تهافت موقف سمير أمين من الإثنيات

الجمعة 2014/03/28
أمين: بروز الإثنيات يعود إلى ضعف الدولة

هناك عدد معتبر من المفكرين العرب الذين يعادون الإثنيات ويساهمون بطرق مختلفة في عدم طرح قضاياها بواقعية وموضوعية في بلداننا والباحث سمير أمين واحد من هؤلاء. ففي كتابه الذي يحمل عنوان “الرأسمالية في عصر العولمة” والصادر في عدة طبعات باللغة الأنكليزية نجده يناقش هذه المسألة على أساس نظري متهافت وتعسفي ومنغلق.

بادئ ذي بدء فإن الباحث سمير أمين لا يقدّم مسحا إحصائيا معترفا به لخارطة مواقع وعدد الإثنيات في بلداننا، وفي الفضاءات الأجنبية وخاصة في الدول الأوروبية/ الغربية، وفي الوقت نفسه فإننا نجده يصدر أحكاما قيمة معتبرا إياها قوة طاردة تهدد الوحدة الوطنية.

في هذا السياق يكتب سمير أمين قائلا بأن بروز الإثنيات كما هو الحال الآن يعود إلى ضعف الدولة- الأمة وإلى أزمة الطبقة الاجتماعية من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يرى أن الوعي الطبقي قد استبدل بالتباهي بالعرق وبالاحتماء بالمجموعة الإثنية والدين ونتيجة لذلك فقد أصبحت هذه المجموعة الإثنية حسب رأيه رديفا للعرق ليس إلاّ، أو اختراعا آخر غير واقعي لخدمة التنظيـم الاجتماعي للعالم ما قبل الرأسمالي.

ففي تقديري إن فرضيات سمير أمين في حاجة ماسة إلى تدقيق وتمحيص لأنها تنطلق من قراءة ذات بعد واحد لحقائق الواقع الاجتماعي والتاريخي لمجتمعاتنا ولواقع المجتمعات الغربية ما بعد الاستعمارية. أولا ينبغي الاعتراف بوجود تعدّد الإثنيات سواء في بلداننا، أو في البلدان الغربية الاستعمارية سابقا بحكم التاريخ والجغرافيا والضرورات الاقتصادية والتعليمية وصلات الزواج معا حيث أن إنكار مثل هذه الحقائق لا يفيد شيئا بل إنه سيؤدّي إلى طمس الحقائق وإلى خلق المشكلات والأزمات وإلى زعزعة الاستقرار.

بناء على ما تقدّم أرى أن موقف سمير أمين يعادي الوقائع الثقافية ويرفض كل الدعوات المرتكزة على البعد الإثني، علما أن التفسير الثقافي للتاريخ وللأزمات لا يقل أهمية وضرورة عن التفسير المادي له كما أن الفصل بينهما يمثل تعسفا معرفيا.

فالباحث سمير أمين يرى أن الانضواء في إطار الطبقة هو الموقف الصحيح وليس الانضواء داخل إطار المجموعة الإثنية، وبهذا الخصوص نرى أن هذه النزعة الطبقية ذات البعد الواحد والتي تستبعد البعد الثقافي الإثني والروحي هي من مخلفات الفكر اليساري التقليدي الذي لم يعد صالحا لإدراك حركة التاريخ والواقع الاجتماعي في العالم المعاصر.

فالبديل في رأينا هو أنه ينبغي على بلداننا أن تؤسس أسلوبا جديدا للتعامل مع الإثنيات حتى لا تتحول إلى عامل تفكيك لمجتمعاتنا وإلى وسيلة تستخدمها القوى الأجنبية لخلخة وتقسيم بلداننا إلى إقطاعيات مجهرية. فالأسلوب العقلاني الصحيح يتمثل في تطوير الفكر الديمقراطي بما يؤسس لمبدإ احترام الإثنيات، وخصوصياتها وتشجيعها على الحوار لحل أي مشكل مطروح سواء في بلداننا أو في البلدان الأجنبية التي يتكون نسيجها الاجتماعي والثقافي من الإثنيات والأعراق والتنوعات الروحية وغير ذلك من السمات الأخرى.

إن ممارسة إنكار أو كبت أو قمع الإثنيات سواء في بلداننا أو في البلدان الأخرى عملية سلبية تلعب دورا مفصليا في تفجير المجتمع وتقسيمه وفي تسميم العلاقات الدولية أيضا.

كما هو معروف فإن أميركا مثلا قد لعبت بشكل واضح على مشكلة الطائفية في العراق من أجل تفكيكه وإحداث تمزقات في نسيجه العضوي. إننا في حاجة إلى ثقافة الحوار والتعاون والتكامل بين الإثنيات داخل مشروع الدولة الديمقراطية العادلة المؤسسة على مبدإ المواطنة الكاملة واحترام تجاور وتحاور التنوعات والاختلافات.

14