تنقية اللغة من الشوائب

حين يصوّر الأديب القذارات التي يصادفها في واقعه فإنّه لا يلوّث الأدب، ولا تكون المفردات الدالّة على أشياء توصف بأنّها قذرة مجلوبة من قاموس مختلف، بل هي من صلب قاموس الحياة.
الاثنين 2018/12/17
الأدب منفتح على الحياة بكل ما يعترك فيها (لوحة: عزة الشريف)

يوحي الجمع بين كلمتي القذارة والأدب بالتناقض، وكأنّ كلّ واحد منهما يكون على النقيض من الآخر، أو يعاديه في الجهة المضادّة له، فيشي بأنّ الجامع بينهما كالمازج بين السكّر والملح لينتج خليطا غير متجانس أو متناغم.

هل يطالَب الأديب بفلترة اللغة وتنقيتها من الشوائب حين توظيفه إيّاها في بناء عوالمه الأدبيّة؟ هل الشوائب المفترضة هي تلك الكلمات التي تصف القذارات أو تعكسها؟ أليست اللغة وعاء للحياة نفسها؟ فلماذا قد تتمّ مطالبة الأديب بتنقيحها وانتقاء الموصوف بأنّه راق وقيّم ومثاليّ منها؟

القذارة تكون منفّرة، باعثة على الاشمئزاز والاستياء، مولّدة لعدد من المشاعر التي من شأنها استعداء المادّة التي تكون منشأ القذارة أو موضوعها، وتخلق لدى الآخرين رغبة في الابتعاد والبحث بطريقة ما عن التخلّص ممّا قد يعكّر عليهم ما يتوهّمون أنّه صفو أيّامهم أو هناءة أوقاتهم.

الأدب يكون موحيا بالفضائل وكأنّه مرسال القيم الإيجابية وحدها، ولا يفترض به تناول مواضيع توصَف بأنّها قذرة، أو تصرّفات أو ممارسات تصم أصحابها بالقذارة، بحيث يتخيّل مَن يقرأ عنهم أنّ رائحتهم النتنة تزكم أنفه، وتفسد عليه لحظات الهدوء والطمأنينة، وتثير لديه ضغينة لا شعورية تجاه مَن يشيطنه.

ما يمنح الأدب الرحابة العظمى أنّه منفتح على الحياة بكل ما يعترك فيها من فضائل وقذارات، وحين يتناولها الأدباء بأساليبهم المختلفة، فإنّهم يعيدون صياغة جوانب من الحياة ويقتطعون مشاهد منها ليجسّدوها في أعمالهم، ويوصلوا من خلالها مرادهم ورسائلهم إلى القرّاء.

وما يحجّم القذارة التي يقيّدها الأديب في عمله هو التعاطي الإنساني معه من دون إطلاق الأحكام عليه مباشرة، ولا تقديمه بصيغة التجريم والتأثيم منطلقا من موقف عدائي مبيت تجاهه.

لا يخفى أنّ القذارة متفشّية في الواقع، وهناك تجلّيات كثيرة لها، سواء تلك التي تتمثّل في أشياء تبعث على القرف، أو تلك المتجسّدة في سلوكيات تتمرأى عبر ممارسات يقوم بها بعض من المثرثرين بالفضيلة، في حين أنّهم يخفون موبقاتهم ويفرضون أقنعة عليها.

ولأنّ الأدب يتغلغل في أعماق الحياة، ويرسم صورها فإنّه لا يستغني عن القذارة كمكوّن من مكوّنات العالم الأدبي، وبه ومن خلاله تظهر الجماليات والفضائل بصيغ مثلى، حيث الضدّ يظهر حسنه الضدّ، وكما لا تستقيم الحياة بجانب واحد، فإنّ الأدب كذلك لا يستقيم بتصوير ما يعتبره البعض قيما إيجابية وفضائل إنسانية فقط.

حين يصوّر الأديب القذارات التي يصادفها في واقعه فإنّه لا يلوّث الأدب، ولا تكون المفردات الدالّة على أشياء توصف بأنّها قذرة مجلوبة من قاموس مختلف، بل هي من صلب قاموس الحياة، وربّما من أكثرها شيوعا واستعمالا في الحالة الشفاهية، لكنّها منبوذة حين الكتابة لأنّها تحجّر على القذارة وتنحت منها ما يفترض الأديب أنّه سيكون تحفته الأدبية والجمالية.

15