تهارش الأدباء

تاريخ الأدب الغربي حافل بالمواقف المرتجلة التي يراد منها الحط من قيمة هذا الكاتب أو ذاك وإلغاء جهوده بجرة قلم.
الخميس 2018/03/01
بلزاك تهجم على رواية "أحدب نوتردام" لفكتور هوغو

كثيرون هم الكتاب الذين لا يطيقون بعضهم بعضا، وأكثر منهم من يقدحون أعمال غيرهم، بدعوى نقدها، دون أن يتحلى ذلك النقد بالموضوعية، بل غالبا ما يتخذ وجه تصفية حساب كأن وراءه بغضاء كامنة. يحدث هذا عندنا، ويحدث أيضا في المجتمعات الغربية، فتاريخ الأدب الغربي حافل بالمواقف المرتجلة التي يراد منها الحط من قيمة هذا الكاتب أو ذاك وإلغاء جهوده بجرة قلم.
لو صدرت تلك المواقف عن بعض الكتبة المغمورين لهان الأمر، ولكنها كانت بتوقيع مشاهير الكتاب، كوصف فولتير مسرحية “هاملت” بكونها من تأليف متوحش سكران، أو اعتبار هنري جيمس أن التحمس لإدغر ألان بو علامة على مستوى تفكير بدائي متأصل، أو ادعاء إميل زولا بأن ديوان “أزهار الشرّ ” لن يذكره تاريخ الأدب الفرنسي إلا كشيء مثير للفضول.
قد يكون الدافع أحيانا رغبة دفينة في اعتلاء سلم المجد على كاهل الأعلام، كما كتب لويس أولباخ في حديثه عن إحدى روايات زولا: “لقد زلّ فضولي هذه الأيام في بركة من الوحل والدّم تدعى تيريز راكان، يزعم كاتبها أنه شاب موهوب… هذا الكتاب يلخص بأمانة عفونة الأدب المعاصر”.
وقد يكون أيضا غيرة من منافس يزاحم على الشهرة، كما هي الحال مع بلزاك حين تهجم على رواية “أحدب نوتردام” قائلا “هذه ليست لهوغو مؤلف بعض القصائد الجميلة، بل لهوغو مؤلف هرناني- مشهدان جيدان، ثلاث كلمات، الكل مستبعد حدوثه، وصْفان، الحسناء والوحش، وفيض من قلة الذوق – خرافة لا تصدق، وفوق ذلك كتاب مضجر، فارغ، مليء بتصنع معرفة الهندسة المعمارية”.
وكما هو الشأن أيضا مع فرجينا وولف في حديثها عن “عوليس” رواية جويس التي شكلت تحولا هاما في تاريخ الرواية الحديثة “يبدو لي أنها عمل فاشل. فيه عبقرية لا محالة، ولكن من النوع الأقل قيمة. الكتاب مشوش وموحل؛ دعيّ ومبتذل… لا يمكن أن أمنع نفسي من التفكير في طفل طائش بمدرسة ابتدائية، ذكي وموهوب، ولكنه واثق من نفسه وأناني بشكل يفقده كل رصانة، فيصبح جامحا، متصنّعا، صيّاحا وغير مؤدب على نحو يذهل من يقبلونه ويزعج سواهم”.
ولكن يحدث أيضا أن تكون بعض المواقف في محلّها، كموقف ماتياس إينار من كتابات فريدريك بيغبيدي حين سأله بنفسه عنها، إذ قال له: “ينتابني إزاءها شعور شبيه بما كتبه هنري ميلر في رسالة إلى بليز سندرار عن مؤلفاته: إحساس برؤية الشمس، ولكن من مسافة بعيدة، في يوم ممطر، وعبر نظارات لحّام”.

15