تهدئة أميركية في قضية خاشقجي بانتظار نتائج التحقيقات

الحرب الإعلامية على السعودية يتم تحويلها إلى حرب اقتصادية من خلال تضخيم التفاصيل.
الثلاثاء 2018/10/16
ترقب نتائج التحقيق

لندن - صبت كلمات العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب مياها باردة على تصعيد إعلامي واقتصادي غير مسبوق يحاول النيل من المملكة العربية السعودية إثر اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

وبدأت جهود السعودية تؤتي ثمارها في مواجهة حرب تشنها وسائل إعلام إقليمية ودولية ومعارك علاقات عامة ضارية، تحولت مع الوقت إلى حرب اقتصادية شعواء على السعودية.

وشكلت لهجة ترامب تراجعا في موقفه لأول مرة، منذ اختفاء خاشقجي في 2 أكتوبر الجاري، إذ أكد، الاثنين، أن “عناصر غير منضبطين” قد يكونون وراء مقتل خاشقجي.

ونفى العاهل السعودي، خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الأميركي، أن يكون على علم بمصير الصحافي السعودي، الذي أثار اختفاؤه تكهنات تم توظيفها في محاولة استهداف شخصيات ومؤسسات سعودية نافذة. وأكد الملك سلمان بن عبدالعزيز أنه سينتظر نتائج التحقيقات، التي يقوم بها فريق سعودي بالاشتراك مع محققين أتراك، سمح لهم لأول مرة، الاثنين، بالدخول لتفتيش مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول.

وقال ترامب في تصريح من حدائق البيت الأبيض “لقد نفى الملك (سلمان) بشكل حازم أن يكون على علم بأي شيء (…) لا أريد التكهن بمكانه (خاشقجي)، إلا أنه بدا لي أن الأمر قد يكون حصل على أيدي عناصر غير منضبطين. من يعلم؟”.

روب ديفيز: السعودية تتمتع بموقف ممتاز من الناحية الجيوسياسية
روب ديفيز: السعودية تتمتع بموقف ممتاز من الناحية الجيوسياسية

وأكد ترامب أنه سيرسل وزير خارجيته مايك بومبيو للقاء العاهل السعودي على الفور.

وأمر الملك سلمان بن عبدالعزيز النائب العام السعودي بفتح تحقيق داخلي في اختفاء خاشقجي.

وقال مسؤول سعودي، لم يذكر اسمه، لوكالة رويترز إن “الملك أمر النائب العام بفتح تحقيق داخلي في اختفاء جمال خاشقجي، بناء على المعلومات التي توصل إليها الفريق المشترك في إسطنبول”.

وعلى ما يبدو، فإن وسائل إعلام ومؤسسات تضغط من أجل إلغاء مشاركة شخصيات ورؤساء شركات كبرى ومسؤولين غربيين في مؤتمر مبادرة الاستثمار، المعروف باسم “دافوس في الصحراء”، والمقرر عقده في الرياض.

وقالت رويترز إن إلغاء جيمي ديمون الرئيس التنفيذي لشركة جيه.بي مورجان تشيس وبيل فورد رئيس فورد موتور خطط حضور المؤتمر هذا الشهر، سيؤدي إلى زيادة الضغط على شركات أميركية أخرى مثل غولدمان ساكس وماستر كارد وبنك أوف أميركا لإعادة النظر في خططها لحضور المؤتمر، رغم أن هذه الشركات لم تعلن بعد انسحابها من المؤتمر.

كما سلطت وكالات أنباء ووسائل إعلام أخرى الضوء على تراجع ضئيل في سعر الريال السعودي، وقالت إنه يشهد تراجعا كبيرا.

وبلغ السعر المعروض للريال السعودي 3.7514 للدولار الأميركي في السوق الفورية خلال المعاملات المبكرة الاثنين. وقالت رويترز إن ذلك هو أضعف مستوى للريال منذ يونيو 2017 على وقع “ضغوط على المملكة بسبب قضية اختفاء الصحافي جمال خاشقجي”.

وسلطت رويترز أيضا الضوء على ارتفاع تكلفة التأمين على الدين السيادي السعودي، وقالت إنه وصل إلى أعلى مستوى في 11 شهرا الاثنين. كما نسبت أيضا إلى مصدرين تركيين مجهولين قولهما إن “الشرطة التركية لديها تسجيل صوتي يشير إلى أن خاشقجي قتل في القنصلية السعودية”.

وتركز وسائل الإعلام كثيرا على تفكيك الكثير من تفاصيل تداعيات اختفاء خاشقجي وتضخيمها وتكرارها، كما تقدم تغطيات متقطعة تهدف إلى ترك انطباع بأن السعودية تعاني من عزلة اقتصادية وسياسية متنامية على الساحة الدولية.

ويقول دبلوماسيون إنه على المستوى الرسمي ثمة قناعة راسخة في الغرب بأن السعودية ما زالت خارج نطاق المأزق، وأنها لم تضطر بعد إلى الرد عبر اتخاذ إجراءات دفاعية لتحصين اقتصادها بشكل خاص. وإذا حدث ذلك، فمن الممكن أن تتأثر الولايات المتحدة وأوروبا بشكل سريع وفعال، خصوصا إذا ما شهدت أسعار النفط ارتفاعا مفاجئا عن المعدل الحالي الذي يتجاوز 81 دولارا للبرميل.

واعتبر الكاتب روب ديفيز أن السعودية تتمتع بموقف ممتاز من الناحية الجيوسياسية والاقتصادية، وهو ما يعطيها دورا قويا وفعالا في حال ازدادت حدة التوتر بينها وبين الولايات المتحدة والغرب، لا سيما بعد التهديد بفرض عقوبات.

ولا يريد ترامب خسارة 110 مليارات دولار في صورة صفقات أسلحة أبرمتها واشنطن مع الرياض. واشترت السعودية العام الماضي ما مقداره 17.5 مليار دولار من الأسلحة، وهو ما جعلها أكبر مشتر للأسلحة الأميركية على الإطلاق. وتمثل هذه الصفقات 61 بالمئة من إجمالي مشتريات الأسلحة السعودية.

ترامب لا يريد خسارة 110 مليارات دولار صفقات أسلحة أبرمتها واشنطن مع الرياض
ترامب لا يريد خسارة 110 مليارات دولار صفقات أسلحة أبرمتها واشنطن مع الرياض

وقال سيث فرانتزمان، المدير التنفيذي لمركز الشرق الأوسط للتحليل، إن “أهمية المملكة بالنسبة للاستراتيجية الأميركية في منطقة الخليج، خصوصا باعتبارها قوة الارتكاز في مواجهة إيران، منحتها الكثير من النفوذ”.

وأضاف “السعودية جزء من تحالف يضم الولايات المتحدة والإمارات أيضا، والإدارة الأميركية الحالية تتبنى سياسة عنيفة تجاه إيران، لذلك فإن واشنطن مدينة للرياض أكثر من السنوات السابقة”.

ويبدو أن هناك انفصالا في فهم الثقل الاستراتيجي للسعودية بين الطبقات الحاكمة في العالم، وبين مكونات المجتمع المدني والاقتصادي، التي تخضع لضغوط كبيرة لإجبارها على اتخاذ مواقف معادية للسعودية.

ورغم اختفاء خاشقجي على أراض تركية، أدرك الرئيس رجب طيب أردوغان أن القبول بالتعاون مع السعودية في التحقيقات القضائية يمثل فرصة يمكن استغلالها لتعزيز العلاقات مع الرياض، متجاوزا الاختلافات في الأجندات الإقليمية.

ومنذ اتصال الملك سلمان بن عبدالعزيز به، تبنت الحكومة التركية لهجة هادئة في التعامل مع القضية. وأشاد أردوغان في بيان بالعلاقات بين الدولتين، وأشار إلى سعي أنقرة لتعزيزها.

1