تنورة قصيرة تكشف عن مؤخرة النفاق الاجتماعي

الخميس 2015/07/09

بعد أيام قليلة يصدر القضاء المغربي حكمه في قضية ما يعرف بـ”فتاتي التنورة”. تابعت القضية باستغراب كبير بحكم معرفتي بالمغرب، وأستطيع أن أقول إنني في كل مرة سافرت فيها إلى واحدة من المدن المغربية الكبرى، رأيت فتيات يرتدين الشورت والتنورة القصيرة ويمشين بحرية مطلقة في الشارع دون إزعاج أو ملاحقة من أحد.

قضية “فتاتي التنورة” لمن فاتته، جدت إثر حادثة وقعت في منطقة تابعة لمدينة أكادير السياحية منذ أشهر قليلية، حين كانت فتاتان تتجولان في الأسواق بتنورتين قصيرتين، عندما صرخ أحد الباعة جامعا حولهما الناس. تعرضت الفتاتان للضرب واقتيدتا إلى قسم الشرطة ليتم احتجازهما وتوجيه تهمة “الاخلال بالحياء العام” لهما. وتحاكم الفتاتان تحت قانون يجرم كل من “يخل بالحياء في مكان عام”، وتنتظرهما حسب مصادر قانونية محلية، عقوبة السجن لمدة سنتين.

منظمات مدنية وحقوقية كثيرة داخل المغرب نددت بمحاكمة الفتاتين، واعتبرت ما يحدث انتهاكا سافرا لحقوق الإنسان، ومؤشرا على تراجع الحريات في المغرب. بيانات نشرت ووسائل إعلام داخلية وخارجية تناقلت هذه الحادثة الغريبة من نوعها، بسبب ما عرف عن المغرب والمغاربة من تسامح في المظهر، وحب للحياة.

استوقفتني هذه الحادثة ودعتني إلى التفكير في أمرين، الأول أن “الحياء العام” مصطلح لم أتمكن من إيجاد مكان له داخل فهمي للأشياء، وهو حسب رأيي غير قانوني بالمرة. فالتشريعات المدنية الحديثة لا يوجد تحتها ما يسمى بـ “حياء عام”، إذ لكل حياؤه الخاص، وعليه، فإن ما يعتبره البعض حياء، يمكن أن يكون في نظر آخرين، جسارة واختلالا وتعديا. ولا أشك لحظة في أن منظر النقاب بالنسبة للبعض أكثر إيذاء وأشد إيلاما وتعديا على “الحياء العام” من التنورة القصيرة، هذا إذا اعتبرنا أن الحياء العام هو كل ما يخدش إحساس أو ذوق مجموعة من البشر تتجاوز الشخصين.

والسؤال هنا هو: ماهو الحياء العام؟ وهل يوجد حياء عام؟ إذا ترجمنا الكلمة إلى الانكليزية فإنها تعطي في إحدى معانيها Public Shame أو ما شابهها، في حين أن المصطلح البديل الذي تقترحه التشريعات المدنية الحديثة هو بابليك موراليتيز public moralities أو الأخلاق العامة، وعليه خلاف كبير لأنه مفهوم مطاطي مشوب بكثير من الضبابية، فمثلا في هولندا وبلجيكا ودول البونولوكس، تكاد تختفي القضايا من هذا النوع، وحتى ممارسة الجنس في مكان عام أصبح لها في الغالب مخرج قانوني، وهو أن الجنس في هذه الدول لم يعد يعتبر اخلالا بالأخلاق العامة، مع تقدم الوعي بالثقافة الجنسية وبلوغ مرحلة التسامح مع الجسد البشري باعتباره معطى طبيعيا بديهيا مثله مثل الشجرة والنهر والصخرة والنملة. ومن هنا فإن القانون في هذه الدول لم يعد يعاقب على العراء في أماكن عامة، ويمكن لأي شخص أن يخرج عاريا متى شاء وأينما شاء.

الأمر الثاني هو: هذا الحياء العام، كما تسميه بعض التشريعات العربية ألا يخضع للزمن؟ بمعنى أن ما كان يعتبر منذ عشرين عاما مخلا بالأخلاق العامة، هل ما يزال اليوم كذلك؟ لا أظن، فالزمن يتقدم وأخلاقيات المجتمع تتغير، وسلوكيات الفرد مرتبطة بمعطيات اقتصادية واجتماعية وسياسية متحركة على الدوام، إضافة إلى مؤثرات خارجية كثيرة لها علاقة بالموضة والتسويق وعالمية الاستهلاك.

وفي رأيي فإن الكذب أو النفاق الاجتماعي أو التحرش أولى بإدراجها ضمن الممارسات المخلة “بالحياء العام” من اللباس، الذي هو حرية شخصية بحتة وسلوك إشكالي مختلف عليه بين من يعتبره جمالا ومن يعتبره إخلالا، عكس السلوكيات والظواهر آنفة الذكر، التي لا يختلف اثنان على ضررها ووقعها السيء على البشر، وتذهب حد الإخلال “بالشرف” وليس فقط “الحياء”.

21