تنويع خيارات السياسة الخارجية الإماراتية

الأحد 2014/03/02

تؤكد الجولة الآسيوية التي أجراها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي إلى اليابان وكوريا الجنوبية، ما يميز السياسة الخارجية الإماراتية من حيوية وقدرة على المبادرة وإدراك للمتغيرات والتحولات في البيئتين الإقليمية والدولية، وما تقتضيه من تنويع لخيارات التحرك الخارجي، فضلا عن أنها تمثل تعزيزا للتوجه الإماراتي نحو تعميق العلاقات مع القوى الآسيوية المؤثرة وتطويرها، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي.

وتعتمد دولة الإمارات العربية المتحدة في سعيها لتنويع وتوسيع خيارات تحركها الخارجي، على مبدأ التوازن، وتحرص على تنويع تحركاتها تجاه الشرق والغرب والشمال والجنوب ضمن إطار قوي من المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، من دون أن يكون التحرك تجاه منطقة أو قوة إقليمية أو عالمية على حساب منطقة أو قوة أخرى؛ لأنها مهتمة بإقامة علاقات إيجابية مع الجميع، وبوصلتها في ذلك أن يصب أي تحرك في خدمة مشروعاتها التنموية في الداخل ويعود بالنفع على شعبها ويسهم في تحقيق الاستقرار والسلام والأمن على المستويين الإقليمي والعالمي.

واستطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال هذا المبدأ، أن تكتسب الاحترام والتقدير في العالم كله، وتحظى بحضور فاعل ومؤثر في الساحة العالمية، وتصبح طرفا مقبولا من الجميع في مجالات التعاون السياسي أو الاقتصادي.

من المعروف أن السياسة الخارجية هي امتداد للسياسة الداخلية، فالهدف النهائي من ممارسة النشاط الخارجي هو خدمة أهداف الداخل وقضاياه، أو بصيغة أخرى، فإن التحرك الخارجي يتم توظيفه لخدمة أهداف التنمية والتطوير والاستقرار وتأمين المصالح القومية الحيوية. وفي هذا الإطار يمكن القول إن جولة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الآسيوية تعكس حرص الإمارات على الاطلاع على تجارب التنمية الناجحة وخبراتها في العالم، والاستفادة منها في دعم الاقتصاد الوطني وخطط التنمية في الداخل.

ولا شك في أن اليابان وكوريا الجنوبية تمتلكان نموذجا تنمويا مميزا يمكن الاستفادة منه في دعم مسيرة التنمية في الإمارات التي تسير هي الأخرى بنجاح في بناء تجربة تنموية متميزة في المنطقة، وتطمح إلى تعزيز مكانتها في الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة. كما تبرز العلاقات التجارية لتشكل حافزا مهما في توثيق العلاقات مع الدولتين، فبحسب إحصاءات هيئة التجارة الخارجية اليابانية “جيترو”، بلغت قيمة التبادل التجاري بين دولة الإمارات العربية المتحدة واليابان نحو 188.2 مليار درهم عام 2013، وفيما بلغت قيمة الصادرات الإماراتية إلى اليابان خلال هذا العام نحو 157.2 مليار درهم، (42.8 مليار دولار)، فقد بلغت قيمة الواردات الإماراتية منها نحو 31.2 مليار درهم. كما تشير الإحصاءات إلى أن إجمالي التبادل التجاري بين دولة الإمارات العربية المتحدة وكوريا الجنوبية بلغ عام 2012 نحو 21.977 مليار دولار، ويتوقع أن يبلغ نحو 25 مليار دولار في عام 2013.

ويبرز التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية ليشكل عاملا آخر مهما في توطيد العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة من جهة وكل من اليابان وكوريا الجنوبية من جهة أخرى، لا سيما أن الإمارات تمضي في مشروع استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، فيما تمتلك الدولتان خبرة كبيرة في هذا المجال، وقد وقّعت دولة الإمارات العربية المتحدة واليابان في شهر مايو 2013 خلال زيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي للدولة اتفاقية حول الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، كما اختارت أبوظبي تحالف شركات تقوده شركة كورية جنوبية؛ للقيام بالتصميم والبناء والمساعدة في تشغيل أربعة مفاعلات نووية، ضمن البرنامج النووي السلمي الإماراتي.

وبشكل عام يمكن القول إن من شأن تنويع خيارات السياسة الخارجية الإماراتية، التي تأتي الجولة الآسيوية للفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لتعزيزه وتكريسه، تحقيق مجموعة من الفوائد المهمة التي تصب في دعم المصلحة الوطنية للدولة: أولها، تعظيم قدرة الإمارات على إقامة علاقات قوية وفاعلة مع معظم دول العالم في مختلف القارات، بالإضافة إلى زيادة القدرة على اكتساب أصدقاء جدد. وثانيها، إتاحة خيارات عديدة ومختلفة للتعامل مع البيئة الإقليمية والدولية التي تتسم بالسيولة والضبابية وعدم اليقين ويبدو مستقبلها مفتوحا على سيناريوهات عديدة تطرح تحديات لا بدّ من الاستعداد لمواجهتها والتعامل معها، وفرصا من المهم امتلاك القدرة على استثمارها والاستفادة منها. وثالثها، أن تنويع الخيارات في العلاقات الدولية والسياسات الخارجية للدول بشكل عام، عنصر مهم وأساسي في الحفاظ على استقلال الدول وقرارها السيادي وتعزيز قدرتها على المناورة ومواجهة الضغوط النابعة من البيئة الدولية.

لا يمكن لأحد أن يجادل في أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد أصبحت من القوى الفاعلة وذات التأثير إقليميا وعالميا، وأن كل دول العالم حريصة على إقامة علاقات قوية معها، ومن هذه الدول بالطبع، اليابان وكوريا الجنوبية؛ لأنها تقدم نموذجا مميزا ورائدا يجمع بين القوة الصلبة والناعمة، حيث القوة الاقتصادية الكبيرة والتجربة التنموية الرائدة، وفي الوقت نفسه منظومة للقيم الثقافية والسياسية عمادها الوسطية والاعتدال والتسامح والدعوة إلى الحوار لحل المشكلات والنزاعات والتعاون والتعاضد الدوليين لمواجهة التحديات الكونية وإقرار الأمن والسلام في ربوع العالم.

5