتهريبها تحت غطاء جوي آمن. خرجت قوافل الدواعش من العراق وسوريا وعبرت الحدود السورية إلى تركيا أين كانت المافيا التركية تنتظرهم لتفتح لهم المعابر. وتم تهريبهم من تركيا إلى مناطق يراد لها أن تكون محل توتر واضطرابات، وتم ذلك بـ”شكل قانوني” عبر توفير عقود عمل بمدة غيابهم عن بلدانهم أو شهادات التسجيل بالجامعات التركية وشهادات النجاح وحتى شهادات أعداد.

بدأت ليبيا تستقبل العديد من الدواعش منذ بداية عام 2017. وسجل شهر مايو 2017 -حيث كانت الأنظار مركزة على الصراع الدامي بين الميليشيات في طرابلس وكذلك الهجرة غير الشرعية- أكبر عدد من العائدين وأيضا من عمليات نقل الأسلحة والذخيرة حسب المعلومات التي تحصلنا عليها من ليبيا وذلك عبر رحالات جوية وبحرية.

وشهد ميناء زوارة الليبي الآلاف من الداخلين إلى ليبيا من مختلف الجنسيات، وكانت أهم البواخر قادمة من تركيا، ونفس الشيء بالنسبة لمطار مصراتة حيث شركات الطيران تسجل الدواعش القادمين إلى ليبيا على أساس أنهم مسافرون عاديون، حسب تقارير استخباراتية ليبية.

وتتم عملية الإنزال دائما من المنطقة الغربية الليبية التي تسيطر عليها ميليشيات الإخوان ومنها يجري توزيعهم في كل المناطق وصولا إلى الجنوب؛ مثلا هناك مجموعة من الآسيويين الذين قدموا عبر ميناء زوارة الليبية متواجدة بالمنطقة الجنوبية على الحدود السودانية المصرية وعدد منها عبر الحدود السودانية ليتم نقله إلى آسيا.

أغلب الدواعش العائدين قد دخلوا إلى ليبيا والسودان والصومال ويتم الآن توزيعهم سواء عبر البوابات الرسمية أو بطرق سرية

كذلك من الغرب الليبي تم تسلل مقاتلين إلى منطقة الساحل والصحراء عبر الحدود مع الجزائر، ودخلوا إلى مالي وتشاد والنيجر وبوركينا فاسو والصومال. وحسب آخر الإحصائيات فقد التحق بالمنطقة أكثر من ثلاثة آلاف عنصر داعشي ويتوقع أن تشهد منطقة الساحل والصحراء عمليات كبرى ليثبت هؤلاء وجودهم.

* عودة الدواعش إلى بلدانهم الأصلية: يقوم السيناريو الثاني على تسلل العناصر الداعشية إلى بلدانهم الأصلية والتحاقهم بالخلايا النائمة وتشتيت الجهود الأمنية والعسكرية ووضع كل الطاقات البشرية والمادية لملاحقتهم. وكذلك من أهم أهداف هذه المرحلة ضرب البنية النفسية للمجتمعات وللدول والتسلل إلى العمق المجتمعي واستقطاب أكبر عدد من المتعاطفين معهم وذلك بالأساس لبث الفوضى فتصبح كل الجهود متمركزة حول مكافحة الإرهاب.

وتعلن هذه المرحلة انتهاء عصر الخلايا النائمة التي لا تتحرك إلا بأوامر من التنظيم الرئيسي. اليوم نجد أنفسنا أمام استراتيجيات جديدة للإرهابيين وهي الخلايا التي أصبح لها الحق في المبادرة الفردية والتي تنتظر الفرصة لتنفيذ مهامها دون الرجوع إلى القادة. وتجد هذه الخلايا نفسها  مطعمة بعناصر خطيرة جدا مدربة ميدانيا ومتشبثة بثقافة الدم.

أما مسارب دخول هؤلاء فتتشكل بنفس الطريقة التي طرحناها في البداية عبر البحر والبر والجو وبجوازات سفر لا تحمل أي دليل على دخولهم إلى سوريا، وفي بعض الأحيان لا تؤشر على دخولهم إلى تركيا.

وبالنسبة لشمال أفريقيا وخط الساحل والصحراء، يتم التسلل في أغلب الحالات برا. فأغلب العائدين قد دخلوا إلى ليبيا والسودان والصومال ويتم الآن توزيعهم سواء عبر البوابات الرسمية أو بطرق سرية. ولا ننسى العلاقات الوطيدة التي تربط بين المهربين وتجار البشر والإرهابيين.

*داعش في جنوب شرق آسيا: كشفت الأحداث التي شهدتها جزيرة منداناو في جنوب الفلبين، في 2017، وانطلاق عملية عسكرية مكثفة، عن بداية مخطط عناصر تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية لإيجاد موطئ قدم في هذه المنطقة التي تتوفر على بيئة مناسبة لنمو التطرف. ونشطت شركات الطيران في الفترة الأخيرة في هذه المنطقة حيث تم نقل عدد كبير من الدواعش إلى أفغانستان وكذلك إلى بورما المحاذية للصين والهند. وتواجد هؤلاء في هذه المنطقة يعني خلق بؤرة توتر تمس من أمن واستقرار الصين والهند. كذلك حسب أهم المعلومات التي لدينا لا تزال العديد من العناصر الآسيوية، وخاصة مجموعة من القيادات الداعشية التي لها الجنسية الصينية، في ليبيا مرابطة في الجنوب على الحدود السودانية الليبية المصرية. وتقوم مجموعة من الأفغان والباكستانيين والفلبينيين بعماليات تدريب كبرى.

* جيوب من الدواعش ورقة ضغط: طبعا لم ينته الإرهاب من سوريا ولا من العراق؛ فيجب ترك جيوب من الإرهابيين في منطقة الشرق الأوسط وخلق تسميات جديدة لها لتكون ورقات ضغط على الحكومات، من ذلك ظهور التنظيم الجديد في العراق تحت اسم الرايات البيض وأحرار السنة وغيرهما.

رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية بتونس

6