تهافت موقفي طه حسين وسمير أمين من هوية العقل

الأربعاء 2014/04/23
موقف سمير أمين يعادي الوقائع الثقافية ويرفض كل الدعوات المرتكزة على البعد الإثني

إن منطقتنا الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج مشبعة بالتنوعات الثقافية، والمذهبية والحضارية والإثنية. إضافة إلى ذلك هناك تقاطعات لأعراق شتى في هذه المنطقة وهي نتاج للعدد الكبير من الناس المنحدرين من الجنسيات المختلفة الذين استقروا هم وأحفاد أحفادهم على نحو دائم ببلداننا وأصبحوا جزءا من المركب البشري الذي نتجت عنه الهجنة في فضائها أيضا، نظرا لذلك فإن هذه التنوعات ينبغي أن نعتبرها مصدر ثراء وقوة في مجتمعاتنا المعاصرة وليس علة للتشرذم والانقسام.

إن السياسات المطبقة في بلداننا بخصوص الإثنيات التي تصنف غالبا في خانة الأقليات في حاجة ماسّة إلى فتح أبواب النقاش العلمي الهادئ حولها من أجل بلورة مناهج وأساليب جديدة أكثر إيجابية للتعاطي معها في ظل مناخ ديمقراطي.


معنى العرقية


بادئ ذي بدء أرى أنه ينبغي أن تكون المفاهيم محدّدة وواضحة حتى لا يعتريها اللبس لأن مفهوم الإثنية يؤوّل عندنا بشكل خاطئ وكثيرا ما يسوّى وفي تعسف بمفهوم العرق. فالإثنية لا تعني العرقية إطلاقا بل إنها ذات دلالة ثقافية أو روحية في حين يستند مفهوم العرقية المقحم إقحاما في التاريخ البشري إلى عنصر الرابطة الدموية من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا التصنيف - الذي هو من اختراع ما يدعى بالفكر السياسي الغربي المتمركز أوروبيا/أميركيا- أمر يمكن دحضه بسهولة لكونه لا يستند إلى نظرية مؤسسة على العلم. في هذا المقال سوف لا أناقش كل هذه القضايا المتشعبة وإنما سأكتفي بالنظر في نموذج مفكرين مصريين معروفين وهما الدكتور طه حسين والدكتور سمير أمين اللذان لهما مواقف من الإثنيات ومن انتماء الهوية تتطلب النقد بقوة لأنها متهافتة سياسيا وانتقائية وتجزيئية فكريا وغير مؤسسة على الحقيقة التاريخية بكل أبعادها التي أسهمت في تكوين النسيج البشري والثقافي في منطقتنا المغاربية- المشرقية.

أبدأ الآن باستعراض وجهة نظر طه حسين، التي كرسها في كتابه “مستقبل الثقافة المصرية” والتي تنطلق من فرضية اعتباطية تؤكد على أن العقل المصري ليس عقلا شرقيا. وأكثر من ذلك فإن طه حسين قد صرّح بشكل واضح قائلا بأن هنالك تأثيرا متبادلا بين العقل اليوناني والعقل المصري مبرزا أن الأول هو الذي تأثر بالثاني في بدايات التلاقح الحضاري بين مصر وبين اليونان. في هذا السياق ينبغي التذكير بأنَ الدكتور طه حسين لا ينفي تأثير الكلدانيين على اليونان أيضا وكذلك تأثير فضاءات حضارية أخرى على امتداد حوض المتوسط عليه.


تهديد للوحدة


وهكذا نرى طه حسين يحدّد مرجعية العقل المصري بالجوار المتوسطي وليس بالجوار العربي- الشرقي كما أنه ينفي أن يكون الشرق البعيد (الأقصى) قد لعب دورا في تشكيل هوية العقل المصري. فضلا عمّا تقدّم فإن طه حسين يرى أن المسلمين منذ عهد بعيد قد عدلوا عن اتخاذ الوحدة الدينية واللغوية أساسا للملك وقواما للدولة. هنا أريد القول بأن طه حسين يحدد هوية مصر بالماضي التاريخي البعيد فقط في الوقت الذي يغفل فيه عن تأثيرات الثقافة العربية- الإسلامية وغيرها من الثقافات التي كان لها تماس أو جوار معرفي معها ودورها المهم في المساهمة الفعلية في تشكيل أجزاء منتج العقل المصري الحديث والمعاصر.

ممارسة إنكار أو كبت أو قمع الإثنيات سواء في بلداننا أو في البلدان الأخرى عملية سلبية تلعب دورا مفصليا

ونتيجة لهذا الموقف فإن المعيار لدى طه حسين هو الماضي البعيد وليس التحوّلات التاريخية المتشابكة والمتنوعة عبر التزامن التاريخي المركب. رغم هذا الموقف من قبل طه حسين فإنه لم يتهم حين نشر كتابه المذكور أعلاه بأنه من دعاة العرقية أو انعزالية العقل المصري، والسبب في ذلك هو أن بلداننا في ذلك الوقت كانت لها قضايا وطنية مصيرية تتمثل في الكفاح التحرّري ضدّ الاستعمار الأوروبي وأن المواطنين عندنا كانوا حينذاك متحلقين حول البعد التحرّري حيث كانت الهوية جزءا عضويا من هذا البعد وليست مختزلة في العرق أو الإثنية المغلقتين على نفسيهما. ومن الواضح أيضا أن التسامح الفكري في زمن طه حسين كان أكثر قوة في بلداننا مما عليه خلال الوضع الراهن. وهكذا أسمح لنفسي بالقول بأن الموقف الآن من الإثنيات هو أدنى مستوى من الموقف الذي كان يجهر به وكان يتخذ أثناء مراحل الكفاح النضالي التحرّري في بلداننا.

إنه يبدو أن إثارة قضية تهديد الإثنيات للوحدات الوطنية ببلداننا في المرحلة الراهنة مرتبط عضويا بتفكك وانحدار الوطنية الجامعة لتنوعاتنا، وأنه ذو علاقة عضوية أيضا بتفريغ محتوى الاستقلال من مضامين العدالة والحرية والحكم الرشيد، وتداول السلطة بشكل سلس في ظل احترام التنوعات والخصوصيات الثقافية واللغوية من المحيط إلى الخليج.


أساس تعسفي


في كتابه الذي يحمل عنوان “الرأسمالية في عصر العولمة” والصادر في عدة طبعات باللغة الأنكليزية نجد المفكر المصري سمير أمين يناقش مسألة الإثنيات في بلداننا وفي العالم الغربي على أساس نظري متهافت وتعسفي ومنغلق ومتأثر في الجوهر بنظرية الطبقة الماركسية التي ثبت أنها غير مؤهلة أن تقنعنا بأن الانتماء إلى طبقة معينة (عمالية أو برجوازية، أو فلاحية) يعني أيضا وحدة الموقف الإثني وتطابق الانتماء الثقافي الموحد والواحد.

في هذا السياق يكتب سمير أمين قائلا بأنَ بروز الإثنيات كما هو الحال الآن يعود إلى ضعف الدولة- الأمة وإلى أزمة الطبقة الاجتماعية من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يرى أن الوعي الطبقي قد استبدل بالتباهي بالعرق وبالاحتماء بالمجموعة الإثنية والدين ونتيجة لذلك فقد أصبحت هذه المجموعة الإثنية حسب رأيه رديفا للعرق ليس إلاّ، أو اختراعا آخر غير واقعي لخدمة النظام الاجتماعي للعالم ما قبل الرأسمالي.

طه حسين: "المعيار هو الماضي البعيد وليست التحولات التاريخية المتشابكة والمتنوعة"


معاداة الوقائع


ففي تقديري إن فرضيات سمير أمين في حاجة ماسة إلى تدقيق وتمحيص لأنها تنطلق من قراءة ذات بعد واحد لحقائق الواقع الاجتماعي والتاريخي لمجتمعاتنا ولواقع المجتمعات الغربية ما بعد الاستعمارية. أولا ينبغي الاعتراف بوجود تعدّد الإثنيات سواء في بلداننا، أو في البلدان الغربية الاستعمارية سابقا بحكم التاريخ والجغرافيا والضرورات الاقتصادية والتعليمية وصلات الزواج معا حيث أن إنكار مثل هذه الحقائق لا يفيد شيئا بل إنه سيؤدي إلى طمس الحقائق وإلى خلق المشكلات والأزمات وإلى زعزعة الاستقرار.

بناء على ما تقدّم أرى أن موقف سمير أمين يعادي الوقائع الثقافية ويرفض كل الدعوات المرتكزة على البعد الإثني، علما أن التفسير الثقافي للتاريخ وللأزمات لا يقل أهمية وضرورة عن التفسير المادي لهما، كما أن الفصل بين المقاربتين يمثل تعسفا معرفيا. فسمير أمين يرى أن الانضواء في إطار الطبقة هو الموقف الصحيح وليس الانضواء داخل إطار المجموعة الإثنية، وفي هذا الخصوص نرى أن هذه النزعة الطبقية ذات البعد الواحد والتي تستبعد البعد الثقافي الإثني والروحي هي من مخلفات الفكر اليساري التقليدي الذي لم يعد صالحا لإدراك حركة التاريخ والواقع الاجتماعي في العالم المعاصر.

فالبديل في رأينا هو أنه ينبغي على بلداننا أن تؤسس أسلوبا جديدا للتعامل مع الإثنيات حتى لا تتحوّل إلى عامل تفكيك لمجتمعاتنا وإلى وسيلة تستخدمها القوى الأجنبية لخلخة وتقسيم بلداننا إلى مقاطعات مجهرية. فالأسلوب العقلاني الصحيح يتمثل في تطوير الفكر الديمقراطي بما يؤسس لمبدإ احترام الإثنيات، وخصوصياتها وتشجيعها على الحوار لحل أيّ مشكل مطروح سواء في بلداننا أو في البلدان الأجنبية التي يتكوّن نسيجها الاجتماعي والثقافي من الإثنيات والأعراق والتنوعات الثقافية وغير ذلك من السمات الأخرى.

إن ممارسة إنكار أو كبت أو قمع الإثنيات سواء في بلداننا أو في البلدان الأخرى عملية سلبية تلعب دورا مفصليا في تفجير المجتمع وتقسيمه وفي تسميم العلاقات الدولية أيضا. كما هو معروف فإن أميركا مثلا قد لعبت بشكل واضح على مشكلة الطائفية في العراق من أجل تفكيكه وإحداث تمزقات في نسيجه العضوي.

15