تنويعات فنية عالمية جديدة ثائرة على المألوف فكرا ومادة

شهدت الساحة الفنية الفرنسية في العام 2017 الذي شارف على نهايته تظاهراتٍ وأحداثًا كبرى، كمئوية النحات رودان، وأثر الفن الأفريقي في حركة دادا، ثم في بعض أعمال بيكاسو، وكذلك غوغان وبيسارو، إلى جانب إنصاف فنانين منسيين أمثال الهولندي يوهانس فرمير، والسويدي أندرس زورن، والسويسري ألبرتو جاكوميتي، والفرنسي أندري دوران، هنا بعض التجارب المائزة التي توقفنا عندها.
الأربعاء 2017/12/20
بن فوتييه.. أعمال غريبة تشبهه

رغم مكانة الأعلام الفنية الكبرى التي صنعت ولا تزال تصنع تاريخ الفن التشكيلي العالمي، وأهمية تجاربها في حركة الفن، اخترنا في هذا العام الذي شارف على الانتهاء تناول التجارب المتفردة، سواء في حركة الفن المعاصر، أو الـ”ستريت آرت”، أو التعريف بألوان جديدة من الفن، لها هواتها وعشاقها عبر العالم.

الفن المعاصر

يعد الفرنسي جان لوك مولين والمعروف بفنان الديزاين، واحدا من بين فنانين كثيرين منتشرين في العالم لم توحدهم حركة بعد، يعتبرون النحت وثيق الصلة بالديزاين والصور اللوغاريتمية، ويستعملون الكمبيوتر بدل الإزميل والفرشاة، وما إلى ذلك من أدوات، لخلق عوالم قد تلبي أفق انتظار الباحث عن الجدة بأي ثمن.

ويسعى مولين إلى خلق عالم موضوعي عبر تنوع ممارسات وأشكال ومواضيع، واستكشاف عمليات كالقَطْع والتقاطع والجانبية والقص والمحاذاة، في علاقة بين جسد وآلة أو جماد، ويسائل الفضاء المشترك، والشكل الذي يتخذه ذلك الفضاء، بالاشتغال على التفاعل مع الفضاء الفردي، ويقوم ببحوث دقيقة للمواد التي يستعملها، ليجدّد علاقته مع الديزاين في صيغتيه الصناعية والتجارية، ذلك أن مولين نحات غريب، يستعمل الموديل كالحائك، والحبكة الإعلامية واللوغاريتم كالمهندس، والمواد الصناعية كالعامل أو الدّهّان أو البنّاء، ولكنه يجمع المواد التي بين يديه، ليقدّم تصوّرا جديدا للنحت بخاصة والفن بعامة، يتعارض مع نمطية الأشكال وجماد المواد.

وفي المقابل يأتي السويسري بن فوتييه على خُطى فلوكسوس، حيث الفن في تصوّره ليس رسومًا وألوانًا ومنحوتاتٍ فحسب، بل هو كل شيء في الوجود، ساكنا كان أم متحركا، ولذلك كانت “أعماله في الشارع” لا تختلف عن الحركات اليومية التي يأتيها كل فرد، كالوقوف في المحطة لانتظار الباص، أو تأمل السماء وسحُبها، وحتى عبور ميناء نيس سباحة بثيابه، بل إنه كان يقول إن شخصه عمل فني في حدّ ذاته.

الـ"لاند آرت" فن منذور للزوال

ولكن سمعته متأتية أيضا من أعمال غريبة كسائر أعمال حركة فلوكسوس، كالضوء في شكل تجميع لمبات، والمياه العكرة في بوقال، والأكداس في شكل كوم من الحجارة الملساء، أو أعماله عن الموت (حيث صرّح مرة: إني الموقّع أدناه بن فوتييه أعتبر موتي عملا فنيا)، أو دعوته الجمهور إلى الجلوس على أريكة شاغرة ليتحوّل كل جالس عليها في نظره إلى منحوتة حيّة.

وأيا ما تكن منطلقاته الفكرية، فهو أيضا ممن ساروا على خطى مارسيل دوشامب، إذ كان يكرس بكيفية دائمة فكرة مفادها أن العمل الفني لا يعرف بمحتواه المادي، بل بالتوقيع الذي يحمله، رغم أن أعماله الخطوطية الأولى كانت تعكس بحثا من جهة الشكل، ومن جهة اللون أيضا، ويظهر ذلك جليا حينما كان يرسم رسائل ثم صار يسطّرها مباشرة بالأكريليك الأبيض، ضمن الرسم الذي صار توقيعه.

وتتميز أعمال الفرنسي مارك ديغرانشان بالمزج الصائب بين العادي والعجيب، بين البسيط المبتذل والخارج عن المألوف، مزجا لا ينفك يزن مقاديره إلى أن ينتأ بين الحلم والواقع توازنٌ بديع.

ويتمثل ديغرانشان في الحقيقة تلك اللحظات التي تتصادم فيها الذكريات الشخصية مع صور المواقع السياحية ومشاهد الأفلام، وبقايا صور متأتية من مناحي الذاكرة، فيخلطها مع صور أخرى منتقاة من تاريخ الفن الضخم، ويضفي عليها من ذاته كي تنطق بحساسيته الفنية. أي أننا في النهاية إزاء فن تشكيلي يترعرع في عالم مصنوع عن طريق التجميع، والتشويش البصري والتذكّر. ونجد ذلك حتى في التقنيات أو الجزئيات التصويرية التي تحيل على شيء سابق، مثل البقع السوداء التي نجدها منبسطة في لوحات مونك، والمناخات الجبلية المزرورقة في أعمال هولدر، والأغصان الدكناء العارية التي تتبدّى في مقدمات بعض لوحات بَلْتوس، والخيول العتيقة لدى كيريكو، كما نستشعر ولعه بالسينما وهوسه بالزمن المعلّق، زمن الكُمون الجامد الصامت، وكأنه يدعو كل مشاهد، أمام عالم الحلم ذاك، إلى أن يصنع فيلمه بنفسه.

أما الإيطالي موريسيو كاتيلان، الساخر حتى من نفسه، فيعدّ فنانا إشكاليّا داوم الجمع بين الجدّ والهزل دون أن يستقر على حال، فيتبدّى أحيانا في ثوب الثائر على القيم السائدة، الساعي إلى كسر النمطية القائمة واقتراح الجديد المبتكر، ولكنه يبدي في أحيان أخرى شطحات غريبة لا يروم من ورائها غير الإثارة، ويأتي سلوكيات صبيانية جعلته ينعت ببوستر كيتون الفن المعاصر، فهو لا يتورّع عن تجسيم كل ما يخطر بباله، ولو كان سخرية من البابا وما يمثله في مخيال المسيحيين، كما تشهد على ذلك منحوتته “الساعة التاسعة” التي تظهر البابا يوحنا بولس الثاني واقعا على الأرض مجندلا بنيزك سماوي.

ليك وسوات يعدان ثنائي الاستكشاف الحضري الذي يعنى بالتنقل في أرجاء المدينة طولا وعرضا بحثا عن خرائب عصرية

وتحيل بعض أعماله على تلوينات أندي وارول، الذي يرى بعض النقاد أن كاتيلان متأثر به، بيد أن أعمالا أخرى تجد جذورها في تمرد مارسيل دوشامب، على غرار “أميركا” وهي عبارة عن مرحاض من ذهب، أراد كاتيلان من خلاله إدانة الحيف في توزيع الثروات، قائلا “لئن احتاجت مبولة دوشامب إلى الخروج للناس لإدانة ما ينبغي إدانته، فإن الحلقة اكتملت، ولا بد للمبولة من أن تعود إلى مكانها، أي بيت الراحة”.

وفي المقابل، عُرف الفنان والناشط الصينيّ آي وايواي كمنشق، مدافع عن الحريات في بلاده، ومتمرد على كل التقاليد الفنية السائدة في الصين قديما وحديثا. بعضهم يشبّه ميله إلى الإثارة والاستفزاز بمارسيل دوشامب وأندي وارول وجيف كونس، وبعضهم الآخر يرى أنه استفاد من جرأتهم لا محالة، ولكنه اختار طريقا تستفيد من وسائل الاتصال الحديثة حتى قيل إنه يمثل تيار ما بعد الفن.

اكتشفه بعضهم يوم نزل بجزيرة ليبسوس اليونانية ليجسّد موت الطفل السوري أيلان كردي الذي ألقت به الأمواج على شاطئ جزيرة بودروم التركية، تعاطفا مع قضية اللاجئين الهاربين من جحيم الحرب في سوريا، وتنديدا بسكوت العالم عن تلك المأساة، ولكنّ عشاق الفن المعاصر يعرفونه، فهو أشهر فنان صيني معاصر على الإطلاق.

انتبه إليه الغرب كناشط يناضل ضد انتهاك حقوق الإنسان، فعُنّف وسُجن، ووضع بعد التسريح تحت المراقبة، بتهمة “تعكير صفو المجتمع”، لا سيما أنه لا ينفكّ يبتكر أعمالا مثيرة يبيّن من خلالها البون الشاسع بين الشعارات المثالية والواقع الملموس في المجتمع الصيني.

وفي حديثها عنه، كتبت صحيفة “كيوتو جورنال” تقول “آي وايوي في القرن الواحد والعشرين يشبه بيكاسو في القرن العشرين، فأعماله السياسية والفنية تجد صداها بسرعة في المواقع الاجتماعية وتجعل منه أيقونة الإعلام، لما له من قدرة على الإثارة الصادمة”.

تنويعات فنون الشارع

ليك (فريديريك ماليك) وسوات (ماتيو كندريك) فنانان من نفس الجيل ويشتركان في “الأوربيكس” أو فن “الاستكشاف الحضري”، الذي يُعنى بالتنقل في أرجاء المدينة طولا وعرضا بحثا عن خرائب عصرية. هذان الفنانان يشهد لهما النقاد بتطوير فن الغرافيتي، التقليدي منه والتجريبي، سواء باستعمال الفيديو، أو باعتماد أسلوب التجريد المعماري، إضافة إلى عمليات التثبيت والآثار، فخلقا بذلك شكلا عصريا لـ”لاند آرت” الذي يستعمل عناصر الطبيعة، والغاية ليست إبراز جمالية الغرافيتي فحسب، وإنما أيضا مساءلة موقعه داخل المؤسسة، واقتراح عدة أنماط لتثبيته.

مارك ديغرانشان يمزج الصورة بالواقع

ومنذ مطلع التسعينات بدآ يتحرّران من القواعد التقليدية للغرافيتي النيويوركي، مكثفين عملهما بتأثيرات مدرسة بوهاوس الألمانية، وتجريدية التيار المستقبلي، فهجرا الشارع وصارا يجوبان الضواحي الباريسية بحثا عن معامل ومستودعات مهملة.

ومن بين تجارب فنون “الستريت آرت” التي اجتاحت المدن الفرنسية، تجربة فريدة للمغربي طارق بنعوم تعتمد أساسا على الخطوط الزخرفية لتشكيل لوحات بديعة تتشابك فيها الأحرف العربية واللاتينية، تزيّن مداخل بعض المعالم الباريسية وساحاتها، وتدفع العابرين إلى التوقف لاستكشاف معانيها.

ويتميز بنعوم بإلمامه بقواعد الخط العربي إلماما نابعا من جذوره المغربية، وتمرسه بالخط اللاتيني القديم، ما جعله ينجح في المزاوجة بين الخطين، ليجعل الحروف اللاتينية تتشابك حدّ التماهي مع الحروف العربية.

وقد اعتاد أن يؤثث لوحاته التي ينجزها في الفضاءات العامة، وفي المستودعات المهجورة بكلمات العامة والخاصة، فهو ينهل من خطاب المعيش اليومي، ما يقال عن الحب والعنف والحياة والسعادة والموسيقى، مثلما ينهل من نصوص أدباء معروفين، قدامى ومحدثين، ليخلق عالما يخاطب الجميع بلغة كونية، فهو لا يني يستكشف صيغا غير معهودة، لا في فنون الشارع، ولا في التجريد الحروفي، ويحدث نوعا من التشويش الدلالي المقصود، لأن الغاية ليست نصا يقرأ، بل لوحة حروفية يقاربها الناظر مقاربة زائر متحف أو معرض فني.

تجارب جديدة

يعد الياباني كويشي كوريتا الملتحم بالأرض، فنانا من نوع خاص، لا يستعمل فرشا وأصباغا، ولا حجارة وأزاميل، ولا بخاخات ومحامل في شوارع المدن ومبانيها، فأعماله ليست لوحات زيتية ولا منحوتات خشبية أو حجرية، ولا أنصابا على طريقة “الريدي ميد”، بل هي تشكيل لحفنات تراب يلتقطها عبر رحلاته الطويلة ليؤلف منها لوحات طبيعية ألوانها في لون الأرض التي نمشي عليها ونحيا فيها.

ودرج الفنان الياباني منذ مطلع التسعينات، على جمع الأتربة حيثما حلّ، ويلتقط من سطح الأرض التي تَطؤها قدماه حفنةً واحدة، دون حفر، وإن نبش فلا يتعدى عمق ما يحدِثه أكثر من عشرة سنتمترات، لكي يحافظ على سلامة التربة، كما يقول، ويملأ كيسا صغيرا، ثم ينقّيه بعناية من كل شائبة، ويضع محتواه في قنانيّ، قبل أن يعرض تلك التربة مرصّفة حسب نظام يتغيّر بتغيّر مكان العرض، على مربعات من الورق أو في بوتقات صغيرة، وفي أشكال هندسية متنوعة.

هو عمل بسيط ودقيق في الوقت نفسه، فما بين الالتقاط والعرض جهد يقتضي نفَسا طويلا وتركيزا، ليس فقط لتنقية التربة من الشوائب كالحصى والجذور والأوراق الميتة، وإنما أيضا لتخيرّ ما يصلح للعرض وما لا يصلح، فقد تكوّنت لديه بعد كل هذه الأعوام خبرة، تجعله يتبيّن أي أنواع من التربة يتفاعل تفاعلا جيدا مع الضوء، متمثلا في ذلك المبادئ الكبرى للحياة اليابانية: البساطة، الصفاء، الانسجام، والتوازن.

غرافيتي وفنون شارع تخاطب الجميع بلغة كونية

وفي المقابل، يقدّم الفرنسي جلبير بير بما يعرف بالفن الإلكتروميكانيكي، وبير فنان ومبتكر وساحر ومصمم رقص في الوقت نفسه، عصامي، بدأ حياته بممارسة أعمال هامشية ثم تحول إلى نحّات إلكتروميكانيكي، يبتكر أشياء وآلات ترقص وتدور وتتنقّل بشكل مدهش، وفق إخراج يسهر على تفاصيله بدقة، ليقدّم لوحات و”منحوتات” يمتزج فيها المسرح بالفنون التشكيلية وأجواء مدينة الألعاب.

وعلى غرار السويسري جان تينغيلي ومبتكراته التي سماها “ميتا -ماتيكس” (أعمال فنية متحرّكة)، صنع جلبير بير من آلاته الغريبة أعمالا فنية، ليس من وظيفتها أن تكون مفيدة كسائر الآلات، بل أن تنتج الحلم، وتحرك في المشاهد نوازعه الجمالية/ وهو ما تفطنت له قاعات ومتاحف كثيرة.

الـ"لاند آرت" وفن الطبيعة

ظهر الـ”لاند آرت” أي فن الأرض أو فن الطبيعة، كردّ فعل على المؤسسات المتحفية، ولا سيما طبيعة الفن التجارية والنخبوية، فقد كانت الدوافع الأولى لأنصار هذا الفن التخلّص من فن المحامل والمبادئ الكبرى للحداثة، فراموا ربط الفن بالحياة والكفّ عن إنتاج أعمال لا ترى إلاّ في المتاحف.

ويشمل الـ”لاند آرت” مجمل الحركات الفنية التي تستعمل الطبيعة كفضاء وعُدة ومساحة تندرج فيها أعمالها، هذه الأعمال عادة ما تبقى في الهواء الطلق، معروضة لعناصر الطبيعة، ما يجعلها منذورة للزوال، فلا يبقى منها غير صور وفيديوهات تسجيلا لذكرى عابرة.

ويبرز في هذا الجنس نوعان: أولهما، الأعمال الضخمة التي تحتل مكانا واسعا في المشهد الطبيعي العام وهو ما درج عليه الأميركي روبرت سميثسون منظّر الـ”لاند آرت” ووجهه الطليعي، وثانيهما، أعمال ذات أحجام عادية أنجزت بمواد مستمدة من الطبيعة كالتراب والحجارة والطين والرمل وأوراق الشجر وأغصانها وحتى الماء والثلج.

وبما أن تلك الأعمال، بنوعيها، عادة ما تنجز في أماكن وعرة، يصعب الوصول إليها، ونقلها أو عرضها في متحف، فقد غدا السند الفوتوغرافي ضروريا لتخليدها، حتى بات مكوّنا من مكوّنات العمل الفني، لا غنى للفنانين عنه.

14