تهافت الروائيين وفساد الرواية

الاثنين 2014/01/13

المعلوم في الدراسات اللسانية (عند هيلمسلاف مثلا) أنّ حجم الألفاظ في اللغات البشريّة لا يَسَعُ حمولةَ المعاني التي تخطر على ذهن الإنسان، وهو ما سوّغ تكرار الأبنية اللغوية باعتباره “من مجازات الكلام” على حدّ ما يرى ابن قتيبة. غير أنّ للتكرار أشراطا كميّة ومعنويّة متى تجاوزها الكاتب، أسقط كلامه في مرذول المعنى أو في مرذول الشكل. وهو ما نُلفي له صورة في الرواية العربية الحديثة، حيث سلك أغلب كتّابِها في نسج سُرودهم سبيلَ منوالات أو خطاطات تكرارية انزاحت بأعمالهم صوب التهافت وسهّلت على بعضهم كتابة رواية في كل شهر.

والنظر في الروايات الحديثة يوقفنا على حقيقة أنّ الواحدة منها ولئن حملت عنوانا مختلفا عن الأولى وأسماء شخوص مغايرة وأمكنة جديدة، فإنها منسوجة وفق الخطاطة السردية التي كُتبت وِفْقها سابقتُها. وهذا الأمر يحدث في روايات الكاتب نفسه، وفي روايات الكتّاب المتجايلين، ويُنبئ بنضوب معين التخييل لدى أناس تكفّلوا بصناعته وتمكين الآخرين من التمتع بفَيْئه.

وحتى لا يذهبنّ الظن بالبعض إلى أن ملاحظتنا السالفة قد تكون من باب التجنّي على المبدعين أو الغمز من قناتهم، ولا تحفل بمقولة التناصّ الأدبي وجمالياتها، سنحاول أن ندعمها بأدلّة من أعمال ثلاثة أسماء من أشهر كتّاب الرواية العربية الحديثة، وهم المغربي بن سالم حمّيش والجزائري واسيني الأعرج والمصري جمال الغيطاني، وهم يمثّلون عيّنة شاهدة على ما ذكرنا من أمر التكرار السلبيّ في البناء الروائي.

فروايات بن سالم حمّيش التاريخية على غرار “مجنون الحكم” و”العلاّمة” و”هذا الأندلسي”، تعالج أسباب ضعف ديار الإسلام عبر خطاطة سردية واحدة: بطلها شخصية تاريخية (الحاكم بأمر الله، المؤرّخ ابن خلدون، الصوفي ابن سبعين)، ومكانها (بلاد من بلدان الإسلام المنكوبة بسياسيّيها: سلطة الحاكم في مصر الفاطمية، التكالب على الحكم في مصر المملوكية، ضعف عرب الأندلس قبل سقوط غرناطة)، وفي كلّ واحدة منها تظهر امرأة في حياة البطل مالئة فراغات التاريخ المدوّن، ومتحكّمة في رقاب السرد (سِتّ الملك /أم البنين/فيحاء السبتي)، يضاف إلى هذا ما نقف عليه من تشابه حال الفصول الأولى من كلّ رواية، إذ تغلب عليها التقريرية والحضور الكثيف للنصوص التاريخية.

وأمّا روايات واسيني الأعرج، ومنها على سبيل التمثيل “أُنثى السراب” و”أصابع لوليتا” و”مصرع أحلام مريم الوديعة”، فإنها هي الأخرى مبنية على خطاطة سردية واحدة قوامها: شخصيّة امرأة مغرمة بالفن (ليلى/ نوّة/ مريم)، تحب رجلا مثقفا وغالبا ما يكون أكاديميا يعيش في المنفى (في إشارة إلى سيرة واسيني الأعرج نفسه)، وتدور أحداثها في عواصم غربية، وتنصبّ على مسائل الإرهاب والحب والمنفى. وهي جميعها كثيرة الصفحات (ما يزيد عن 500 صفحة) ومملوءة بالحشو والإنشائية إلى الحدّ الذي يمكن اختزال أحداثها إلى مئة صفحة فقط.

ثم إنّ ظاهرة تكرار “الخطاطة السردية” في الرواية العربية الحديثة لا توجد فقط لدى الروائي الواحد، وإنما نلفي لها حضورا لدى مجموعة من الروائيّين بغضّ النظر عن مسألة أسبقية ظهور روايات أحدهم بالنسبة إلى روايات الآخر. من ذلك أنّ رواية “الزيني بركات” لجمال الغيطاني لا تختلف في نسيجها السردي عن رواية “العلاّمة” لبن سالم حمّيش، فهما تناقشان مفهوم السلطة وعلاقة الحاكم بالمحكوم. الأولى استعارت، في بناء شخصيتها الرئيسة، ما جاء من أخبار هزيمة معركة مرج دابق في كتاب “بدائع الزهور في وقائع الدهور” لابن إياس، ونهضت الثانية على أخبار ساسة المغرب والمشرق وعلاقة الشخصية بسلاطين تلك البلدان في ما ورد بكتابيْ “المقدّمة” و”التعريف بابن خلدون ورحلاته شرقا وغربا” للعلاّمة ابن خلدون.

وبالتأليف نقول إنّ كثرة من نصوصنا الروائية الحديثة لا تزيد عن كونها نغمات للحن سرديّ واحد شبيه بلحن الفنان المصري شعبان عبدالرحيم الذي يصلح لكلّ كلام، ولكنّها مليئة بالهذر والرتابة التي تدفع إلى الملل، خاصة إذا كان قارئها من الذين ينتمون إلى أمّة “لا تَقْرَأ”.


كاتب من تونس

14