تنقية العلاقات داخل فضاءات العمل واجب وطني

طبيعة العلاقات داخل فضاءات العمل على اختلافه تغيرت واكتسبت ملامح جديدة ابتعدت في جلّها عن الأطر والمعايير الأخلاقية والقيمية السائدة والمترسخة عبر التراكم الزمني.
الأحد 2018/03/18
المنافسة في العمل تتحول إلى عداوة

من المواضيع التي تستأثر بالتفاعل والحوار الجدّي في قطاع العمّال والموظفين والمسؤولين على اختلاف درجاتهم، وفي أوساط الشرائح الاجتماعية المختلفة، موضوع العلاقات الشغلية أو المهنية كمظهر من مظاهر التفاعل داخل وخارج أطر العمل وفضاءاته المختلفة.

ومن مظاهر هذا التفاعل اختلاف الآراء والمواقف، فهناك من يرون أن مثل هذه العلاقات تأثرت بنمط الحياة في إطار العولمة ومتطلباتها الفكرية والتقنية، فساءت وفقدت ما كان يميزها من تكامل وتنافس شريف وودّ، أما الطرف الآخر فلا يزال يصرّ على أن العلاقات الشغلية والمهنية عادية وكل ما طرأ عليها من تغيرات يندرج ضمن المسار الطبيعي للتطور الحياتي، وبذلك يبرّر أصحاب هذا الرأي وجهة نظرهم بمنظار رؤى العصر.

من عاش في وسط ريفي لا بد أنه يتذكّر ما يميّز الأعمال ذات الطابع الفلاحي من تكامل فعلي بين جميع القائمين به، فهناك جملة من الأعراف الاجتماعية ذات البعد القيمي والأخلاقي ترسخت عبر الزمن، فغدا العامل -بطريقة طوعية- لا يستطيع الانزياح عنها بما أنها اتخذت شكل القانون بفعل التعاود.

كان الفلاّحون يتنافسون منافسة شرسة خلال إنجاز أعمالهم كمّا وكيفا، ولكنهم لم يحيدوا يوما عن النزاهة أو التعاون أو التكامل، بل كان دافعهم الأساسي هو إنجاز الأعمال بتفان ودقة متناهيين. مفهوم المنافسة لا يحيل لديهم مطلقا على معنى الصراع، بل إن قدسية العمل، من منظورهم، تفرض عليهم مدّ يد المساعدة للتغلّب على الصعوبات النفسية والمادية التي تعترضهم، فكان العمل تشاركيا تصحبه ترانيم شعبية للتحفيز، وكان ينجز متقنا وفي الوقت المخصص له.

ولكن بفعل تطوّر نمط الحياة وتوسع مشاغل الإنسان اليومية وصعوبة الحصول على شغل أو وظيفة وتوسّع الاستعمال التقني والعلمي لإنجاز العمل بصنفيه اليدوي والذهني، اكتسب مفهوم التنافس معاني جديدة اختلفت حولها الآراء وصولا إلى حدّ التناقض الصارخ.

إن طبيعة العلاقات داخل فضاءات العمل على اختلافه تغيرت واكتسبت ملامح جديدة ابتعدت في جلّها عن الأطر والمعايير الأخلاقية والقيمية السائدة والمترسخة عبر التراكم الزمني، فبقدر ما كانت هذه العلاقات أفقية تكاد تنتفي فيها الفوارق رغم وجود التراتبية، بقدر ما شهدت انقلابا جذريا بما أن الصراع المحتدم أضحى أبرز سماتها. إنها أصبحت بكل بساطة علاقات متوترة ومتشنجة، حيث طغت الأنانية والانتهازية والاستئثار بجميع الأفعال التي يأتيها الشغّالون في علاقاتهم اليومية.

لسائل أن يسأل: ما هي أسباب تغيّر هذه العلاقات، وما هي مظاهرها وارتداداتها على النسيج المجتمعي؟

أمّا الأسباب فهي وليدة “العولمة” التي دخلت كلّ بيت وأسرة ومجتمع، ففقدت الحياة البساطة والدفء والعلاقات العائلية والاجتماعية المتجانسة والمتفاعلة تفاعلا إيجابيا مثمرا، وانعكس كل ذلك على مجالات العمل المختلفة.

ولعلّ أهم مظاهرها تضخّم المتطلبات المادية والتي أضحت عبئا يثقل كاهل الجميع الذين أصبحت مفاهيم المنافسة تنحصر لديهم في توفير الماديات المطلوبة وفق شعار “الغاية تبرّر الوسيلة”، فزميل العمل هو “عدوّ” طالما يزاحم زميله.

من الأسباب التي تهمّ الشباب بالخصوص تفشي ظاهرة البطالة وارتفاع نسبها تصاعديّا، ما جعل طابور الانتظار طويلا جدّا، وعند الحصول على عمل يكرّس الشاب كل طاقته للتمسك به ولو كان ذلك على حساب قيمه التي تربّى عليها.

إذ تصبح مفاهيم مثل الأنانية وحبّ الذات وعدم التعاون والاستئثار وصولا حتى الكيد والنميمة وإفشاء الأسرار وتلفيق التهم، من الأخلاقيات التي تسم العلاقات الشغلية الحالية، في نسق يجعل الموروث الأخلاقي بأكمله معرضا للذوبان والامّحاء.

أليست العلاقات الشغلية تمثل امتدادا طبيعيا للعلاقات الأسرية التي تضطلع بمهمّة التربية، ثم الاجتماعية المهتمّة بوظيفة الصقل والتقويم؟ هل امتدّ هذا التيار ليمسّ كل علاقاتنا على اختلافها؟

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقع التغاضي عن الترابط الطبيعي بين دوائر أنشطة الإنسان في العائلة والمجتمع بمؤسساته وفي فضاءات العمل، ولكن العلاقات المهنية هي التي تأثرت سلبا أكثر من غيرها بتداعيات نمط الحياة الجديدة بما أنها ترتبط ارتباطا مباشرا بالجانب المادّي والذي ينعكس حتما على أفراد الأسرة الواحدة وعلى المجموعة الوطنية.

ما ترسّخ في أذهان العامة أن "العمل عبادة" وأنه "قيمة أخلاقية" وأنه "قيمة حضارية"، ومن المفروض أن هذه المسميات تكون دافعا إيجابيا لتكوين علاقات مهنية متطوّرة جدّا تساهم في تجذير هذا البعد القيمي للعمل، عبر التشديد على صفة النزاهة التي تتعلّق بكل أنواع المنافسة، وعبر التكامل في تأدية المهام، وعبر تبادل الخبرات وتنميتها، وعبر الودّ والتحابب أيضا.

فالزمن الذي يقضيه الناس في فضاءات عملهم أكثر من الزمن الذي يقضونه في منازلهم وبين أفراد عائلاتهم، فلا داعي لتثبيت الصراع كآلية تحكم هذه العلاقات، فكل مجهود يقدّم في أي عمل لا يمثل صاحبه فقط بل هو عنوان نجاح جماعي واجتماعي.

21