تهاوي قيمة الدينار يقوض بوادر نمو الاقتصاد التونسي

محنة صنّاع السياسات المالية في تونس تتفاقم بين مواجهة ارتفاع التضخم وغليان الأسعار وبين حماية النموّ الاقتصادي الهش، في محاولات شاقة للصمود.
الثلاثاء 2018/05/08
ضبابية مناخ الأعمال

تونس- حذر اقتصاديون من خطورة تداعيات تهاوي العملة التونسية على أوضاع البلاد، والتي ستؤثر بشكل أكبر على القدرة الشرائية للمواطنين، وستزيد من ضبابية مناخ الأعمال، الذي تعول عليه الحكومة لانعاش الاقتصاد.

وتعاني تونس من مشكلات اقتصادية مختلفة ارتفعت حدتها خلال العام الماضي، وتتمثل في ارتفاع عجز التجارة الخارجية بنسبة 23 بالمئة، وهبوط أسعار صرف الدينار مقابل الدولار واليورو بنسبة وصلت إلى حوالي 20 بالمئة.

وتجاوز سعر صرف اليورو أمس، حاجز الثلاثة دينارات في البنوك وذلك للمرة الثانية منذ بداية العام الحالي، حيث تجاوز الرقم السابق، ليبلغ 3.015 دينار، فيما ارتفع سعر صرف الدولار كذلك عن مستوياته السابقة هذا الأسبوع ليبلغ 2.52 دينار.

 

اتسع قلق الأوساط المالية التونسية من تراجع قيمة الدينار لمستويات قياسية أمام العملات الأجنبية، وتزايدت التحذيرات من الانعكاسات الخطيرة لهذا الانحدار، الذي يعكس خللا في التوازنات المالية، في ظل ارتفاع مستوى التضخم وشلل معظم محركات النمو

وقال متعاملون وتجار في تصريحات لـ”العرب” إن سعر صرف الدينار في السوق السوداء يتجاوز الأسعار الرسمية التي يحددها عادة البنك المركزي. وجاء تسجيل هذا التراجع بعد سويعات من إعلان النتائج الأولية للانتخابات البلدية، والتي كانت مخيبة للآمال، وفق المراقبين، بعد أن اكتسحت النهضة 297 دائرة من أصل 350 دائرة بلدية، وهو ما قد يقوض على ما يبدو بوادر نمو الاقتصاد التونسي المتعطش إلى النمو.

وقالت ليلى الهمامي، الخبيرة في مجموعة البنك الأفريقي للتنمية لـ”العرب” إن “الدينار فقد خلال أربع سنوات فقط نحو 49 بالمئة من قيمته، لكن ما يجعل وضع القيمة المحلية مختلفا قياسا بالدينار الجزائري والدرهم المغربي هو ضعفه الملحوظ منذ بداية هذا العام وسط اضطراب سياسي وأزمة اقتصادية غير مسبوقة”.

وأشارت الخبيرة المالية التونسية إلى أنّ التوقعات تزايدت بأن تونس تتجه نحو انخفاض حاد في قيمة العملة في الأشهر القادمة مع تآكل احتياطيات النقد الأجنبي بشكل سريع.

وتتفاقم محنة صنّاع السياسات المالية في تونس بين مواجهة ارتفاع التضخم وغليان الأسعار وبين حماية النموّ الاقتصادي الهش، في محاولات شاقة للصمود والابتعاد عن شبح الإفلاس غير المعلن، كما يؤكد محللون.

وقال الخبير الاقتصادي أنيس القاسمي في تصريح لـ”العرب” إن “تونس مجبرة على السير في طريق إصلاح نظامها المالي سريعا لتفادي الضغوط المسلطة عليها، وحتى يتسنى لها تطويق هذه الأزمة المزعجة تدريجيا”.

ليلى الهمامي: هناك ترجيحات بأن قيمة الدينار تتجه لانخفاض حاد في الأشهر المقبلة
ليلى الهمامي: هناك ترجيحات بأن قيمة الدينار تتجه لانخفاض حاد في الأشهر المقبلة

واعتبر أن خطوة اعتماد مكاتب صرافة رسمية، والتي ستتيح للسلطات معرفة تحركات الأموال التي تدور في السوق السوداء، غير كافية حتى الآن، وبالتالي فإن وضع استراتيجية بديلة أمر لا مفر منه حتى لا ينهار الدينار أكثر.

وضيعت السلطات على نفسها فرصة تطويق أزمة انهيار الدينار التي بدأت منذ العام 2011 وتسارعت في عهد الترويكا، رغم وجود قانون صادر في أغسطس 2014 يسمح بممارسة نشاط صرف العملة عن طريق فتح مكاتب صرافة رسمية.

وانعكس تراجع الدينار على أسعار الاستهلاك التي ارتفعت بشكل غير مسبوق بسبب زيادة تكاليف الإنتاج لدى المصانع المحلية، بالإضافة إلى زيادة الرسوم الجمركية على البضائع المستـوردة، وهو ما فاقم بشكل كبير من متاعب المـواطنين.

وارتفعت نسبة التضخم الشهر الماضي، لتبلغ مستوى جديدا عند نحو 7.7 بالمئة، بعد أن كانت في حدود 7.6 بالمئة في الشهر السابق، بحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء.

وسجلت الأسعار زيادات في عديد القطاعات منها الوقود وبطاقات شحن الهواتف المحمولة وغيرها من السلع الاستهلاكية الأخرى، منذ مطلع هذا العام، تنفيذا للإجراءات التي تضمنتها الموازنة.

وتتوقع مديرة استراتيجية السياسة النقدية بالبنك المركزي التونسي ريم القلصي، أن يبلغ متوسط التضخم السنوي حوالي 7.2 بالمئة بنهاية العام الجاري ليتراجع إلى حوالي 6 بالمئة أو أقل بقليل بنهاية العام المقبل. وتقول الحكومة إن تدابيريها الحمائية، والتي تسببت في زيادة أسعار السلع، تعتبر مهمة للحد من عجز الموازنة الذي بلغ نحو 6 بالمئة في العام الماضي.

وحمل أول ظهور لمحافظ البنك المركزي الجديد مراد العباسي في مارس الماضي، بعد توليه منصبه خلفا للشاذلي العياري، في طياته غيمة من التشاؤم بشأن اقتصاد البلاد المتعثر، في ظل استمرار تعطل محركات النمو الاستراتيجية، التي شتت تحركات الحكومة في تجسيد خطواتها الإصلاحية.

وقال أمام الصحافيين حينها إنه “لا يوجد أخطر من التضخم لأن مستواه المرتفع قد يضر بالاستثمار ونعلم أن القرار مؤلم لكنه ضروري”. وحتى الآن، لا تستهدف السياسة النقدية لتونس تخفيضا في قيمة العملة المحلية، كما أن الحكومة نفت مرارا نيتها تعويم الدينار مع أن المسألة لا تزال تثير جدلا واسعا في الأوساط الاقتصادية.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن عجز ميزان المعاملات الجارية والمتمثلة في تصدير السلع والخدمات ومداخيل الاستثمارات والسياحة وتحويلات المغتربين، بلغ للمرة الأولى في تاريخ تونس نحو 10 بالمئة.

سعر صرف العملة التونسية 1 يورو يساوي 3.015 دينار، 1 دولار يساوي 2.52 دينار
سعر صرف العملة التونسية 1 يورو يساوي 3.015 دينار، 1 دولار يساوي 2.52 دينار

ويبدو أن معاناة تونس لن تنتهي قريبا لا سيما مع تواصل الاقتراض الخارجي ومع الضغوط التي يمارسها صندوق النقد الدولي عليها لإصلاح اقتصادها المنهك من أجل الحصول على القسط المتبقي من قرض بقيمة 2.9 مليار دولار.

ويعتبر خفض قيمة الدينار، إصلاحا تعهدت به تونس للصندوق، وهو إجراء يقول اقتصاديون إن من شأنه أن يساهم في رفع مستـوى الصـادرات وخفـض الـواردات، بهدف تقليص العجز التجاري الكبير، الذي استنزف الاحتياطات النقدية للبلاد.

وتشير التقديرات إلى أن السوق السوداء تستحوذ على 50 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لتونس، وهي تستنزف أكثر من 600 مليون دولار سنويا من خزينة الدولة، ما يعتبر أحد أهم العراقيل التي تعيق النمو الاقتصادي.

ويشكل إدماج القطاع الموازي في الدورة الاقتصادية الرسمية أحد أبرز مطالب النقابات في البلاد، وفي مقدمتها الاتحاد التونسي للتجارة والصناعة والصناعات التقليدية (يوتيكا) من أجل وضع قدم للخروج من نفق الأزمة المزمنة.

10