" تهالة" قرية مغربية تجمع اليهود والمسلمين

يصعب تحديد دخول اليهود إلى شمال أفريقيا تحديدا تاريخيا قاطعا، لأنهم جاؤوا على فترات وحقب زمنية متباينة وموغلة في القدم. فهناك من يقول إن بداية الاستقرار اليهودي بشمال أفريقيا يرجع إلى العهد الفينيقي والقرطاجني، وهناك من يقول إن البداية كانت مع العهد الروماني، لكن الثابت أنهم سكنوا في أغلب المدن والقرى ذات الحراك الاقتصادي في المغرب في أحياء تسمى الملاح وتسمى في تونس وليبيا بالحارة وتعايشوا مع السكان الأصليين في ود وسلام.
الأربعاء 2015/08/12
مقابر بنقوش عبرية لم يتمكن أبناء القرية من فك شفرتها

الرباط - “تهالة” هي واحدة من ست قرى أمازيغية بمنطقة “تافراوت” كان يقطنها اليهود والمسلمون في دلالة على تعايش الديانتين والثقافتين، لكن هذه القرى اندثرت جميعها، وبقيت تهالة، حيث لا يزال يزورها أبناء اليهود الذين رحلوا عنها، وإن أضحوا لا يعرفون أيا من أهلها.

واتسمت علاقة اليهود بسكان تهالة بالوفاق سواء على مستوى الأفراد أو الحكام، إذ وجدوا في سكانها التسامح والمساواة والعدالة، وقد تمتعوا بحقوقهم الدينية والمدنية، وعاشوا على قدم المساواة مع المغاربة المسلمين في نطاق ما يحدده الشرع في الكتب الفقهية لأهل الذمة، حيث أوجب عليهم السكان المتعاقبون بمقتضى الشريعة الإسلامية دفع الجزية ضمانا وحفاظا على أموالهم وحرية تنقلهم وحمايتهم، كما أبرموا مع السكان المجاورين اتفاقية احترام ديانتهم، ولم يذكر التاريخ أي صراع ديني أو عرقي في المنطقة، بل كل الدلائل تشير إلى انسجامهم داخل التركيبة البشرية لتهالة، فعاشوا في ود وحب وسلام حضاري.

وتعرف التسمية في المغرب للحي السكني لليهود بـ“الملاح”، وأصل التسمية يعود إلى عهد المرينيين في الثلاثينات من القرن الخامس عشر الميلادي، حيث كان الملاح موقعا عند مدخل مدينة فاس تجمع فيه مادة الملح قبل توزيعها، فكان الموقع أول تجمع خاص باليهود ومنذ ذلك الحين تم تعميم مصطلح الملاح ليتم تداوله بين الأوساط المسلمة واليهودية كحي محاط بأسوار عالية له بابان في غالب الأحيان يقطنه اليهود.

وحده بيت أحد أغنياء القرية من اليهود لا يزال قائما، أما باقي منازل الملاح اليهودي في القرية، فقد أصبحت أثرا دارسا بعدما هجرها سكانها، حسب رواية أحد الباحثين أبناء القرية.

البيت الذي لا يزال سكان القرية يتذكرونه باسمه “سلام”، اشتراه من صاحبه قبل هجرته، أحد سكان القرية المسلمين، يدعى “عنتر”، فرممه وزينه، لكن نجمتين سداسيتي الأضلاع لا تزالان منقوشتان على واجهته، إضافة إلى بعض الزخارف الأمازيغية المحلية، وفق ما تحدث به إبراهيم أقديم، ابن القرية، والباحث في تاريخ وثقافة المنطقة.

بيت "سلام" شاهد على سلام سكان القرية من اليهود

ويقف أقديم على أطلال الملاح اليهودي، وهو يشير إلى ركام ما كان كنيسا يؤدي فيه اليهود شعائرهم الدينية، وإلى مكان كانت تسمع منه أصوات الأطفال وهم يرددون ترانيم وصلوات بالعربية لم يفلح يوما في معرفة معناها، وهو طفل صغير، قبل أن يهجرها يهودها.

ويلتقي ملاح اليهود في تهالة وأزقة المسلمين، في ساحة وسط القرية كانت مكانا لاجتماع سكانها من الديانتين، والأمازيغية لغة تخاطبهم، ولا يفصل بين الجانب الذي يسكنه مسلمو القرية الأمازيغية ويهودها إلا زقاق صغير لا يتعدى عرضه مترين.

على الجانب الآخر من واد بالقرية، توجد مقبرة يهودية، مسيجة بسور إسمنتي، وقد تهدمت أغلب قبورها، لكن بقايا نقوش على بعض هذه القبور باللغة العبرية لا تزال شاهدة، وإن لم يتمكن أحد من أبناء المنطقة من فك شفرتها.

وحسب إبراهيم أقديم، فإنه من خلال الدراسات التي يتوفر عليها، فإن اليهود في منطقة تافراوت كانوا يقطنون في 6 دواوير (قرى صغيرة)، كلها اندثرت إلا قرية تهالة.

ويتابع “اليهود هنا كانوا مندمجين في الوسط الاجتماعي، فعندما تريد القبيلة اتخاذ قرار يهم مصلحة أبنائها يحضر أمغار (شيخ) يهودي ممثلا لليهود”، مشيرا إلى أنهم لم يكونوا يملكون الأرض لكنهم كانوا يمتهنون التجارة، ويشتركون مع المسلمين من سكان القرية في تربية المواشي، أو العناية بأشجار “أركان” المعروفة وجني ثمارها بالقسمة.

وأجمع الباحثون على أن اليهود قدموا إلى منطقة تهالة من جميع بقاع العالم قبل ميلاد المسيح عليه السلام بعدة قرون، وجمعهم الأمازيغ أي السكان الأصليون بالمنطقة داخل مجمع سكني، لازال قائما إلى حد الآن، وبدخول المستعمر الفرنسي حسب رواية بعض السكان المسنين، انسحب الكثيرون، نظرا للمضايقات التي كانوا يتعرضون لها من قبل الفرنسيين، كما تعرضت حرفهم التقليدية وتجارتهم للإفلاس أمام المنافسة القوية للمنتوجات الخارجية التي وفدت على الأسواق المغربية آنذاك، وكذلك للإغراءات التي كانت تقدم لهم للهجرة إلى فلسطين لتعميرها تحت ضغط يمارس عليهم من جهات أخرى عنصرية.

وبدأت هجراتهم بالتدريج حاملين معهم تراثا وتقاليد ولغة أمازيغية، منهم من انتقل إلى المدن الكبرى كالدار البيضاء والبعض الآخر إلى كندا وفرنسا ومنها هاجر البعض إلى فلسطين، وإلى حدود 1964، حسب رواية السيد لحسن عباج مسؤول مكتب الحالة المدنية بقيادة تهالة “لم يبق أي أثر ليهودي أمازيغي بمنطقة تهالة التي سكنوها، كما تركوا بعد رحيلهم إرثا ثقافيا لازالت معالمه بادية على المشهد المجتمعي هناك، ولازالت مقابرهم متواجدة، كما بقيت أسماؤهم محفوظة بسجلات الحالة المدنية بقيادة تهالة إلى يومنا هذا”.
20