تهافت النقد الأكاديمي

ما موقف ناقد “عتباتي” من رواية تصدر في طبعتين مختلفتين؟ هل يمكن تطبيق تلك النظرية على الرواية نفسها بالطريقة نفسها؟ لذلك اختصر الإنكليز الطريق فقالوا: “لا تحكموا على الكتاب من غلافه!”
الخميس 2018/08/30
"عتبة العنوان" ليست دائما مفتاحا لولوج النص (لوحة سعد يكن)

درج الأكاديميون العرب على تلقف المناهج النقدية الغربية، وعرّبوا مصطلحاتها تعريبا زاد معانيها عسرا، وأمعنوا في التوسل بها حتى بعد أن ملّها الغرب ولفظها وأقبل على سواها، فتعلقوا بالبنيوية والألسنية والشكلانية والإنشائية والتداولية والسيميائية والنصّانية والتأويلية والتفكيكية، وما زالوا يلوكون مفاهيم عصية على الفهم صيغت منذ أكثر من نصف قرن مثل الشعرية والتناص وخاصة العتبات، وما أدراك ما العتبات، موضة النقد العربي اليوم.

لا تكاد مقالة من مقالات النقاد الأكاديميين العرب تخلو من هذا المصطلح الذي ابتكره الفرنسي جيرار جنيت عام 1987، أي قبل إحدى وثلاثين سنة، في إطار نظريته عن الشعرية كمنهجية لدراسة الأشكال الأدبية دراسة آلية، فهم ينطلقون من “العتبات” في تحليل الآثار الفنية، يستقرئون دلالاتها، لاعتقادهم أنها تسهم في استجلاء غوامض النص المدروس وفضّ مغالقه، وأنها من النص بمثابة المقدمة التي تكشف عما استتر من معانيه وما أشكل من رموزه.

وحسب اللبيب أن يتوقف عند تلك العتبات ليكتشف أنها تجانب الواقع في أكثر من موضع، فضلا عن كونها لا تضيف شيئا إلى القارئ، ولا تساعده على فهم أعمق للنص. فـ”عتبة العنوان” مثلا ليست دائما مفتاحا لولوج النص، كما هي الحال في “اسم الوردة”، وهو عنوان أشبه بعناوين الروايات البوليسية التي لا تنطبق في الغالب على المحتوى، وقد اعترف أمبرتو إيكو نفسه أنه اختاره لاعتقاده بأنّ العنوان لا ينبغي أن يكون أحادي المعنى يفرض فكرة مسبقة عن النص، بل ينبغي فسح المجال لتعدد الخيارات والقراءات.

كذلك مسرحية تشيكوف “مضار التدخين” إذ لا علاقة لها إطلاقا بالإدمان على السجائر ولا بالإقلاع عنها… وقس على ذلك أمثلة كثيرة. وأما “عتبة الصورة”، التي يَعدّها نقادنا مدخلا هي أيضا لقراءة الرواية، فإنها غائبة في الروايات الصادرة عن أهم دور النشر الفرنسية أمثال غاليمار وسُويْ وغراسّي وكلها موحدة الأغلفة، خالية من الرسوم والصور، فكيف يمكن اعتمادها إذن مطية لولوج النص؟

 كذلك “عتبة المؤلف” و”عتبة الإهداء” و”عتبة التصدير” و”عتبة تحديد الجنس” وما إلى ذلك من حواجز اعتاد القارئ أن يتخطاها جميعا ليمضي إلى النص مباشرة، بل إن العمل يمكن أن يروج دون أن يحتفظ القراء باسم صاحبه، ولا أن يعرفوا صورته. ثم ما موقف ناقد “عتباتي” من رواية تصدر في طبعتين مختلفتين؟ هل يمكن تطبيق تلك النظرية على الرواية نفسها بالطريقة نفسها؟ لذلك اختصر الإنكليز الطريق فقالوا: “لا تحكموا على الكتاب من غلافه!”

15