تنقية الملحمة الحسينية من الشوائب الصفوية ضرورة تفرضها عاشوراء

تقف الدولة الصفوية خلف جملة الأكاذيب والتحريفات التي ألحقت بسيرة الإمام الحسين، وظروف مقتله في كربلاء، لكنّ علماء من المذهب نفسه قد توخوا الموضوعية في كتبهم، وحاولوا تنقية هذه السيرة من الشوائب التي علقت بها.
الخميس 2016/10/13
التفسير والتسويق الصفوي لكربلاء

كربلاء (العراق)- يُعد الشيخ آية الله مرتضى المطهري (قُتل 1979) أحد أعمدة الثورة الإيرانية، ولو ظل على قيد الحياة، ومنسجما مع خط الإمام، لغابت وجوه من على الساحة، ولعل في مقدمتها آية الله خامنئي. إلا أن رصاصات “جماعة فرقان” أصابت منه مقتلا بعد ثلاثة أشهر من انتصار الثورة الإسلامية، وذلك في الثاني من مايو 1979.

كان مطهري من مؤسسي حسينية الإرشاد الشهيرة، إلى جانب المفكر الإيراني المعروف علي شريعتي (ت 1977)، تلك الحسينية التي قُدمت من على منبرها محاضرات في الفكر والتجديد الديني، أيام الحكم الشاهنشاهي، ويغلب على الظن أن تلك المحاضرات لو استمرت لصدمت بالسلطات الحالية أيضا، لأنها ستتعارض مع التشيع الرسمي. وعلميا يعد الشيخ من تلاميذ المرجع الأعلى الإيراني في زمنه السيد آية الله حسين البروجردي (ت 1961)، وكان الأخير من أبرز المراجع الدينية وأوسعهم انتشارا.

للشيخ مطهري ما يربو عن خمسين مؤلفا، منها “أصول الفلسفة والمذهب ‏الواقعي”، وهو كتابه البِكر، و”العدل الإلهي”، و”الإدارة والقيادة في الإسلام”، و”مسألة الحجاب”، والإنسان والمصير”، وتفسير الكون”، و”النبي الأمي”، و”قصص أهل الحق”، و”المجتمع والتاريخ”، و”الحياة الخالدة”، و”إيران والإسلام”، و”نظام حقوق المرأة في الإسلام”، وكتاب “الملحمة الحسينية”.

قراءة الكتب الثلاثة الأخيرة منها قراءة معمقة، كفيلة بأن تجد فيها المنحى العلمي، والتفكير المكثف المخالف في العديد من حالتها للخرافة والتسطيح الذي اتسمت به العديد من مؤلفات رجال الدين ورسائلهم، وما حوته الكتب الخاصة بالمراسم الدينية، التي كثيرا ما حاولت التقرب من الدين الشعبي، أو عقائد الغوغاء، إن صحت العبارة. ولعلنا نجد من المفارقة، أنّ الأستاذ المطهري-هكذا كان لقبه في الحوزة الدينية- لا يتحمل ذنب مَنْ حاول بعد اغتياله أن يلصق به من عقائد العوام في ما كُتب عن ولادات ووفيات الأئمة، من مختلف المذاهب، حتى يقترب الزعيم من أتباعه ويساير أهوائهم.

كان مطهري من مؤسسي حسينية الإرشاد الشهيرة، إلى جانب المفكر الإيراني المعروف علي شريعتي، تلك الحسينية التي قُدمت من على منبرها محاضرات في الفكر والتجديد الديني، أيام الحكم الشاهنشاهي

الكتاب عبارة عن ثلاثة أجزاء، وصدرت طبعته العربية في مجلد واحد: احتوى الجزء الأول ثلاثة أقسام تدور حول عنوان “التحريف في واقعة كربلاء”، من أصل أربع عشرة محاضرة، والجزء الثاني يضم أربعة أقسام: “عامل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشعارات عاشوراء، وتحليل واقعة عاشوراء، وجوهر النهضة الحسينية”، أمّا الجزء الثالث، فيضم عشرة أقسام، وأهمها: الجذور التاريخية لواقعة كربلاء، وفلسفة النهضة الحسينية، والإمام الحسين وعيسى المسيح. والكتاب يقع بمجمله في حوالي ألف صفحة.

ليس كتاب “الملحمة الحسينية”، الذي صدر قبل قيام الثورة الإسلامية باللغة الفارسية، هو الأول في نقد طقوس عاشوراء في العهد الصفوي، عندما تبنت الدولة رسميا المذهب الشيعي، وقالت إنّ المجلس الحسيني هو الطريق الأخصب لنشر المذهب. الدولة الصفوية، ممثلة بمؤسسها إسماعيل الصفوي لا تريد النوعية بقدر ما تريد الكمية لمحاربة الطرف الآخر من الإسلام الرسمي، والمتمثل بالدولة العثمانية، لذا سمحت، بل عمدت، إلى إدخال الخرافات والتهويلات المحركة لمشاعر الجهلاء من الناس في الطقس الحسيني.. وبذلك تحول المذهب إلى غالبية من الحزانى والبكائين والهاضمين للأساطير القديمة، بعد استبدال المسميات. ليس “الملحمة الحسينية” الكتاب الناقد الأول، وذلك لاعتماده على كتاب آخر سبقه، وصنفه الميرزا حسين النوري تحت عنوان “اللؤلؤ والمرجان”، والكتاب، كما يتضح من عنوانه، قصد التمييز بين الغث والسمين في الملحمة الحسينية، أو ملحمة عاشوراء.

قال الميرزا النوري “من الواجب أن نُقيم المآتم على الحسين، أما المآتم التي تُقام عليه اليوم فهي جديدة، ولم تكن هكذا في ما مضى، وذلك بسبب كل تلك الأكاذيب التي أُلصقت بحادثة كربلاء دون أن يفضحها أحد، إننا يجب أن نبكي الحسين، ولكن ليس بسبب السيوف والرماح، التي استهدفت جسده الطاهر الشريف في ذلك اليوم التاريخي، بل بسبب الأكاذيب التي أٌلصقت بالواقعة“.

حدد آية مطهري زمن بداية التحريف، اللفظي والمعنوي، على حد عبارته، قبل خمسة قرون، من دون أن يذكر سلاطين ذلك الزمان، وهم الصفوية، فمنذ مطلع القرن الرابع عشر الميلادي (العاشر الهجري) بدأت الدولة الصفوية حملتها لتعميم المذهب الشيعي، لكن على طريقتها، ووفق تصوراتها.

الميرزا النوري كان صريحا بعبارته الواردة في تحديد مصدر التحريف، وذلك عندما كتب إليه عالم من علماء شيعة الهند، يشكو إليه الارتزاق في المنبر الحسيني، والأكاذيب التي حُشرت في قضية الحسين، ومصرعه بكربلاء (61 هـ). وقال “إن هذا العالم الهندي يتصور أن قُراء التعزية الحسينية يبدأ بنشر الأكاذيب بعد أن تصل إلى الهند، ولا يدري أن المياه ملوثة من رأس النبع، وأن مصدر المآتم الكاذبة هي كربلاء والنجف وإيران، أي مراكز التشيع الأساسية نفسها”.

خلاصة قراءة في كتاب “الملحمة الحسينية”، ضمن الكتاب 23 (نوفمبر 2008) “الصفوية” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13