تنوير فلسفي أم تبرير سياسي

الأربعاء 2015/01/07

ما كان يجب أن تحدث الثورات. كان يجب أن يُعتمد الحوار السياسي منهجاً وسياسة للعلاقة مع الأنظمة وتغييرها. الهويات انفلتت وظهر أن الحداثة مجرد قشرة خارجية. لا علاقة للإمبرياليات العولمية بطبيعة الأنظمة ولا بالهويات المعاد إطلاقها، بل يجب العمل لاستجلاب تلك الإمبرياليات المتحضرة للقضاء على الأنظمة والهويات القاتلة! الثورات تهديد للاستقرار وكان الاستقرار “الأمني” أفضل منها. إذن وكمسلّمات: الشعوب متخلفة وجاهلة وموغلة في القدم، وما كان يجب تأييد ثوراتها.

إن إخفاق الثورات العربية في إسقاط الأنظمة سريعاً في عام 2011 دفع كتّاباً وباحثين وناشطين، متعددي الأيديولوجيات لقول ما وضعناه أعلاه، حيث تقول خلاصتهم تلك: إن الوعي يجب أن يتغير أولاً، ثم الواقع ثانياً، أي يجب العمل على التنوير الفلسفي، ولاحقاً خوض الصراع السياسي.

يخفي هذا القول فهما سطحيا وصوريا للواقع أولا، وطبعاً يتضمن تأييداً واضحاً للأنظمة، وفيه هروب من شكل صراعاته وما حدث فعلاً، فما حدث في كامل الدول العربية في بداية ثوراتها أنها كانت سلمية ووطنية وشعبية، وكانت تريد مجتمعاً أفضل، فمن تونس إلى سوريا، كان الميل السائد في شعارات الثورات هو البحث عن المشتركات الشعبية، وتكرار فكرة أن الشعب واحد. هذا أولاً. وثانياً “تسلطت” المعارضات السياسية والمثقفون على الثورات، حيث صادروها، ولم يفهموا مشكلات الشعب وتمّ اختصارها بالانتقال السياسي نحو نظم ديمقراطية، أو بالعبارة المكرورة أن الثورات جاءت للانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، أو أنها ثورات حرية وكرامة.

هذه الفكرة ابتسرت الواقع كلّه، الماثل في أن الثورات حدثت نتيجة لواقع شديد التأزم في كل المستويات، وأن الوضع الاقتصادي لملايين العرب في كل الدول العربية وصل إلى حدود تمنع استمرار الحياة، (هذا الوضع جزء من عالم الرأسمالية في أزمتها الراهنة، وتبرز خاصة في أسبانيا وإيطاليا والبرتغال)، وأن شكل السيطرة الأمنية القديمة لإيقاف الثورات لم يعد ممكناً، أي أن الثورات الشعبية قادرة على إسقاط الأنظمة، والأخيرة أصبحت قابلة للرحيل.

المعارضات لم تفهم هذه الواقعة بالتحديد، وقد رفعت شعارات أقرب لما تريده الأنظمة للخلاص من الثورات، وليس ما تريده الشعوب من أهداف لثوراتها.

نعم، الشعارات المبتسرة والمختصرة لم تكن تمانعها الأنظمة، فهي كانت تحاول إحداث تغييرات شكلية في بنتيها السياسية، فمثلاً تجادلت المعارضة بين تياراتها والنظام في سوريا عن صراع الجيل القديم والجديد في السلطة السورية ومنذ مطلع الألفية، بينما النظام يرفض فقط طريقة المطالبة بها، أما الثورة فتريد تغييراً في واقعها الاقتصادي بشكل رئيسي وتريد نظاماً سياسياً يسمح بهذا التغيير بالتحديد. أي أن المعارضات والأنظمة تريد تغييراً شكلياً ينقل النظام السياسي من الشمولية إلى الديمقراطية بما هي صناديق اقتراع وحريات عامة، ومضبوطة بما يخص مصالح الفئات المسيطرة.

وفي هذا بالتحديد تمّ تسهيل رحيل حسني مبارك وزين العابدين بن علي وقتل معمر القذافي ونقلت السلطة من عبدالله صالح، بينما تعقّد الأمر في سوريا والبحرين والعراق نظراً لتدخلات إقليمية ودولية متعددة، وبسبب رداءة المعارضات السياسية، وعجزها عن فهم الثورات والعالم.

إنهاء الثورات كان يتطلب حرف الثورات نحو الصراع الطائفي والجهادية، وكذلك الصراع المناطقي والقومي، وهي المرحلة الثانية في تطور الثورات، وهذا الانحراف سمح بتدخل إقليمي ودولي كبير، عدا أن المعارضات السياسية أسهمت في رؤاها وعلاقاتها بإدخال الخارج في تقرير مصير الثورات، ووضع حد لدور الشعب فيها.

ما نريد قوله، ليست القضية في حرف الثورات قضية وعي منقوص أو طائفية مسبقة أو مشروع قومي “للأكراد خاصة”، وبالتالي كان يجب تأهيل الوعي لتحدث الثورة لاحقاً، القضية بالتحديد في طبيعية المشاريع السياسية للأنظمة وللمعارضات، والتي استنجدت بالخارج لحسم المعارك ضد الثورات الشعبية.

إتكاء الإخوان المسلمين على قطر وتركيا مثالٌ واضحٌ، يدعم الفكرة القائلة بأن الثورات حينما انطلقت لم تكن طائفية ولا جهوية ولا قومية، ولكن تمّ حرفها نحو ذلك بقوة القتل والمال السياسي والإعلام والطائفية والجهادية. وهذا ما عملت من أجله الأنظمة منذ اللحظات الأولى للثورات (سوريا مثالاً).

إذن فشل المثقف في فهم الواقع، ولم تقاربه المعارضات إلا من رؤيتها السابقة للثورات، فهي كانت تقول بضرورة توسيع احتكار السياسة لصالح الفئات السياسية، ولم يكن بذهنها الشعب وقضاياه. هذه المعارضات لم تتلمس قدوم الثورات قبل حدوثها، لأنها تعبير عن حالة الشعب المفقر والمهمّش، بينما المعارضات لا تشكو تهميشاً بالمعنى السياسي، وحينما لم يحدث الانتقال السياسي كما يرغبون، وندخل بقدمنا ‘اليمنى” حلال الديمقراطية، أصيبت تلك النخب بالخذلان الذاتي، وراحت تكيل التهم للشعب وهمجيته وتخلفه القديم.

المرحلة الأولى للثورات كانت اندفاعة الشعوب، وهي من أسقط الأنظمة أو أنهى إمكانية الاستقرار الأمني لها. المرحلة الثانية أعادت للدولة العميقة سيطرتها على الحكم، مضافا إلى ذلك تعاظم التيارات الجهادية وإمكانية الحروب القومية والطائفية في سوريا واليمن وليبيا والعراق. المرحلة الثالثة، يفترض أن تكون عودة الشعب مجدداً إلى الثورات، هذه العودة تأخذ أسبابها من استمرار المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ذاتها أو بشكل جديد. في مصر وتونس لم يتحقق أي تطور حقيقي، وبغض النظر عن الإشادة المتعاظمة بتجربة تونس وأنها مغايرة للثورات العربية، وربما بسبب شدة الإخفاق في البلاد الأخرى، كان لا بد من البحث عن تجربة ما يقال إنها انتصرت.

في تونس انتصر النظام القديم، وإن أُجبر على توسيع المشاركة السياسية، وفي مصر انتصرت الدولة العميقة وهي تعيد تأهيل نظامها، وفي تونس ومصر لا تزال المشكلات ذاتها، وهي تتعمّق، وهناك مؤشرات لاحتجاجات قادمة. المرحلة الثالثة هذه ربما بدأت معالمها وهي تشهد بروفات جديدة لتعيد تجديد الثورة من جديد، ففي مصر هناك إضرابات تتصاعد ولا علاقة للإخوان بها، فممارسات الإخوان تخصّهم هم فقط. ما يعقد المشهد أكثر حجم التدخل الإقليمي والدولي والذي عنوانه الأبرز الحرب على “داعش”، ولكنه في حقيقته تعبير عن اختلاف المصالح في كل من سوريا ولبنان واليمن والعراق.

التنوير الفلسفي ضروري دائما، ولكن الصراع السياسي هو المسؤول عن كل مآلات الثورات. أما الشعوب فلم تكن مخطئة في ثوراتها، وعلى المثقف التنويري أن يعيد تشكيل ثقافته مجددا، بما يتوافق مع نتائج هذه الثورات.


كاتب سوري

9