تهاني الجبالي: الأمن القومي العربي يمر بمخاض وجودي

الحديث مع تهاني الجبالي، النائب السابق لرئيس المحكمة الدستورية العليا في مصر، يتخذ أهمية قصوى أولا لأنها خبيرة قانونية، وثانيا لكونها ناشطة سياسية خاضت غمار العمل السياسي وكانت الانتخابات البرلمانية آخر محطاته. الجبالي في حوار مع “العرب” وجهت نقدا حادا للبرلمان المصري الجديد، وتفاعلت مع معضلة الأحزاب الدينية وعرجت على الأمن القومي العربي في الوضع الراهن وأداء السياسة الخارجية المصرية.
الثلاثاء 2016/01/05
البرلمان.. عبء جديد على كاهل المصريين!

القاهرة- المستشارة تهاني الجبالي يمكن اعتبارها نموذجا يعكس كل متناقضات الحياة السياسية المصرية، فهي خبيرة دستورية بحكم منصبها السابق كنائب لرئيس المحكمة الدستورية العليا، وقت حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، كما أنها ناشطة سياسية عرفت بمواقفها الحادة من تيار الإسلام السياسي وفي القلب منه جماعة الإخوان المسلمين.

أسست مؤخرا تحالفا انتخابيا حمل اسم “التحالف الجمهوري للقوى المجتمعية”، خاض الانتخابات البرلمانية الأخيرة في بعض الدوائر وفي منافسات القوائم، لكنه خسر أمام التحالف المعروف باسم “في حب مصر” بعد أن شهد التنافس بينهما حربا بلغت حد “تكسير العظام” كما وصفها البعض.

تهاني الجبالي أكدت في حوار خاص مع “العرب” أن البرلمان المصري الجديد أمام تحديين كبيرين يرسمان فرص استمراره، أولهما مدى قدرة أعضائه على تمثيل مصالح الشعب المصري التي رفعها وقام من أجلها بثورتي يناير 2011، ويونيو 2013، والثاني قدرته على حماية الأمن القومي الذي يتعرض لأخطار كبيرة.

الجبالي التي صرحت، من قبل، بأن لديها من الأدلة والطعون ما يُمكّنها من حل البرلمان لكنها لن تفعل ذلك، تحدثت لـ”العرب” حول احتمالات حل البرلمان الحالي فقالت: إن الدستور نظم آليات حل البرلمان، ومنها أن يدعو الرئيس الشعب إلى استفتاء على حله، أو صدور أحكام من المحكمة الدستورية العليا، أو فقدانه للرضا الشعبي، وفي كل الأحوال سيكون الحل رهن نتائج الاستفتاء الشعبي.
تراجع الأحزاب ذات المرجعية الدينية في الانتخابات الأخيرة، مرده الوعي والإرادة الشعبية، وليس الإجراءات القانونية

وتوقعت ألا تتأخر الدعوة لإجراء انتخابات برلمانية مؤقتة، قائلة إن ذلك لا يجب أن يفزع أحدا، أو يكون مؤشرا على أي شيء، “فنحن في مرحلة بناء الجمهورية الثالثة، وستؤدي الممارسة إلى زوال أحزاب وفشلها وتأكيد أخرى لتواجدها”.

حول كيفية قياس الرضا الشعبي عن أداء البرلمان واحتمال أن يتحول النص إلى ورقة في يد السلطة التنفيذية للتعدي على السلطة التشريعية، قالت: المسألة بسيطة، فإذا أصدر البرلمان تشريعات يرفضها المجتمع وخرجت قطاعات من الشعب لتحتج عليها، أو فشل في بناء السلطة التنفيذية عبر تشكيل الحكومة، فهما مجرد نموذجين لقياس الرضا الشعبي.

الجبالي واصلت في حوارها مع “العرب” الهجوم على البرلمان الجديد حتى قبل أن تنعقد أولى جلساته، معتبرة أن تشكيلته الحالية تمثل طبقة الرأسماليين، وجماعات المصالح ورموز نظام حسني مبارك، الذين نجحوا في الدفع بأعضاء موالين لهم لضمان وجود كتل برلمانية تنحاز لرؤيتهم ومصالحهم.

كما أن هناك مجموعات لا تريد لملفات فسادها أن تفتح، وتلك القوى كان لها دور فاعل في الانتخابات، سواء بتمويل بعض المرشحين، أو توفير الدعم القبلي لهم في المحافظات التي تعتمد عليه، وكذلك وفرت الأهم وهو دعم وسائل الإعلام المملوكة لرجال أعمال، بينما غابت عن البرلمان الجديد القوى التي تقدم خطابا سياسيا معبرا عن برامج تحقق طموح البسطاء والفلاحين والعمال في سن تشريعات تحقق العدالة الاجتماعية على أرض الواقع.

تهاني محمد الجبالي

من مواليد عام 1950 نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا المصرية السابق، وأول امرأة مصرية تتولى مهنة القضاء في الحقبة المعاصرة، وهي المرأة المصرية التي احتلت المنصب القضائي الأعلى في تاريخ مصر.

في 22 يناير 2003 صدر قرار جمهوري بتعيينها نائب رئيس المحكمة الدستورية ضمن هيئة المستشارين بالمحكمة الدستورية العليا كأول قاضية مصرية.

وأثار قرار تعيينها جدلا واسعا في الأوساط الدينية والسياسية والقضائية ذاتها.

رأست لجنة النهوض بالمرأة العربية في اتحاد المحامين العرب، وشاركت في العديد من المؤتمرات والندوات على المستوى المحلي والعربي والدولي دفاعا عن حقوق المرأة، وكخبيرة في لجنة حالة المرأة بالأمم المتحدة والجامعة العربية.

أسست التحالف الجمهوري للقوى الإجتماعية، ورفضت عرض الانضمام لقائمة “في حب مصر”، إبان فترة الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر.

دروس من التاريخ

ورغم تأكيدها في العديد من المناسبات السابقة أن الخلاف بينها وبين قادة تحالف “في حب مصر” خاصة اللواء سامح سيف اليزل، المنسق العام للتحالف، ليس شخصيا، فقد واصلت الجبالي انتقادها العنيف للتحالف الذي تحول اسمه إلى “دعم الدولة” ثم “دعم مصر”، فقالت إنه يعكس غياب الرؤية السياسية بدليل استخدامه لعبارات فضفاضة، ما يكشف عدم امتلاكه لبرنامج سياسي جامع.

وبالتالي هو تحالف هلامي، كما أن حظر تغيير صفة النائب بحكم القانون، يجعل تلك التحالفات في مهب الريح لأنها ضمت مرشحين من أحزاب متباينة الرؤى والسياسات، وهذا سيؤدي إلى تفكيك التحالف كما حذرنا قبل الانتخابات، وهو ما حدث بالفعل، ودروس التاريخ تفيد بأن التحالفات والأحزاب المصطنعة بلا مشترك فكري وسياسي سرعان ما تزول.

وشددت الجبالي على أن كل التكتلات التي تنشأ تحت قبة مجلس النواب الآن وهمية لا يجمعها خطاب وبرنامج سياسي مشترك، لذا فالأغلب أنها ستكون متغيرة وليست ثابتة، تنشأ وتتفكك على أساس التوافق والخلاف حول موضوعات بعينها، وليس على الوعد والالتزام التنظيمي وهذا يفسر وجود بعض النواب الذين يتوهمون أن بإمكانهم الخروج من تحالف لآخر وربما من حزب لآخر، دون أن يعرفوا أن خروجهم من أحزابهم كفيل بإبطال عضويتهم في البرلمان.

مشاريع شخصية

في تعليقها على إمكانية قيام البرلمان بسن تعديلات تغلق ثغرات قانون الانتخابات البرلمانية القائم، بما يعيد للبرلمان المقبل توازن التمثيل للقوى الحقيقية، قالت الجبالي إن هذا سيكون تحديا مهما لبيان قدرة النواب على تغليب المصلحة العامة للدولة على مصالحهم الخاصة.

وأشارت إلى أنه من الصعب توقع تبني البرلمان الجديد لتطور تشريعي، يضر بمصالح الفئات المهيمنة عليه، وقد يفقد البرلمان الرضا الشعبي، ومن ثم يكون عرضة للحل.

وحول معضلة ضرورة مناقشة كافة التشريعات القانونية الصادرة في غيبة البرلمان في مدى 15 يوما من بدء انعقاده، قالت: السوابق البرلمانية تؤكد أن فترة الـ15 يوماً ليست سيفاً مسلطا على البرلمان، والمعنى في النص الدستوري أن البرلمان عندما يبدأ ممارسة أعماله، يسترد حقه في مراجعة كافة التشريعات التي صدرت في غيبته، فهناك استقرار في المبدأ، والمحكمة الدستورية سبق وأن أصدرت حكما في واقعة مماثلة في البرلمان الأول عقب ثورة يوليو 1952.

حول ضعف تمثيل الأحزاب في البرلمان الجديد بعدما حازت 36 في المئة فقط من المقاعد حصدها 16 حزبا فقط من إجمالي 96 حزباً، قالت الجبالي: الأحزاب الحالية قامت على أسس وهمية، وقد تحولت في النهاية إلى مشاريع شخصية، أو لخدمة مصالح فئات محدودة، فلا توجد إلا بعض الأحزاب الليبرالية التي يحركها بعض رجال الأعمال، وهي الأحزاب التي حصلت على مقاعد، بينما فئات الشعب وطبقاته العريضة لا يوجد لهما تمثيل سياسي، وهذه قضية خطيرة جدا تتطلب إعادة النظر في الحياة الحزبية، وشروط تكوين الأحزاب.

وترى الجبالي، التي يعتزم تحالفها خوض انتخابات المحليات بعد إخفاقه في الانتخابات البرلمانية، ضرورة تعديل قانون الأحزاب ليشترط زيادة بنسب معينة في حصد مقاعد بالبرلمان والمحليات للبقاء، وهو ما يجبر الأحزاب الضعيفة وفقيرة الموارد على الاندماج، ليكون لطبقات القوى العاملة أحزاب معبرة عنها، ضماناً لسلامة الحياة السياسية، واستقرار المجتمع، فعندما لا يجد العمال من يتبنى حقوقهم، سيلجؤون للتظاهر والإضرابات، كما أن شفافية الحكم تستوجب دعم الأحزاب ومراقبة التمويل بما يضمن استقلالها، ومن ثم ضمان بيئة صحيحة للنمو والتنافس.

وطالبت الحكومة بـ”تصحيح العوار الحزبي” بإصدار قرارات لحل 11 حزبا دينيا، خمسة منها تابعة للإخوان، وبعضها يمثل جماعات لها تاريخ معروف في الإرهاب مثل الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد، وكل هذه الأحزاب يجب حلها مع ترك الحق لأعضائها في الانضمام لأحزاب قانونية تنطلق من برامج سياسية لا أيديولوجيات دينية.

وشددت على ضرورة تفعيل الدولة للدستور والقانون، اللذين يحظران إقامة أحزاب على أسس دينية، مؤكدة أن حزب النور السلفي وغيره من الأحزاب ذات المرجعية الدينية يجب أن يكون مصيرها الحل.

اعتراف التقرير البريطاني بتورط الإخوان في العنف، كتب نهاية التنظيم الذي تم تأسيسه بأموال بريطانية

وأكدت أن تراجع الأحزاب ذات المرجعية الدينية في الانتخابات الأخيرة، يرجع إلى الوعي والإرادة الشعبية، وليس الإجراءات القانونية، فلجنة شؤون الأحزاب لم تحسم عشرات الشكاوى التي قدمت إليها بشأن هذه الأحزاب.

وحول ما يقال إن حل تلك الأحزاب يعيد أعضائها للعمل الجهادي ويجعلها فرائس سهلة للتنظيمات الإرهابية قالت: الثابت تاريخياً أن المواقف السياسية التي اتخذتها قيادات النور وبعض الأحزاب ذات المرجعية الدينية عقب ثورة 30 يونيو 2013، لم تكن انعكاسا لرأي أعضائها، الذين كان عدد كبير منهم في اعتصاميْ رابعة والنهضة، والجميع يعلم هذا بما فيه أجهزة الأمن، وقيادات التيار السلفي أجبروا على اتخاذ موقفهم الداعم لعزل محمد مرسي، لأن الشعب كان يهتف بسقوط حكم المرشد”.

وترى الجبالي أن اعتراف التقرير البريطاني بتورط الإخوان في العنف، كتب نهاية التنظيم الذي تم تأسيسه بأموال بريطانية عندما كانت بريطانيا تحتل مصر، ويعكس أن الأجهزة المخابراتية الغربية التي كانت تراهن على الإخوان لإسقاط أنظمة عدد من الدول العربية والسيطرة عليها، أدركت فشلها، لذلك دفعت بورقة داعش كبديل.

حرب عالمية ثالثة

وقالت إن الأمن القومي العربي في حرب وجود الآن، فالعالم تجاوز فكرة بناء الأحلاف العسكرية إلى أفكار متطورة تشمل الأحلاف الاقتصادية وبناء وعاء ثقافي موحد، إلى جانب دروع شعبية، لهذا لا يجب أن تكون التحالفات بين الحكام في غرف مغلقة بمعزل عن شعوبهم.

تهاني الجبالي تعتبر تشكيلة البرلمان الحالية تمثل طبقة الرأسماليين

وعلى الشعوب العربية أن تبدأ عصرا جديدا من فرض إراداتها ودعم قرارات حكامها، فالشعوب هي الأساس في بناء الدفاعات العربية المشتركة، لأننا نواجه حربا عالمية ثالثة في حقيقة الأمر.

وحول السياسة الخارجية المصرية قالت إن النظام الحالي يقوم بنقلات شديدة الروعة على قطعة الشطرنج، إلا أن إدارة أزمة سد النهضة خاطئة، لأن الاتفاقيات الدولية تمنع إقامة سدود في مجاري الأنهار، إلا بموافقة الدول المستفيدة من مياهه.

وقد تم تضليل الرئيس مبارك من قبل من سياسيين ودبلوماسيين وقانونيين، وأوهموه بأن بناء السد مستحيل، فنقل ملف إدارته لوزارة الري التي كادت أن تضيع حقوقنا، وعلى البرلمان المقبل مراجعة الاتفاقيات الخاصة بهذا السد، والعمل تحت مظلة القانون الدولي، بما في ذلك حق استخدام القوة العسكرية لحماية الأمن المائي.

وختمت الجبالي حوارها مع “العرب” بالتأكيد على أن المنظومة الإعلامية في مصر تفتقد إلى التوجه الاستراتيجي، وأنها رهن الاجتهادات المجزئة، ومصالح أصحاب رأس المال الذين ينافسون الإعلام الوطني بوسائل إعلام خاصة، وهو ما بدا واضحاً في محاصرة الإعلام الخاص للتحالف الجمهوري في الانتخابات البرلمانية، بسبب خطابه السياسي الذي يستدعي القوى الاجتماعية لتنظيم صفوفها، وخطاب العدالة الاجتماعية الذي يؤرق الرأسمالية.

وطالبت الدولة بدعم الإعلام القومي لتولي مسؤولياته في الدفاع عن الثوابت الوطنية، وبناء إستراتيجيات وخطوط واضحة، فالدولة ليست وجهة نظر، وعلى الإعلام مراجعة نفسه، وترك القضايا الهامشية، والتركيز على النقاش البناء للقضايا الحقيقية، والحفاظ على سلامة العقل الجمعي، ومراجعة النموذج التنموي في مصر، وكيفية تطوير الاقتصاد بما ينعكس إيجاباً على المواطن.

12