تهاوي أسعار النفط يضاعف الضغوط على مصطفى الكاظمي

تراكم الخسائر في عائدات الدولة يحد من قدرة العراق على مواجهة داعش في ظل تداعيات اقتصاديات كبيرة.
الأحد 2020/05/17
الكاظمي أمام تحدي استرضاء الشارع

من المتوقع حدوث انفجار مبكر للاحتجاجات الشعبية في وجه رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي، الذي لا يمتلك بيده الكثير من الأوراق في ظل ضغوط وباء كورونا وتهاوي أسعار النفط التي تهدد قدرات البلاد على مواجهة تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية، وخاصة مواجهة داعش، في وقت ينتظر أن تستمر فيه الأحزاب الطائفية في ابتزازه لتحصيل مكاسب خاصة بها أو بحليفتها إيران.

بغداد - يعتبر تشكيل حكومة عراقية جديدة، بقيادة رئيس جهاز المخابرات السابق مصطفى الكاظمي بعد أشهر من الاضطراب السياسي، إنجازا، إلا أن رئيس الوزراء الجديد مقبل على مهمة جسيمة في ظل التداعيات الاقتصادية الكبيرة التي خلفها وباء كورونا على البلاد والأزمة النفطية التي تهدد عائدات العراق.

لكن، وبغض النظر عن مدى تماسك إدارة الكاظمي، سيصعّب الوضع الاقتصادي العراقي المتدهور الذي تفاقم بسبب الأزمة الصحية وصدمات سوق النفط الناتجة عنها الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ويخلق تحديات أمام إدارة الأمن المحلي والخارجي.

ويكمن التحدي الأساسي الذي ستواجهه الحكومة الجديدة في سنة 2020 في إنقاذ الاقتصاد العراقي المنهك من الانهيار التام مع تفاقم الضغوط المالية التي يسلطها فايروس كوفيد – 19، وذلك حسب ما ذهبت إليه إميلي هوثورن محللة شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تقريرها على موقع ستراتفور الأميركي.

ويعتمد العراق على عائدات النفط والغاز، حيث تشكّل مبيعات النفط الخام 90 في المئة من الإيرادات الحكومية.

قبل ظهور كوفيد – 19، توقعت الحكومة بالفعل عجزا في الميزانية يبلغ حوالي 42 مليار دولار في 2020. وكان هذا الرقم يعتمد على أسعار خام برنت التي كانت تحوم حول 56 دولارا للبرميل. ولكن، ومع هبوط أسعار النفط إلى حوالي 30 دولارا للبرميل بسبب انخفاض الطلب عليه، يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد العراقي بنسبة 4.7 في المئة هذا العام، بينما يتوقع البنك الدولي انكماشا أكثر حدة بنسبة 9.7 في المئة. ومع ذلك، من المرجح أن تتجاوز الأزمة في العراق هذه التوقعات، حيث تستند إلى سيناريو متفائل من تفشي المرض.

وأفضل ما يمكن للحكومة أن تأمل في تحقيقه هو الحفاظ على الوضع كما هو لضمان عدم تأثير الاستقرار المالي المتدهور على الاستقرار الاجتماعي.

ويبقى التعافي السريع أمرا غير محتمل حيث تحرم صدمات أسعار النفط الناجمة عن الوباء بغداد من مصدر إيراداتها الأساسي وتكشف عن أوجه القصور الاقتصادي في البلاد.

لذلك، يتوقف نجاح حكومة الكاظمي على إبقاء الاقتصاد طافيا دون ارتفاع حاد في معدلات البطالة، والتضخم، أو انهيار احتياطي النقد الأجنبي، وتصاعد نسبة الفقر في البلاد.

Thumbnail

وستستجيب الحكومة العراقية لهذا الضغط الاقتصادي بإعادة إحياء المفاوضات الراكدة وخفض الأجزاء الحساسة سياسيا من الميزانية، مثل رواتب موظفي الدولة والقطاع العام.

ودفع انخفاض عائدات النفط الحكومة إلى التفكير في تخفيض أجور القطاع العام في العراق التي تضخمت على مدى السنوات العشرين الماضية وتشكل الآن حوالي ثلث نفقات الدولة. وتكلّف المدفوعات الإضافية المقدمة للعمال الذين يتقاضون رواتب 36 مليار دولار، وتضاعف هذا المبلغ 10 مرات خلال 15 سنة.

كما تحاول الحكومة حثّ إقليم كردستان العراق شبه المستقل على تسليم عائدات النفط في مناقشات الميزانية الجارية مع حكومة الإقليم. ومع تزايد رغبة بغداد وأربيل في الحصول على العائدات لموازنة ميزانياتهما غير المستقرة، يمكن أن تفتح الأزمة الصحية بابا للتسوية بين الاثنين.

كما أعطت الحكومة الجديدة الأولوية لمراجعة كيفية منح العراق تراخيص لشركات النفط الدولية من أجل زيادة حصة بغداد من المرابيح. وقدمت إدارة الكاظمي مشروعا جديدا لقانون شركة النفط الوطنية في البلاد، الذي يحدد شروط إنتاج الطاقة وتطويرها.

وفشلت الحكومات العراقية السابقة في حل هذه القضية التي ستناقش في البرلمان وخارجه. ولكن، وبما أن صادرات النفط تكاد تكون المصدر الوحيد للدخل العراقي، تبقى لبغداد مصلحة في مضاعفة ما تحصل عليه ضمن الاتفاقيات مع الأطراف الخارجية.

وفي وقت يسلب فيه انخفاض أسعار النفط بغداد من مصدر عائداتها الأساسي، سيتوقف نجاح الحكومة العراقية الجديدة على الحفاظ على استقرار البلاد الاقتصادي والسياسي والحد من تدهوره.

وستجبر الحركات الاحتجاجية الحكومة على تبني إصلاحات سياسية محدودة والحفاظ على شبكة الأمان الاقتصادي الأساسية في البلاد.

ودعا متظاهرون مناهضون للحكومة إلى إصلاح شامل يطال النظام السياسي العراقي، بما في ذلك تغيير قانون الانتخابات لتنظيم انتخابات مبكرة.

واندلعت الاحتجاجات نتيجة لجملة من المخاوف الاقتصادية ومطالب المواطنين العراقيين الشباب الذين يشكلون نسبة هائلة من السكان ( لا تتجاوز أعمار 60 في المئة من سكان البلاد 24 سنة).

من غير المحتمل أن تفرض الحكومة الجديدة إصلاحات شاملة، حيث تسعى كل مجموعة في النظام الطائفي إلى الحفاظ على حصتها في السلطة السياسية والاقتصادية

ومن غير المحتمل أن تفرض الحكومة الجديدة إصلاحات شاملة، حيث تسعى كل مجموعة في النظام الطائفي إلى الحفاظ على حصتها في السلطة السياسية والاقتصادية. وستزيد التحديات الاقتصادية المتزايدة التي يواجهها العراق من تقويض قدرة حكومته على منع عودة تنظيم الدولة الإسلامية في جميع أنحاء البلاد.

وأدت المخاوف من انتشار فايروس كورونا المستجد في صفوف القوات العسكرية العراقية والدولية إلى إلغاء التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم “داعش”، بعض الأنشطة في الأشهر الأخيرة أو تعليقها.

لكن الارتفاع الأخير في هجمات التنظيم في بغداد ومناطق أبعد يشير إلى أن الجماعة تمثل تحديا مستمرا للحكومة العراقية والاستقرار الشامل في البلاد.

ولأن أسعار النفط تبقى منخفضة، سيعيق تراكم الخسائر في عائدات الدولة في نهاية المطاف، قدرة العراق على تمويل قواته المسلحة وتجهيزها وتدريبها على مكافحة الإرهاب.

ويقول مراقبون إن أزمة التمويل ستحد من قدرات الكاظمي على التحرك في اتجاه التقليص من نفوذ الميليشيات الموالية لإيران، التي تستفيد من الفوضى وحالة عدم الاستقرار لفرض أجندة طهران التوسعية بالبلد، فضلا عن ضبط فوضى السلاح في البلاد وإخضاع الميليشيات المسلّحة لسلطة

الدولة. وقد اتضحت جدية الكاظمي في تحدي النفوذ الإيراني داخل العراق ولو بشكل أولي، من خلال إعادة الاعتبار للجنرال عبدالوهاب الساعدي وجعله قائدا لجهاز مكافحة الإرهاب، وهي خطوة تستهدف تقويض نفوذ الميليشيات وتحرير مؤسسات الدولة من هيمنتها.

وكان قرار إعادة الساعدي إلى الخدمة وترقيته ليتسلم قيادة أهم تشكيل عسكري نظامي ظهر في العراق بعد 2003، من بين الحزمة الأولى التي أطلقها الكاظمي عقب إنهائه الاجتماع الأول على رأس وزارته التي يبلغ عمرها يومين فحسب.

ومع ذلك يبقى نجاح الكاظمي في هذا الجانب مرهونا بخيارات بالغة الصعوبة تتضمّن محاسبة شخصيات نافذة من مسؤولين كبار في الدولة وقادة ميليشيات شيعية، وهو أمر غير واقعي بالنظر إلى ما تمتلكه تلك الشخصيات من نفوذ وسلطات قد تتجاوز سلطة رئيس الوزراء نفسه.

4