تهاني الجبالي قاهرة الإخوان عينها على رئاسة البرلمان

الأحد 2014/08/31
تهاني الجبالي نالت لقب أشهر نساء مصر

قاهرة الإخوان، الساعية لرئاسة البرلمان، بتلك العبارة يمكن إيجاز قصة صعود، تلك السيدة القادمة من دلتا مصر، لتتصدر قائمة أشهر نساء مصر لدى الرأي العام، من محامية ترأس الشؤون القانونية بجامعة طنطا، إلى منصة القضاء، عضواً ونائباً لرئيس المحكمة الدستورية العليا، أعلى سلطة قضائية بالبلاد، ولعشر سنوات، قبل أن يطيح بها نص دستوري صاغته جماعة الإخوان خصمها اللدود، في دستور 2012، الذي أقر في عهد الرئيس المعزول محمد مرسى.

بمقتضى هذا الدستور تقلص عدد القضاة بالمحكمة من 19 قاضياً إلى 11 فقط، لتتم الإطاحة بها وسبعة آخرين، فسخرت منه المعارضة في حينها، مطلقين على البند الذي حوى نص التقليص “نص تهاني”، لتصبح أول سيدة في مصر وربما في العالم يصاغ من أجلها نص دستوري.

إنها المستشارة تهاني الجبالي، أو المرأة الحديدية كما يحلو للبعض أن يصفها، تلك السيدة الأكثر إثارة للجدل في مصر في العامين الأخيرين، وربما لبضع سنوات قادمة، فهي الآن وقبل أن تستريح من معركتها مع الإخوان، تسعي وبقوة لرئاسة برلمان مصر المقبل، والمقرر إجراء انتخاباته قبل نهاية العام الجاري.

المدقق في نشأتها ومراحل حياتها، وتنوع خبراتها، يكتشف أن شخصيتها، نتاج تلاقح بين ثقافة دينية، ومورثات شعبية، وطبقات اجتماعية وحضارية متنوعة، خلق منها سياسية عنيدة، ومقاتلة شرسة، تتسلح بالعلم، والوعي والثقافة وعمق الرؤية، والقدرة على استخدام الحجة والمنطق، مفوهة وتجيد التعبير عن أفكارها، يصفها مؤيدوها بالشخصية الوطنية المدافعة عن حقوق الوطن ومصالحه، ويراها معارضوها جزءا من نظام مبارك، لكن لا يمكن لمن اتفق معها أو اختلف أن ينكر صلابتها في الدفاع عن قناعاتها، وقدراتها المهنية، وامتلاكها للحجة والبرهان في مواجهة خصومها.


نشأتها خلقت شخصيتها


ولدت تهاني الجبالي في 9 نوفمبر- تشرين الثاني عام 1950، في مدينة طنطا محافظة الغربية بدلتا مصر، لأب من أسرة ثرية، يعود لقبيلة عربية تسمى “الجبالية” يرجع نسبها إلى آل البيت، من قبيلة خرجت من الحجاز في فتح الأندلس، ثم عادت للشمال الأفريقي في هجرة عكسية، لتنتشر بتونس والمغرب ومصر، بمحافظتي الفيوم وطنطا، ولمكان الميلاد أثر في تكوينها، حيث المسجد الأحمدي، ومقام السيد أحمد البدوي الذي يقصده العديد من التيارات الصوفية، والتي تأثرت بها في نشأتها، حيث كانت تتردد صحبة والدها على حلقات الذكر.

والدها من كبار الأثرياء، الذين جردتهم ثورة 1952 من بعض ممتلكاتهم، بموجب قانون الملكية الزراعية، لكنه رحب بذلك القانون، وكان يحمل ميولا اشتراكية، دفعته إلى التبرع للعمل في جمعية الصليب الأحمر، وزيارة العديد من البلدان الأوروبية، وهو ما انعكس على أبنائه السبعة الذين كانت تتوسطهم تهاني، إلا أن والدتها وبالرغم من كونها من أسرة بسيطة الحال، كانت إحدى نساء قلائل حظين بالتعليم في ذلك الوقت، لتصبح السيدة الثانية التي تشغل منصبا رفيعا بوزارة التعليم كوكيل للوزارة بطنطا، بعد عملها لسنوات مدرسة للغة العربية والتربية الدينية، بل وناشطة وطنية تطوعت بالحرس الوطني خلال العدوان الثلاثي على مصر 1956، فكان لذلك أثره على اهتمامها بتعليم بناتها وطفلتها تهاني.

تلقت الطفلة تهاني تعليمها الابتدائي بمدرسة الإرساليات الأميركان في طنطا، ثم انتقلت إلى مدرسة النجاح الحكومية، ثم المدرسة القبطية للبنات، وهي مدارس أهلية كانت تتسم برحابة الفكر ونبذ الطائفية، ومعظم طلابها من المسلمين، ثم مدرسة طنطا الثانوية بنات، لتحتل المركز الخامس على الجمهورية، ومع ذلك فضلت الالتحاق بكلية الحقوق جامعة القاهرة، التي تخرجت منها عام 1973، وهو العام نفسه الذي استشهد فيه شقيقها حمدي الضابط بالقوات المسلحة في حرب تحرير سيناء، وكان والدها توفي وعمرها لم يناهز 16 عاماً، وشقيقها أسمته العائلة حمدي، تيمناً باللواء حمدي سيف النصر أول وزير حربية في حكومة حزب الوفد بالعهد الملكي، وهو نجل خالتها، وربما يفسر ذلك ارتباطها بالمؤسسة العسكرية، ودفاعها المستميت عن المجلس العسكري الذي أدار شؤون البلاد عقب ثورة 25 يناير 2011 فردت على من اتهموه بتسليم البلاد للإخوان عام 2012 قائلة: “بل الجيش سلم الإخوان للشعب” في تنبؤ مبكر ثبت صوابه بإطاحة الشعب بحكم الإخوان في ثورة 30 يونيو 2013.
تدشن تحالفا انتخابيا لحصد أغلبية مقاعد البرلمان وغلق الطريق على عودة الإسلاميين وفلول الوطني


من المحاماة إلى منصة القضاء


23 يناير 2003، كان لحظة فارقة في تاريخ تهاني الجبالي، المحامية التي بدأت حياتها العملية، عام 1974 موظفة بإدارة الشؤون القانونية بجامعة طنطا، وسرعان ما أصبحت مديرة لهذه الإدارة، قبل أن تترك العمل بالجامعة لتفتتح مكتباً خاصا بها لتمارس مهنة المحاماة الحرة، ويأتي اليوم الموعود الذي صدر فيه قرار الرئيس محمد حسني مبارك بتعيينها قاضية بالمحكمة الدستورية العليا بالبلاد، لتسطر بذلك خانة جديدة في سجلات الشرف، فهي السيدة الأولى في مصر التي تشغل منصب قاض، لتنتقل من “القضاء الواقف” أي المحاماة، إلى القضاء الجالس “المنصة”، وتستمر في منصبها عشر سنوات، قبل أن تطيح بها جماعة الإخوان من منصب نائب رئيس المحكمة الدستورية عقب وصول محمد مرسي القيادي بالجماعة لرئاسة الجمهورية، تحت دعاوى أنها كانت تشارك في مؤامرة للإطاحة به، لحساب نظام مبارك، وصيغ لتحقيق هذا الهدف نص دستوري قلص عدد قضاة المحكمة الدستورية من19 إلى 11 عضوا، ونص انتقالي يقضي بعودة كل المستبعدين فور إقرار الدستور إلى مناصبهم السابقة على العمل بالدستورية.

بذلك عادت المستشارة تهاني الجبالي إلى صفوف المحامين، لكن لتواصل معاركها الأكثر شراسة ضد جماعة الإخوان، الذين وصفتهم بـ”المتاجرين بالدين والمتآمرين على الوطن لخدمة أجندات أجنبية تسعى إلى تقسيمه”. الجبالي التي عملت بالسياسية قبل اعتلاء منصة القضاء، لم تستطع الالتزام بحياد القاضي، بل جاهرت وهي قاضية بمواقفها السياسية المعادية للإخوان، وتيار الإسلام السياسي، محذرة من مخططات إسقاط مؤسسات الدولة لتمكين الجماعة التي تتعدى مخططاتها حدود الوطن إلى السعي للخلافة، مشددة على أن الأوقات الحرجة لا يمكن معها الحياد، خاصة إذا كان الوطن في خطر.

مواقف الجبالي أزعجت الإسلاميين، وقطاعا من شباب ثورة 25 يناير، الذين رأوا في إعلانها المسبق عن رأيها في قضايا منظورة أمام المحكمة، ومن بينها بطلان مجلس الشعب الأول عقب الثورة، دليلا على عدم حيادية لمن يعتلى منصة القضاء، وإصدارا لأحكام مسبقة، فسرها البعض بالعمل لحساب ما أسموه بالثورة المضادة التي قيل إن من يقودها هم بقايا نظام مبارك وقيادات بالدولة العميقة، وبلغت حدة الصراع أن أقام محام في العام 2012 دعوى قضائية طالب فيها ببطلان تعيين المستشارة تهاني بالقضاء ومن بين مبرراته الادعاء أن قرينة الرئيس الأسبق سوزان مبارك هي من عينتها لعلاقة وثيقة بينهما.

الجبالي ردت على هذه الفرية قائلة: “لا علاقة لي بسوزان مبارك، فقد كنت وحتى تعييني بالقضاء قيادية بالحزب العربي الناصري، وقبلها كنت عضوا بمجلس نقابة المحامين، ولم يكن ذلك يسمح لي إلا أن أكون معارضة لنظام مبارك وقبله السادات، والدكتورة منى ذو الفقار هي من قدمت ملف ترشيحي، للمستشار الجليل فتحي نجيب رئيس المحكمة الدستورية العليا الذي اختارني، في مواجهة ترشيحات رموز النظام، لأنه كان يعلم أن اختيارات النظام لن تكون موضوعية أو مستقلة، وقد كان قاضيا رفيع المستوى وحريصا على استقلال القضاء، ووافقت الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية على ترشيحي، فكلهم يعرفونني وجاؤوا من هيئات قضائية عدة وقفت فيها أمامهم مترافعة كمحامية، ووافق أيضاً المجلس الأعلى للقضاء وكان الترشيح مرهونا لمدة شهر ونصف بموافقة الرئيس مبارك والأجهزة السيادية المعنية بالأمن القومي، لأنهم كانوا يصنفونني معارضة عنيدة”. وأضافت الجبالى: “أصبح مبارك في مأزق فإن خالف الترشيحات القادمة من الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء سيعدّ سابقة تاريخية، فتم إصدار قرار تعييني، وسأل مبارك وزير العدل حينها المستشار سيف النصر رحمه الله كم عدد أعضاء المحكمة قال له 19 فربما قال صوت واحد غير مؤثر، وربما أراد النظام الاستفادة من تعييني في تبييض وجهه أنه عيّن سيدة ومن المعارضة في أعلى محكمة مصرية، وبالتأكيد كان هناك الكثير من السيدات الفضليات تصلحن لكن ربما كانوا أكثر قربا من النظام، وحضور السيدة سوزان مبارك حفل تعييني كان من منطلق انتصار المرأة المصرية كأول قاضية، فتاريخ تعييني قاضية في 2003 لم يكن لحظة فارقة في تاريخي الشخصي بل تاريخ المرأة المصرية، بتولي إحداهن منصب قاضية بأعلى محاكم البلاد، والقانون يسمح بتعيين نسبة من المحامين بالهيئات القضائية".

هزمت مرشحي الجماعة عام 1989 في انتخابات "النقابة" ونجل حسن البنا في "اتحاد المحامين العرب"


جذور الصراع مع الإخوان


لقب “أول سيدة” لم يلتصق بتهاني الجبالي المحامية بعد تغيير صفتها، لقاضية واستبداله بالمستشارة، لتكون أول سيدة تعتلى منصة القضاء العام، وإن كان الكثير من النساء التحقن بالقضاء الإداري، فقد حازت لقب أول سيدة تشغل منصب عضو مجلس نقابة المحامين عام 1989، ولمدة دورتين متتاليتين وبالانتخاب، في مواجهة شرسة على مقاعد المجلس بين التيار الناصري الذي تحسب عليه، وتيار الإسلام السياسي بقيادة جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في ذلك الوقت، والتي سعت لاختراق النقابات المهنية والسيطرة عليها عبر مرشحي التيار الإسلامي، حيث بدأ مختار نوح القيادي بالجماعة في ذلك الوقت خلق تكتل انتخابي، عام 1985، ونجح الإخوان في تأسيس ما أسموه لجنة الشريعة، وتوالت منافستهم على مقاعد المجلس في الانتخابات التالية والتي كانوا وحتى المجلس الحالي يسيطرون على عدد كبير من المقاعد في مواجهة الناصريين ومرشحي النظام الحاكم في عهد مبارك، الأمر الذي خلق صراعا مريرا بين الإخوان والجبالي كمنافسة ناصرية لهم.

المعركة الانتخابية الثانية لتهاني الجبالي مع الإخوان كانت في عام 1989، حيث خاضت منافسة شرسة على عضوية المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب، في مواجهة منافسها القوي أحمد سيف الإسلام حسن البنا، نجل مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، عضو مجلس نقابة المحامين لدورات متوالية، وفازت تهاني بعضوية الأمانة العامة للاتحاد لثلاث دورات متتالية، كأول سيدة تشغل هذا المنصب عربياً، فتجذّرت الضغينة بينها وقادة الإخوان وقواعدهم، لتتوالى معاركها معهم.

مؤخراً دعت الجبالي إلى تشكيل تكتل انتخابي تسعى لقيادته، يضم قيادات بالنقابات المهنية وشخصيات سياسية وطنية، وشبابا من تكتلات ثورية مختلفة، لخوض معركة انتخابات البرلمان المقبلة على كافة المقاعد، مستهدفة الحصول على أغلبية برلمانية تمكنها من الوصول إلى رئاسة البرلمان، داعية لتوحيد الصفوف لمواجهة مساع الإخوان ورموز نظام مبارك للعودة إلى الحكم.


مع السيسي


الجبالي تؤيد الرئيس عبدالفتاح السيسي بقوة، وترى فيه رجل دولة مدركا لأبعاد الأمن القومي المصري، والمخاطر والمؤامرات التي تستهدف الوطن والمنطقة العربية، مثلها الأعلى نقيب المحامين الأسبق مصطفى البرادعي، والد الدكتور محمد البرادعي مساعد رئيس الجمهورية السابق (المستشار عدلي منصور)، الذي استقال احتجاجاً على قرار فض اعتصامي الإخوان في رابعة والنهضة، لكن الجبالي التي ترى في البرادعي الأب ومثلها الأعلى، وصديق عائلتها الذي كان يزورهم في صباها، وحفّزها على دراسة القانون، لما لاحظه فيها من قوة ولباقة تؤهلها لأن تكون محامية ناجحة، وهو السبب الذي دفعها لترك كليات الطب والهندسة والالتحاق بالحقوق.

رأت في استقالة البرادعي (الابن) من منصبه في لحظة حرجة، “طعنة خنجر في ظهر مصر سمحت باستغلالها من قوى دولية متربصة بالبلد للهجوم عليها لصالح فصيل الإخوان الذي أراد فرض إرادته على إرادة الشعب".

قوة شخصيتها لا تكمن فقط في مواقفها السياسية، بل وثباتها النفسي الذي تعكسه رواية تردّ بها على رافضي عمل المرأة بمنصب وكيل النائب العام والقضاء بدعوى تغليبها للعاطفة في الأحكام قائلة: “ليس كل رجل يصلح للعمل بالقضاء، وليست كل امرأة لا تصلح، فقد اضطررت لحضور معاينة النيابة لجثة قتيل عثر عليها، ولم أكن أرغب في الوقوف في مثل هذا الموقف لولا أن المجني عليه أحد أقاربي، لأفاجأ يومها بوكيل النيابة، يسقط مغشياً عليه متأثرا بمنظر الجثة، بينما وقفت أنا بصلابة دون أن يبدو عليّ أيّ تأثر".

8