تنويعات المسرح التونسي المختلفة تلتقي في المهدية

على هامش فعاليات الدورة التأسيسية لمهرجان "مسارات المسرح التونسي" طرحت الندوة الفكرية للمهرجان إشكالية مسارات المسرح التونسي منذ التأسيس إلى بداية الألفية الثالثة.
السبت 2019/06/22
"المغروم يجدّد" عن تونس الستينات برؤية الزمن الحاضر

ستة عروض مسرحية، علاوة على الندوة الفكرية التي بحثت عميقا في مسارات المسرح التونسي منذ التأسيس وحتى بداية الألفية الثالثة، هي محصلة الدورة التأسيسية لمهرجان “مسارات المسرح التونسي” الذي احتضنته محافظة المهدية (وسط تونس) في الفترة الممتدة بين 15 و20 يونيو الجاري، بدار الثقافة المهدية.

المهدية (تونس)- اختتمت، مساء الخميس، بدار الثقافة – المهدية (وسط تونس) فعاليات الدورة التأسيسية لمهرجان “مسارات المسرح التونسي” بالمهدية، والذي نظمه المركز الوطني للفنون الدرامية والركحية بالمهدية، على امتداد ستة أيام متعاقبة، (من 15 إلى 20 يونيو الجاري) شاهد خلالها عشاق الفن الرابع توليفة من العروض المسرحية لكافة الأجيال المسرحية التونسية من الشباب والمخضرمين، ومن كافة الجهات ومراكز الفنون التونسية.

وهو ما يستقيم تماما مع اسم المهرجان “مسارات المسرح التونسي”، حيث قال المسرحي حسام الغريبي، مدير المركز الوطني للفنون الدرامية والركحية بالمهدية ومؤسس المهرجان لـ“العرب”، “ثمة تصورات ورؤى وجماليات مختلفة في المسرح التونسي، كما ثمة مشارب جديدة ومتعددة، لذلك ارتأينا أن نجمع كل هذه الاختلافات في مهرجان واحد بالمهدية، وهو دليل إضافي على نوعية وتنوع المسرح التونسي الضارب في العراقة والريادة عربيا وأفريقيا”.

مسرحيات وجماليات

قدم المهرجان على امتداد أيامه الستة، ستة عروض مسرحية هي تباعا: مسرحية “القُبلة” للمخرج محمد منير العرقي عن شركة “أنس لفنون الركح” (تونس العاصمة)، ثم مسرحية “القادمون” لسامي النصري وهو عمل من إنتاج مركز الفنون الدرامية والركحية بالكاف (شمال تونس)، تلتها مسرحية “الرهوط” لعماد المي عن شركة “تيفالو للإنتاج” (تونس العاصمة)، ثم مسرحية “أنتليجيستا” لنزار السعيدي عن شركة “منار للإنتاج” بقفصة (جنوب تونس)، فمسرحية “البرباشة”، وهو عرض قدمه نزلاء السجن المدني بالمهدية وأخيرا مسرحية “المغروم يجدّد” للأسعد بن عبدالله إخراجا عن نص الحبيب بلهادي (تونس العاصمة).

حسام الغريبي: للمسرح التونسي تصورات ورؤى مختلفة جمعناها في المهدية
حسام الغريبي: للمسرح التونسي تصورات ورؤى مختلفة جمعناها في المهدية

و”المغروم يجدّد” الذي اختتمت به فعاليات المهرجان، مساء الخميس، مسرحية غنائية تونسية تروي أحداثا جرت سنة 1968 في “كافيشانطا” أو مقهى غنائي (ملهى شعبي) خلال حصص تمارين (بروفة) غنائية راقصة، تتخللها العديد من الأحداث المُتسارعة، أبرزها اختلاف آراء ووجهات نظر العاملين في الكافيشانطا مع تضارب الأفكار بين السياسة والفن والمادة.

ومسرحية “المغروم يجدّد” التي جسد الأدوار فيها كلّ من جمال المداني وفتحي المسلماني وفرحات الجديد وقيسالة النفطي ومريم الصياح ووجدي البرجي وحاتم الحجام، عمل غنائي يعيد الروح إلى المسرح الشعبي من خلال قصة “كافيشانطا” في باب سويقة سرّة العاصمة التونسية في سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي، حيث يتقاطع في العرض الذي يدوم زهاء الساعة ونصف الساعة السياسي بالفني بالاجتماعي.

أما عرض الافتتاح “القُبلة” الذي قدم في الخامس عشر من الشهر الجاري، فهو عمل مقتبس عن مجموعة نصوص للمؤلف الروسي أنطوان تشيخوف أخرجه محمد منير العرقي، عن كوريغرافيا لنسرين الشعبوني ومن إنتاج شركة “أنس لفنون الركح”، وأدّى شخصيات المسرحية التي دامت 60 دقيقة كل من صلاح مصدق وسارة الحلاوي ويحيى الفايدي وميساء ساسي وزياد المشري وإيمان العظيمي وصادق الطرابلسي ونسرين الشعبوني ومعز حمزة.

وفي أحداث “القُبلة”، فريق مسرحي يتدرب على مسرحيات المؤلف تشيخوف، فتتداخل المشاهد في ما بينها من خلال المرور من قصة “الدب” إلى “موت الموظف” فـ“مضار التدخين” و”القُبلة” وصولا إلى “الدفاتر السرية”، وهذا العمل بما هو مسرحية داخل المسرحية، اختار له المخرج “القُبلة” عنوانا، وذلك محافظة منه على “القُبلة” كعنوان أحد النصوص الشهيرة للكاتب تشيخوف.

أما مسرحية “القادمون” للمخرج المسرحي سامي النصري، والتي عرضت في اليوم الثاني للمهرجان فهي مقتبسة عن “ديوان الزنج” لعزالدين المدني، وتجمع على الخشبة كلا من نورالدين الهمامي والمنجي الورفلي ولزهر فرحاني وسيف الدين الشارني ومحمد شوقي خوجة وناجي الشابي وضو خلف الله.

وتتناول مسرحية “القادمون” مسألة الحكم في العهد العباسي وتغوص في متاهات السلطة وإشكاليات التسلط بين حكم الشعب وحكم العسكر، وتروي “القادمون”، تجربة مريرة تعيشها فرقة “مسرح الشمس”، تنتهي بقرار حل الفرقة وغلق المقر، واهتم التمشي الدرامي أساسا بإبراز عنصر الزنج أو قيم المختلف داخل مجتمع معين وهو المجتمع العربي الإسلامي في حدود القرن الثالث للهجرة، حيث تطرح ثورة “الزنوج” كحدث تاريخي وسياسي، و تشير إلى مدى قبول المجتمع لهذا المختلف وتعامله معه.

وغير بعيد عن المسرح وأجواء الخشبة التي كانت منطلقا في المسرحيات الثلاث الآنفة الذكر لتتحدّث عن السياسي والجمالي والاجتماعي، قدم المخرج عماد المي عرضه “الرهوط”، و“الرهط” في اللغة العربية تعني مجموعة من الرجال لا يزيد عددهم عن عشرة وهم أشبه في حياتهم بالمارقين والصعاليك، وهو ما ترجمته المسرحية التي تدور فكرتها حول مجموعة من الأشخاص عددهم ستة لا أسماء لهم يتطبعون ويتصفون بصفاتهم وأفعالهم.

توليفة من العروض المسرحية لكافة الأجيال
توليفة من العروض المسرحية لكافة الأجيال

والرهوط جمعتهم خشبة المسرح ليدلوا بمواقفهم شبه الواضحة تجاه واقعهم ومجتمعهم حتى بالصمت الذي كان أيضا يترجم موقفا ما من قضية ما في تفاعل تام مع زمانهم ومكانهم وبميثاق مجتمع خاص بهم، هو مجتمع الرهطيين فكانت الآراء الدقيقة واللغة الشاعرية التي أرادها مخرج المسرحية ومؤلفها منطوقة بالعربية الفصحى مع بعض الإضافات من اللهجة التونسية.

ومسرحية “الرهوط” أو “تمارين في المواطنة” قام بتجسيد الأدوار فيها كلّ من وليد بن عبدالسلام وعبدالقادر بن سعيد وعلي بن سعيد وغسان الغضاب ومنى التلمودي وآمنة الكوكي مقدمين حوار الرهطيين في مشاهد منفصلة، ليحكي كل من الأبطال الستة عن شأنه الخاص، أو هكذا جعلتهم الحرية الافتراضية فرادى رغم تجمعهم.

مسارات وتناقضات

على هامش فعاليات الدورة التأسيسية لمهرجان “مسارات المسرح التونسي” بالمهدية طرحت الندوة الفكرية للمهرجان على مدار يومين متعاقبين (17 و18 يونيو) إشكالية مسارات المسرح التونسي منذ التأسيس إلى بداية الألفية الثالثة، وذلك تحت عنوان “مسارات المسرح: البوصلة والمرساة”، وقد أدارها كلّ من حبيب المبروكي ومحمد المي على الترتيب بمشاكة حمادي الوهايبي وفوزية المزي وعزالدين العباسي ومحمد مومن وأحمد حاذق العرف ومحمد الهادي الفرحاني وقيسالة النفطي، وفيها انتقد الأكاديمي عزالدين العباسي التداخل الحاصل في المفاهيم بين الناقد والجامعي الباحث، مشددا على ضرورة التدقيق في الصفات التي تطلق على بعض الجامعيين، مشككا في العديد من البحوث التي تتسم بالهزال المعرفي والفكري.

وبدورها تحدثت الناقدة المسرحية فوزية المزي عن النقد المسرحي ودور “جمعية النقد” التي أسستها صحبة مجموعة من النقاد كمحمد مومن وحمدي الحمايدي وهشام بن عيسى، مركزة على دور الجمعيات في إحداث الحراك الثقافي وتطلّع المبدعين إلى نفس نقدي يواكب الإنتاج المسرحي الذي فاق ما يكتب عنه.

أما الناقد والصحافي أحمد حاذق العرف فتوقف في مداخلته على مرحلتين من تاريخ المسرح قبل الاستقلال وبعده، معتبرا أن الفترة الأولى، هي فترة افتتحها المشارقة وكان فيها التونسيون أتباعا، في حين كانت المرحلة الثانية تتسم بهيمنة الدولة على التوجهات المسرحية، لذلك عرف المسرح كرا وفرا ومحاولات للتملص وأخرى للخضوع، فنشأ مرتجّا ومختلفا عن تاريخه، وقد تباينت فيه القراءات والنتائج.

وتحدثت قيسالة النفطي عن تجربة “مسرح الأرض” لنورالدين وناجية الورغي مذكرة بظروف التأسيس للشركة العائلية المشابهة لشركات عائلية أخرى كالفاضل الجعايبي وجليلة بكار ومنصف الصايم والراحلة رجاء بن عمار وتوفيق الجبالي وزينب فرحات، وذكرت الباحثة والمسرحية بالمسرحيات التي أنتجها “مسرح الأرض” إلى حدود 2011، مؤكدة انتهاء “مسرح الأرض” بعد حصول نورالدين الورغي على فضاء دار بن عبدالله ليتحول الورغي من مناضل إلى بورجوازي.

وفي مداخلته حول كتابة تاريخ المسرح التونسي، انتقد محمد مومن، كتابا ألفه الأكاديمي التونسي محمد المديوني وصدر عن الهيئة العربية للمسرح بالشارقة عنوانه “المختصر المفيد في المسرح التونسي الجديد”، مؤكدا استخفاف المؤلف بتاريخ المسرح التونسي حين لخص أهم تجاربه في فقرات صغيرة لا تسمن ولا تغني من جوع، إضافة إلى تغييبه لكبار النقاد كسعي للتعتيم على الجهود النقدية التي رافقت الجهود الإبداعية، مؤكدا أن هذا المسار مسيء إلى المسرح وإعلامه وهو ما وجب التصدي إليه وتصحيحه.

13