تهاوي أسعار النفط.. من الفائز ومن الخاسر

الأحد 2016/01/10
الحسابات تغيرت

لندن - سجّل المؤشر القياسي العالمي لسعر النفط، نهاية الأسبوع الماضي، أقلّ معدّل إغلاق منذ أكثر من عقد من الزمن، حيث بلغ حدود 33.37 دولارا للبرميل، وسط توقّعات أن يتواصل استمرار التعثر السريع في أسعار النفط، وهو أمر سيكون له تأثير كبير على الدول المنتجة للنفط وخاصة التي تعتمد بصفة كلية على عائداته. وهذا التراجع سيفرز ولا شك قائمة من الخاسرين والفائزين.

ويرصد مركز ستراتفور للدراسات الأمنية والاستراتيجية، عدّة أسباب وراء تراجع أسعار النفط، مشيرا إلى أن الاقتصاد الصيني والأسواق المالية شهدا ضعفا في الأيام الماضية، مما أثار مخاوف من أن التباطؤ سوف يحدّ من الطلب.

ومن اسباب تهاوي الأسعار عودة النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية قريبا، وتلميح أوبك إلى أنها سوف تواصل تزويد السوق بكميات كبيرة من النفط.

وقد أنتج التحول الهيكلي الجاري في أسواق النفط فائزين وخاسرين واضحين. فبين عامي 2011 و 2014، اعتاد كبار مصدري النفط على أسعار تفوق 100 دولار للبرميل، ووضعوا الميزانيات وفقا لذلك. وبالنسبة إلى كثيرين منهم، كانت الثمانية عشر شهرا المنقضية فترة من الاستنزاف البطيء. وفي ظل عدم وجود أفق لتوقف تهاوي الأسعار، يبدو أن مشاكلهم سائرة نحو التفاقم.

ومن المتوقع أن تكون روسيا أكثر بلدان الاتحاد السوفياتي السابق خسارة، حيث تشكل عائدات الطاقة أكثر من نصف الميزانية الحالية لروسيا.

وفي الوقت الذي تزداد فيه أسعار النفط تراجعا عن هذا المعيار، أحدثت موسكو صندوقين بقيمة 131.5 مليار دولار لتعويض التناقض بين الأسعار المقررة في الميزانية والأسعار الجديدة . لكن الهوامش ضيقة: قد تكون هناك حاجة إلى حوالي نصف المبلغ لتغطية العجز في ميزانية عام 2016، حتى لو ارتفع سعر النفط إلى 50 دولارا للبرميل.

ويحذر الخبراء الاقتصاديون من أن الروس يواجهون احتمال تفاقم الركود الاقتصادي في ظل توسع قائمة العقوبات الغربية على خلفية الأزمة الأوكرانية، وخاصة بعد التدخل العسكري في سوريا نهاية سبتمبر الماضي وغياب أيّ أفق لتوقفه.

ومن الطبيعي أن يلقي تراجع أسعار النفط بثقله على دول إقليمية منتجة للنفط على غرار الجزائر والعراق ودول الخليج العربي.

ونتيجة لذلك ستشهد الميزانيات الحكومية خلال العام 2016 صعوبات، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي أن السعودية ستحتاج إلى أن تكون أسعار النفط في حدود 98.3 دولارا للبرميل، وأن البحرين بحاجة إلى 89.8 دولارا للبرميل وسلطنة عمان إلى 96.8 دولارا للبرميل.

ومع ذلك، فإن دول مجلس التعاون الخليجي في وضع يمكنّها من تجاوز انخفاض الأسعار، لأن لديها مستويات منخفضة من الديون والاحتياطيات المالية العالية المبنية منذ سنوات من عائدات ارتفاع أسعار النفط.

من جهته، يعتمد الاقتصاد الجزائري إلى حد كبير على الغاز الطبيعي، وانخفضت الاحتياطيات الأجنبية بشكل حاد في عام 2015، بسبب انخفاض عائدات تصدير النفط، مما أدى إلى عجز بقيمة 10.8 مليار دولار.

وسعت الجزائر إلى تعزيز الاستثمار الأجنبي من خلال الإصلاح الضريبي وقبول تراخيص الاستيراد والتصدير. لكن البلد يتجه نحو لحظة سياسية غير مستقرة في ظل الحالة الصحية للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

وستضطر الجزائر إلى تسريح أكثر من مليون موظف في المؤسسات العامة، وإلغاء مشاريع ذات صبغة اجتماعية مثل مشاريع الإسكان والطرقات التي أقرتها في 2011 لتجنب احتجاجات “الربيع العربي”.

وفي العراق، تشهد كل من بغداد والعاصمة الكردية أربيل ورطة مالية خطيرة. وتحتاج الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان إلى الحفاظ على مستويات عالية من الإنفاق لتمويل معركتهما ضد الدولة الإسلامية مع تراجع عائدات النفط، وهذا يعني أنهما في حاجة إلى تقليل النفقات الأخرى.

بالمقابل تزيد الضغوط على إيران التي أصبحت غير قادرة على الملاءمة بين دورها الإقليمي وبين إنقاذ اقتصادها المنهك بسبب مخلفات العقوبات الدولية.

وكانت طهران تعوّل على زيادة إنتاجها النفطي بعد إنهاء الحصار الغربي، لكن تهاوي الأسعار أفشل رهانها على التعافي من الأزمة، خاصة أن زيادة الإنتاج الإيراني قد تساعد سعر النفط على النزول إلى مستوى أكبر مما هو عليه الآن.

في المقابل، يشكل الانخفاض في أسعار النفط نعمة لأوروبا، لأن معظم البلدان مستهلكة للنفط. لكن على المدى الطويل، يمكن أن يسبب انخفاض الأسعار مشاكل في جميع أنحاء القارة. لأن الفهم الخاطئ بأن تراجع الأسعار يؤدي إلى انتعاش، يمكن أن يلعب دورا هاما وخاصة في جنوب أوروبا، حيث بدأت الحكومات في إبطاء جهود الإصلاح.

1