تهافت القوميين.. سوريا المشهد الأخير

الجمعة 2013/09/13

في كل مرة يعيد القوميون العرب إنتاج أنفسهم بالطريقة نفسها دون تعديل أو ابتكار، يكررون العبارات نفسها، ويقتربون من الاستجداء في محاولاتهم إقناع الآخر بأنهم على حق، وهم مستعدون دائماً للارتماء في أحضان «القائد» دون أن يظهروا تعاطفاً من أي شكل مع الضحية، أو الشعب الذي لطالما ادعوا أنهم ينطلقون منه ويعبرون عنه.

قبل عشر سنوات تراكض القوميون فرادى وزرافات إلى العراق، ليقفوا بكل ما أوتوا من طاقة خطابية وحماسية إلى جانب صدام حسين وهو يقارع جيوش الدول بأكاذيبه التي ساهموا في صناعتها والتسويق لها عن التصدي للمشروع الأميركي في المنطقة، وتوحيد جهود العرب لأجل المعركة المصيرية، وكأن هذه الأهداف لا تتم إلا عبر قصف الأكراد بالكيماوي عام 1988، وعبر اجتياح الكويت واحتلالها عام 1990.

لم تخلُ الوجدانيات التي دبّجها قوميو الساعات الأخيرة من قصائد، وخطب عصماء ألقوها عبر وسائل الإعلام في استنهاض لمشاعر أفراد الأمة، كما لم تخلُ من شتائم وهجاء لما تبقى من الدول العربية على اعتبار أن صدام حسين كان يمثل وقتها آخر قلاع صمودهم القومي، مفترضين أن باقي العرب إنما هم استكمال لصورة القائد الضرورة الفاتح الذي سيقودهم من نصر إلى نصر.

وبعد خيبة أملهم الكبرى بسقوط نظام صدام حسين انكفأ القوميون على أنفسهم، وشرع بعضهم في كتابة مذكراته التي قادته للاجتماع بالقادة التاريخيين للمشروع القومي، وهؤلاء القادة، أنفقوا واقعياً، ردحاً كبيراً من الوقت الذي أمضوه في الحكم لتمزيق الكيانات العربية دون أية مشاريع تنموية ما جعل الدول التي تحكموا بها تتراجع خطوات إلى الوراء، بل إن تحالفاتهم كانت في الأصل موجهة ضد العرب، ولعل في تحالف حافظ الأسد مع إيران إبان الحرب العراقية الإيرانية خير دليل على أن هؤلاء القادة تاجروا بالقومية العربية كما تاجروا بفلسطين، وقد تسبب الخلاف بين «قائدين» قوميين هما صدام حسين وحافظ الأسد إلى قطع كافة أنواع العلاقات بين بلديهما قرابة العشرين عاماً، وهو أطول خلاف يسجل في التاريخ الحديث بين دولتين غير متحاربتين، ما تسبب بتمزيق عوائل بأسرها، وتشرد عشرات الآلاف على كلا الجانبين.

اليوم يعود القوميون ليظهروا على السطح مدافعين وبشراسة لا عن سوريا الدولة والإنسان بل عن سوريا الأسد، بوصفها «آخر قلاع القومية العربية» و»الحاضن الأخير لفكر حزب البعث العربي الاشتراكي» الذي تطاير مع الرياح هنا وهناك ولم يبق منه إلا قيادة قومية مهترئة في سوريا، ليعيدوا عزف أسطوانتهم المشروخة نفسها، عن المؤامرة الكونية وسايكس بيكو جديد يستهدف تمزيق الممزق، وإعادة رسم حدود جديدة للمنطقة، وبدأت تستقطبهم بعض الصحف والفضائيات العاملة في كنف النظام السوري بحكم الدعم المادي ليذكروا الشعوب العربية بضرورة الدفاع عن سوريا في وجه قوى الاستعمار الجديد، متناسين عن عمد السبب الحقيقي وراء ما حل بسوريا، معتبرين أن كل من يقوم ضد نظام الأسد هو خائن بالضرورة، ولا يستبعدون بهذه الحالة ارتباط ثلثي الشعب السوري بالمشروع الصهيو أميركي، بل إنهم يرددون وعن غباء واضح مقولة أن جميع أولئك الذين يتظاهرون ضد النظام إنما يتلقون رواتب شهرية، مفترضين أن بقاء سوريا موحدة وأن «الفسيفساء» القومي والديني الموجود منذ مئات السنين إنما هو واحد من إنجازات نظام الأسد الابن والأب.

ومع أنهم قبل عشر سنوات كانوا ينظرون إلى إيران بوصفها شيطاناً أكبر وخطراً يجب تحصين الشعوب العربية منه، إلا أنهم الآن يتقاطرون في مديح طهران، ووقوفها إلى جانب «قضية العرب الأولى» والمقصود هنا فلسطين، متناسين عن عمد أيضاً أن أدبياتهم لا تخلو من التذكير بمأساة الأحواز التي ابتلعها الفرس قبل تسعين عاماً، بل قد يذهب بعضهم لتفضيل إيران على الكثير من الدول العربية التي تمثل في نظرهم تهديداً لكيان الأمة، ويستطردون، خلال أحاديثهم أو عبر كتاباتهم التي تعيدنا عشرات السنين إلى الوراء، في مديح حكمة الرئيس الأسد، وصوابية رؤيته في التصدي، وإصراره على المقاومة في زمن باع فيه الجميع أنفسهم لأميركا، وفي تعريفهم الواضح والصريح لصوابية رؤية الأسد الابن تتمثل قدرته في البقاء في الحكم مستنفداً جميع الوسائل الأمنية والعسكرية المتاحة لقتل عشرات الآلاف ولتدمير المدن والقرى، وتهجير الملايين، فهذا كله فداء للمشروع القومي العربي، الراسخ رسوخ جبال الوهم في أذهانهم، والذي ظل منذ تاريخ كتابة أحرفه الأولى حبراً على ورق ولم ينتج سوى بعض الديكتاتوريات الورقية التي لم تقدم للدول التي تحكمت بها على مدى عقود طويلة أي مشروع اقتصادي أو ثقافي أو اجتماعي تستطيع التفاخر به.

ورغم إدراك جماعة القوميين أن ظهورهم في الوقت الحالي على الشاشات واستماتتهم في تسويق أنفسهم هو الفرصة الأخيرة لهم قبل سقوط بشار الأسد والذي يمثل آخر الديكتاتوريات، سواء من خلال ضربة عسكرية أميركية أم من خلال استمرار الثورة الشعبية ضده، رغم هذا إلا أنهم لم يمنحوا أنفسهم الفرصة للتفكير ملياً فيما حققته فكرتهم لهذه الشعوب سوى القمع والقهر والتشرد.


كاتب سوري

9