تنويه الروائي عتبة وقناع

الاثنين 2016/04/11

كثيرا ما يصادف القارئ تنويها صغيرا مدوّنا في الصفحة الأولى لعدد من الروايات، يشير إلى أنّ أيّ تطابق أو تشابه بين أحداث الرواية أو شخصياتها مع أحداث أو شخصيات واقعية هو من قبيل الصدفة المحضة وليس للروائيّ أيّ علاقة بها، أو أنّه خال من الغرض أو القصد.

وقد يرد التنويه بصيغة أكثر اختصارا تشير إلى أنّ أحداث الرواية متخيّلة ولا علاقة لها بالواقع. وهذا النوع من التنويه استدرج روائيين آخرين إلى تثبيت تنويه مناقض يشير إلى أنّ أحداث الرواية مستمدّة من الواقع وليست خيالية، أو أنّ أي تشابه بين شخصيات الرواية وشخصيات الواقع هو أمر حقيقي وليس خياليا.

ما الذي يرومه الروائيّ من التنويه بخيالية الأحداث والشخصيّات أو واقعيّتها؟ هل هذا التنويه يحمل نقيضه في الوقت نفسه؟ هل يدعو الروائيّ قارئه مواربة ما إلى قراءة تنويهه بطريقة مخالفة ويبحث عن المطابقة حين يفترض عدمها أم هل ينفيها بدوره حين يثبتها الروائيّ؟ هل يُقرأ التنويه كلعبة فنّية متمّمة لإطار الكتابة الروائيّة وخدعة من خدع الروائيّ أم هي إشارة إلى ضرورة الفصل بين الروائيّ وواقعه وروايته وواقعها؟

لا يخفى أن هذا التنويه يحرّض على البحث عن المحاكاة التي يحاول الكاتب التملّص منها، أو ربّما لفت النظر إليها، بحيث أنّ كلّ شخصية في الرواية تمثّل شريحة ما أو نموذجا، أو عدّة شخصيّات واقعيّة، وهي تدور في فلك الأمكنة التي تعمل فيها، أو تنتمي إليها، ويكون التمثيل والانتماء رمزيين، يشيران إلى تشبّث بالتاريخ والذاكرة والواقع.

يحضر تنويه الروائيّ كنقطة تركيز على واقع بعينه في مسعى لإبراز تفاصيله وتظهير صوره بطريقة أكثر لفتا للانتباه وجذبا للأنظار، ولا يمكن إغفال التنويه في حالة تثبيته بصيغة ما، سواء كان لنفي التشابه أو لتثبيته، لأنّ خيوط اللعبة الفنّيّة تمنح الروائيّ هامشا كبيرا لنسج تفاصيل عمله، بالطريقة التي يعتقد أنّها تخدم رؤيته لرسالته التي يكون بصدد إيصالها إلى قرّائه.

يفتح التنويه أبوابا على نيّات الروائيّ المبيّتة والمعلنة، يرمز إلى الاستيحاء من الواقع والتحايل عليه في الوقت نفسه، ينفتح على دلالات الالتفاف على الحقائق التي يصبو الروائيّ إلى تسريبها عبر قناع الخيال أو تقنية التلبيس التي تحتمل النقائض إذا ما قوربت أو جرت محاولات تفكيكها وقراءتها لنصّ مكمّل لنصّ الرواية لا تفصيلا صغيرا على هامشها. ومن هنا يكون التنويه أحد أقنعة الروائيّ وعتبة من عتبات تفكيك مسرحه الروائيّ.

كاتب من سوريا

15