تهدئة تصنع ضجيجا في فلسطين

وسائل الإعلام الإسرائيلية تركز على وضع المناطق الفلسطينية بعد غياب محمود  عباس، وتتحدث عن التنافر داخل المجموعة التي حوله، وأن هناك صراعا على السلطة، سوف ينفجر، في حال مغادرة رئيس السلطة موقعه لأي سبب.
الأربعاء 2018/08/29
من يخلف عباس

كان الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، كُلما سُئل من قِبل مُقرّب له عن سبب الزج بنفسه في متاهة “اتفاق أوسلو” بغموضه وألغازه، يرد من فوره قائلاً “وماذا أفعل.. حليفنا الدولي انهار، وحليفنا العربي هزم نفسه” وكان بالطبع، يتحدث عن قوتين وازنتين، على المستويين الدولي والعربي، ويقصد الاتحاد السوفييتي والعراق. وفي إشارته للعراق، كان يلمّح إلى أن السياسات الداخلية والخارجية الخاطئة، هي التي جلبت الغزاة فأطاحوا بالحكم وأحالوا البلد إلى الفوضى التي كانت فيه، وقت السؤال والجواب!

في هذه الأيام، تركز وسائل الإعلام الإسرائيلية، على وضع المناطق الفلسطينية بعد غياب عباس، وتتحدث عن التنافر داخل المجموعة التي حوله، وأن هناك صراعاً على السلطة، سوف ينفجر، في حال مغادرة رئيس السلطة موقعه لأي سبب. ففي يوم واحد، نشرت ثلاثة مواقع إعلامية إسرائيلية، تقارير عن سباق تسلّح بين عناصر طامحة إلى خلافة رئيس السلطة محمود عباس، وهذه العناصر، من أعضاء مركزية فتح التي أفرزها أو جدّد لها المؤتمر الذي سمّاه عباس سابعاً وعاماً للحركة. وكالعادة، أنكر بعض المعنيين صحة التقارير الإسرائيلية، على الرغم من كون ما جاء فيها مطروقاً في الشارع الفلسطيني، وليس هناك، في طبائع العمل السياسي الفلسطيني ما يدحضها، لخلو هذا العمل من سمات التحلي بروح الفريق الواحد والتكامل، وذلك في مرحلة من أعقد وأصعب مراحل القضية الفلسطينية وما يتهددها من المخاطر. وعلل المنكرون، التقارير باللغة المستهلكة نفسها، وقالوا إن جهات “موتورة” تقف وراء ما جاء فيها، لإحداث “بلبلة”، وإلا لما كان فحوى هذه التقارير يتطابق، ولما كان النشر يتزامن!

يمكن القول إن التعليل يستند إلى استخلاص منطقي، إذا ما أخذنا الأمر على أساس حقيقة لا مراء فيها، وهي أن الاحتلال صانع فتن، وأن الصهيونية، كما البريطانيين من قبلها، اعتمدوا “سياسة فرّق تسُد”.

لكن الأخطر والأفدح، أن من يريدون تطبيق سياسة “فَرّق تسُد” ليسوا في حاجة إلى إيقاع الفتنة لكي يحل التفريق. فالساحة الفلسطينية منقسمة، وشواهد البغضاء ماثلة، والتهاجي على أشده، والنُخب السياسية تلعب دوراً جوهرياً في عملية إلحاق الهزيمة بنفسها. بل إنها جعلت المقترحات لإبرام اتفاق تهدئة، سبباً في علوّ الضجيج، وعند التدقيق في مضامين التقارير الإعلامية الإسرائيلية، ومحاولة الإجابة عن أسئلة عدة، يتوصل المواطن الفلسطيني البسيط، إلى استنتاج بأن الإعلام الإسرائيلي لا يخترع، ولا يبني مادته الإعلامية على لا شيء. فمن يراقب أو يلقي نظرة على النظام الفلسطيني، يعرف أن الأمور تسير في الاتجاه الخطأ، وليس هناك ما يجعل الناس يكذّبون التقارير الإسرائيلية، بسبب فقدان الفلسطينيين للنظام الرصين الذي يجعل مثل هذه التقارير محض دسائس وضرباً من الجنون!

لا يختلف اثنان، على أن خلافة عباس لن يحسمها الفلسطينيون بحكم غياب المحددات الدستورية والقانونية القائمة على التمكين للإرادة الشعبية. فقد بات النظام الفلسطيني يتعلّق بشخص واحد، أمسك بكل الخيوط في يده، ولم يُعن حتى بتحقيق نوع من التناغم بين أقرب الموالين له. وكان الأجدر، بدل الإنكار والنفي، أن يستعرض المعنيون أسباباً موضوعية لهذا التكذيب، وأن يؤكدوا على أن الشعب الفلسطيني، لن يقبل زعامة تتمخّض عن صراعات بين طامحين أو يفرضها الآخرون. واليوم، ما أن بدأ الحديث عن اتفاق تهدئة، حتى اندلع التراشق، وكل طرف يتهم الآخر، بالتساوق مع “صفقة قرن” لا زال أصحابها يتحرجون من طرحها.

لن يختلف اثنان على أن خلافة محمود عباس لن يحسمها الفلسطينيون بحكم غياب المحددات الدستورية والقانونية القائمة على التمكين للإدارة الشعبية فقد بات النظام الفلسطيني يقوم على منطق الشخص الواحد الذي أمسك بكل الخيوط في يده

حركة حماس، على ضآلة علمها بالسياسة، لم تتعرض لمثل هذه التقارير الإسرائيلية عن خلافة مُرشد أو رئيس مكتب سياسي، رغم أنها الأجدر لدى إسرائيل بالدسيسة. والسبب بسيط يتلخص في ملاط الأيديولوجيا والتنظيم المُحكم، الذي يضبط الطامحين وما أكثرهم. وهي حركة، شبيهة خلفيتها الحزبية، طامحة للاستحواذ على أي حُكم، وفي يدها سلاح يزعج إسرائيل، لكنها هي التي تفرز قيادتها، دون أن يتسلح الطامحون فيها، استعدادا لموجهة بعضهم بعضا!

الشواهد على الحقيقة الموضوعية، تدل على أن إعلام إسرائيل لم يكذب في هذا الشأن ولكنه اجتزأ، والاجتزاء يتعمّد التعمية على خلفيات دوافع من يتسلحون لخوض معركة الوراثة، وهذا هو الأخطر والأشد مرارة على النفس الفلسطينية.

هناك طامحون إلى خلافة عباس، وهؤلاء، شاؤوا أم أبوا، ترنو عين كل منهم على اللاعب الإسرائيلي المسيطر على الأرض، لأن كل واحد منهم، يعرف أن حُلم الزعامة ميؤوسٌ من تحققه، إن كان هذا اللاعب رافضاً. ونتحاشى هنا، اتهام أي طامح بالغنيمة الشائكة، بأنه لم يحلم إلا بعد أن حصل من إسرائيل، على تطمينات بأن طريقه سالكة. فما يهمنا الآن، هو كشف ألاعيب هذا الاحتلال، الذي يوحي لهذا وذاك بأن الطريق سالكة، لكي تتحضر الجماعات لبعضها البعض، ثم تكون تسوية الفتنة؛ بإحالة الجميع إلى معلّم أو وكيل حصري، يؤدي وظيفة الخيط الذي يجمع حبات المسبحة، على قاعدة تضييع المشروع الوطني الفلسطيني وتضييع الأرض، وتحويل المناطق إلى جُزرٍ متباعدة نفسياً، يتحصل وجهاؤها الطامحون على بطاقات المرور السلس بينها ومنها وإليها!

ليت هؤلاء الذين يحلمون، يطلبون من “مؤسسة الدراسات الفلسطينية” في بيروت، وهي مستقلة، كتاب د. عادل مناع، عن تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني، لكي يدرسوا تاريخ الفتن ويأخذوا العبر. فهذا الكتاب يعود بنا إلى يوميات الحياة الفلسطينية قبل وبعد ثورة 1834 ضد حكم إبراهيم باشا في بلاد الشام، ويستند في كل فقرة إلى الوثائق وإلى ما دوّنه المؤرخون، وكان من بينهم مؤرخون لعموم “جبال فلسطين الوسطى” حسب تعبيره، ومن بينهم مؤرخون لنابلس والخليل وغيرهما.

باختصار، إن ما أصبحت عليه الحال الفلسطينية، هو وضعية اللا تشكُّل الكياني والسياسي التي تنشأ عادة بجريرة الدكتاتوريات والاحتلالات، وبخاصة عندما تظن، أن لا حل لتبرم الشعب، إلا بالقبضة الحديدية. فالدكتاتور يتعمد، أن يرتب لغيابه، بمراكمة الأسباب التي تجعل الشعب يتباكى على أيامه “الجميلة”!

9