تنوير دروب الجلجلة

الأربعاء 2015/10/14

لم يحصل أدونيس ولا نوال السعداوي ولا غيرهما من الكتاب العرب، كما كان منتظرا، على نوبل للآداب هذه السنة، لكن توج الرباعي المؤسساتي التونسي على نوبل للسلام، وكأنما استشعرت هيئة الجائزة حجم العار الذي لحقها وهي تكرم صوتا شعبويا تحريضيا، يشكل الوجه الطائفي لما سمي بالربيع العربي، اسمه توكل كرمان… تصالحت الجائزة إذن مع تراثها بصدد السلام، في الآن ذاته الذي آثرت فيه النأي عن مواجع العرب المأثورة في التقلبات الإبداعية والنقدية والتنويرية.

والحق أن الناقد العربي، وقد شكل تاريخيا طليعة الوعي النهضوي، راهن عبر سنوات طويلة من الإنجاز، على الانتقال من صميم الأكاديمية، إلى مجتمع ثقافي متنوع المشارب، غير أن هذا الطموح لم ينته إلى إنتاج “وعي تنويري” واضح المعالم، وإنما أفرز خطابين ينتميان إلى القاعدة المعرفية والمنهجية ذاتها، بيد أنهما يختلفان في المحصلات والمرامي وعمق التأثير؛ الأول منهما يمتلك ما يمكن تسميته “وعيا نقديا ضديا”، وجاء كرد فعل أصيل على واقع التراجع الفكري والثقافي العربي، وهيمنة العقيدة الأصولية، بتمظهراتها السياسية والفكرية متعددة الوجوه والمشارب.

بينما شكل الثاني ما يمكن وسمه بـ”الوعي النقدي الزائف”، ذلك أنه امتلك مظهرا تنويريا شكليا، يسعى إلى تكريس التواؤم مع الوضع القائم، واقع التخلف الثقافي وهيمنة الدولة التسلطية، وهو السبيل الذي جعل الناقد العربي في هذا السياق، ينخرط في معارك لا تعنيه، وبأساليب غير “نهضوية”، أو بالأحرى غير “نقدية”، أولا بالنظر إلى صيغتها السجالية السطحية، وثانيا لتلفيقيتها الظاهرة للعيان، ثم لنزعتها التبريرية للخطاب التحكمي، الرقابي، والقمعي، الذي يجافي سجايا “الحرية” التي تمثل جوهر “الوعي التنويري”… ولقد بدا لافتا للعيان هيمنة نقاد “التنوير الزائف” على مواقع القرار الثقافي والأكاديمي في العديد من الأقطار العربية، فضلا عن هيمنتهم على لجان الجوائز الأدبية، والهيئات التنظيمية للمؤتمرات التي تعقد عن قضايا الإبداع، وعلى دورياته وإصداراته التي تدعمها الدولة أو تصدر عن إحدى هيئاتها، ومن ثم جعل المحاور والعناوين العامة لتلك الملتقيات والدوريات والمنشورات تنصرف في أغلبها إلى قضايا شكلية أو أكاديمية صرف، لا تنشغل من قريب أو بعيد بالأثر الهارب للخطاب النقدي من صميم المجتمع.

ولكم كان محزنا أن يقع أغلب رموز هذا التنوير الزائف في وهدة حربائية صاعقة، عقب انتفاضات ما سمي بالربيع العربي، ليس أقلها التنكر لكل أدبيات “التنوير” الذي أنتجوه عبر سنوات من الكتابة والحضور الإعلامي متعدد الصور، وقلب ظهر المجن لجوهر النقد مع ما يستتبعه من سجايا الرفض، والتحول تدريجيا إلى سند للدكتاتور وجلاديه، حاملين مصابيح حارقة تنحصر وظيفتها في تنوير دروب الجلجلة.

كاتب من المغرب

15