تنمية القدرات المتروكة طريق العرب نحو استعادة ثقلهم الإقليمي

كثيرا ما تذهب آراء بعض المحللين العرب إلى أنّ زحام التنافس الشديد بين الدول الكبرى في العالم على المكانة السياسية والاقتصادية والعسكرية أضحى يغلق الطريق تماما أمام الدول العربية الراغبة في أن تنحت لها دورا، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، غير أنّ الحقيقة تشي بغير ذلك. إذ يكفي أن تجلس النخب السياسية العربية قليلا لتنظّم أولوياتها وتتخيل الدور الذي يمكن أن تلعبه بلدانها، مستأنسة ببعض التجارب الناجحة شأن الصين والهند، وفق دراسة للباحث، عمار علي حسن، صادرة عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.
الثلاثاء 2015/08/11
معضلة الفقر والفاقة لا تُجابه بشعارات النهضة الرنانة

القاهرة - يجد العالم العربي نفسه، بعد خوضه لمعارك التحرير ضد الاستعمار الغربي في منتصف القرن العشرين، منهكا بفعل تعثر الثورات والانتفاضات الشعبية التي شهدتها بعض دول المنطقة، والتي أسفرت توحّش التيارات الدينية المتطرفة واستفحال حالة من الفوضى، بعد أن عانى طويلا من فساد واستبداد صاحَبَا مرحلة ما بعد الاستقلال، التي أخفقت في تحقيق التكامل الوطني والانصهار الاجتماعي الطوعي عبر الديمقراطية والتنمية والعدل الاجتماعي وحقوق المواطنة. وتركت الدول العربية هشة في مواجهة أي تقلبات تهز أركانها الاجتماعية على أساس طائفي أو عرقي أو جهوي أو طبقي أو أيديولوجي.

وبمرور السنين تغيرت موازين القوى، وتراجعت قدرات العرب، الذين كان يُقَال إنّهم القوة السادسة في العالم عسكريا قبل خمسة عقود فقط، لتُصبح إمكاناتهم مجتمعة في التسليح أقل من إسرائيل، وفي الاقتصاد أضعف من أسبانيا، وفي عالم الترجمة والنشر أدنى من دولة أوروبية صغيرة فقيرة هي اليونان، أي أنّهم فقدوا، إلى حين، القدرة على أن يجعلوا من أنفسهم رقما ذا بال في المعادلة الدولية.

وكان هناك منطقان لإيجاد هذا الرقم؛ الأول هو انتظار مشروع عربي كبير وشامل، طُرح تارة في إطار الوحدة وأخرى في الاكتفاء بتنسيق السياسات وتعزيز العلاقات في مختلف المجالات.

أمّا المنطق الثاني فكان يحتاج إلى خيال لم يتأتّ حتى الآن، يدفع في اتجاه الانتقال من إدارة المعارك الكبرى في عالم الحرب والمال، إلى المعارك الصغيرة، لجني فوائد سريعة ترمّم بعض الشروخ التي مزقت البنيان العربي على مدار العقدين الأخيرين، وتخلق أفقا جديدا أمام كتلة بشرية وجغرافية ولسانية ودينية، غالبا ما صار ينظر إليها حتى من بين أبنائها، بأنها بلا مستقبل.

وبدلا من انتظار لحظة تاريخية فارقة يستعيد فيها العرب جزءا من مجدهم الضائع وحضاراتهم العظيمة، التي أهدت الدنيا عطايا مادية لا تنسى، ونفحات روحية لا تزال متوهّجة، هم مطالبون اليوم بأن يعملوا بجدّ واجتهاد في سبيل تحسين أوضاعهم الراهنة بالقدر الّذي يسمح لنظامهم الإقليمي بالبقاء على قيد الحياة، أو على أقل تقدير الحيلولة دون تدهور أوضاعهم إلى الحد الذي يخرجهم تماما من “زمام التاريخ”.

العالم العربي بحاجة إلى خيال يدفع في اتجاه الانتقال من إدارة المعارك الكبرى في عالم الحرب والمال إلى الصغير من المعارك

الاستئناس بنماذج النجاح

لا يعتبر الحلّ المطروح على العرب لاستعادة مجدهم، ضربا من الخيال أو الإطناب في التخيّل، ما دامت مُعطيات التاريخ تعجّ بحكم عميقة عن أمم لم تقعدها الهزائم الكبرى أو النكسات الشاملة والوهن العام الذي تمكن منها حتى النخاع، عن محاولة كسب النزال المحدود والاشتباك المحدد مع وقائع حياتية جانبية، تبدو للبعض صغيرة في حين أنها من عظائم الأمور، حتى خرجت من ضيق إخفاقها إلى براح الإنجازات العريضة، التي دفعتها إلى مقدمة الصفوف، بعد أن كانت قبل عقود في عداد الأمم المغيبة عن التدفق الرئيسي لحركة العلاقات الدولية، ولا أدلّ على ذلك من المثالين الصيني والهندي، اللذين يمثلان أنموذجين وجب على مخططي السياسة العرب أن يلتفتا إليهما وأن يستأنسا بهما عاجلا لا آجلا.

ولعل ما مرت به الصين والهند، مثالا لا حصرا، يدلل على هذا الأمر بجلاء لا يشوبه غموض، ووضوح لا يصيبه لبس، ولم يكن بوسع هاتين الدولتين الكبيرتين أن تنطلقا إلى مصاف القوى الكبرى في العالم لولا أنّ نخبة الحكم والقوة الفاعلة امتلكتا قدرة هائلة على تخيل أدوار من عدم، ثم الانتقال من هذا الخيال الإيجابي الخصب إلى وضع استراتيجيات للتقدم في الحياة.

وعلى الرغم من أنّ كثيرا من المتابعين استبعدوا في وقت ما أن تستفيق الصين من حرب الأفيون، إلاّ أنها تمكنت من استعادة وعيها، وأطلقت طاقتها في اتجاه المزاوجة بين ما في القيم التقليدية الكنفوشيوسية من جوانب أخلاقية إيجابية وما في “ثورتها الحمراء” من اتجاه صارم وقوي إلى تهيئة المجتمع لحياة عملية مختلفة.

ضرورة تغيير الصورة النمطية المغلوطة عن العرب

ولم تشأ الصين في البداية أن تستمر في مناطحة الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق في عالم التسلح الرهيب، بل امتلكت فقط في هذه الناحية ما يكفي للدفاع عن سيادتها الوطنية، ولم تُجارِ القطبين الكبيرين إبان الحرب الباردة في بلوغ أجواء الفضاء الرحيب، بل قررت أن تبدأ من مجال هامشي ضئيل في عالم المال والقوة، لكنه بالغ التأثير في دنيا الحضور الثقافي والرمزي، ثم الاقتصادي فيما بعد، وهو صناعة “لعب الأطفال”، التي لم تلبث أن اتسعت لتطوق مجالات صناعية تلبي الاحتياجات اليومية البسيطة للفرد والأسرة في أرجاء العالم كافة، من ملبس وأدوات كتابية وهدايا وما إلى غير ذلك، ونجحت في هذا الخيار إلى الدرجة التي أضحت تثير حنق الولايات المتحدة وحقدها عليها.

أمّا الهند، التي توصّلت في وقت مبكر نسبيا إلى امتلاك السلاح النووي بغاية تحقيق التوازن مع غريمتها التاريخية باكستان، لم يدفعها ذلك إلى التلويح بهذه “القوة الخشنة” طريقا لحيازة مكانة دولية، بل التفتت إلى إدارة معركة صغيرة تتعلق بالإنتاج السمعي والبصري ولاحقا التقني، كان انتصارها فيها مظفرا، بكل المقاييس، إلى درجة أنّ الدولة التي كانت تحتلها وهي بريطانيا، باتت في حاجة ماسة إلى الاستفادة من مظاهر نجاحها في ذاك المجال.

هذان النموذجان، وما حققاه من نجاحات، يقدمان أبرز مثال على أنّ المعارك الكبرى تبدأ من الاهتمام بالتفاصيل وإيلاء العناية القصوى للجوانب التي تبدو صغيرة مقارنة بالتحديات الشاملة والكبرى التي يبدو أن تحققها لم يعد متاحا في هذا العصر بالطرائق التقليدية القديمة.

أهمية المعارك الصغيرة

على طرف نقيض من مسارات الأنموذجين الصيني والهندي، يقع الخطاب السياسي والثقافي العربي، على اختلاف المناهل الفكرية والأيديولوجية التي ينبع منها، في فخّ “الينبغيّات العريضة”، فهو يُطالب بمشروع نهضة كاملة وتمكُّن واسع يُنتج مكانة وقوة دولية بارزتين، دفعة واحدة، وفي سرعة فائقة، حتى بعد انهيار بعض الدول العربية ودخولها في نفق الصراع السياسي والمذهبي.

وهذا الطرح لا يعبر عن طموح بقدر ما يشي بتجاهل حركة الواقع وسنن التاريخ، وقصور في قراءة الإمكانات الراهنة للعرب، فتكون نتيجته إما الاستسلام للبقاء في الظل واستمراء الضعف والهوان والتفكك بعد تكرار الفشل في تحقيق نجاح كاسح دفعة واحدة، أو الميل إلى التفسير التآمري لكل شيء، وهو ما يتمّ تحت وطأة خيال كسيح، لا سيما أنّ القادرين على التخيل الواقعي مستبعدون من صناعة القرار في أيّ مجال ولأيّ اتجاه.

الطرح العربي المطالب بنهضة شاملة لا يعبر عن طموح بقدر ما يشي بتجاهل حركة الواقع وسنن التاريخ

وقد يكون العرب معذورين جزئيا في استعجالهم وإحساسهم بأنّ هناك ما يدبر ضدهم في الخفاء، في ظل التحيز الأميركي الجلي لإسرائيل، والمسارعة بغزو العراق تحت ذرائع واهية، في الوقت الذي تتمسك فيه الولايات المتحدة بالخيار السلمي طريقة لحل المشكلتين الكورية الشمالية والإيرانية، وكذلك في ظل همزات الوصل بين أجهزة استخبارات غربية وجماعات إرهابية تعمل على تفكيك الدول العربية، وتوظيف قوة مدنية داخلية مرتبطة بالغرب في تعميق الاستتباع العربي للولايات المتحدة وحلفائها.

لكن الإشكال يكمن في تضخيم هذا العذر، ليصبح بمثابة “مرض نفسي عضال”، يكرس حالة الهروب من مواجهة التفاصيل اليومية العربية، أو تجاهل مسائل مهمة صغيرة، وصغرها ليس طبعا ولا طبيعة أصيلة فيها، وإنما هو نتاج لتهميشها، والانحياز في الوقت نفسه لحساب “الكليات” الكبيرة، التي هي نابعة عن الأيديولوجيات عموما، أكثر من كونها الإفراز الطوعي للواقع الذي يتبدل باستمرار.

خلاصة القول، يبدو أنه لا حلّ أمام العرب، قيادة سياسية ومجتمعات، غير الالتفات إلى المعارك الصغيرة وخوضها بثقة واقتدار، بدءا من معركة تغيير الصورة النمطية المغلوطة عنهم، التي تطفح بها مناهج التعليم ووسائل الإعلام الغربية، وانتهاء بتقديم إسهام ولو بسيط في حركة الحياة المائجة؛ قد يكون التخصص في سلعة خارجة من رحم البيئة العربية، أو غير ذلك من مجالات حياتية تبدو، على قوتها وأهميتها، بسيطة في نظر المتعجلين، الذين لا يرون الإنجاز إلا من خلال دق طبول الحرب.

الثابت أنّ المجالات المتاحة التي يمكن أن يُسهم فيها العرب بنصيب في الحضارة الإنسانية المعاصرة كثيرة ومتعددة، لكن عليهم أن يجلسوا أولا لتخيل الدور الذي يمكن أن يلعبوه ومفرداته، ثم تخيل كيفية دفعه في أوصال العالم من شرقه إلى غربه.

6