تهديدات إيران "الفرزدقية"

التهديدات العمياء الصماء التي تخرج بين الفينة والأخرى من كبار قادة النظام الإيراني للدول الداعمة لمكافحة الإرهاب والتطرف، والمتصدية للمشروع الإيراني التوسعي... لن تمس أبدا صورة هذه الدول.
الاثنين 2019/02/18
تهديدات "فارغة"

إن البيئة الجاهلية التي تسيطر على عقول قادة النظام الإيراني، ولاسيما المتشدّدين منهم، جعلتهم يتخبّطون يمنة ويسرة في سلوكهم وتصريحاتهم، ويطلقون العنان لألسنتهم في التنطع بما لا يليق بقادة دولة، وإطلاق التهديدات التي تفوق حجمهم ماديا ومعنويا، في محاولة يائسة منهم للهروب من مأزق فشلهم في إدارة البلاد وحماية الشعوب، وحرف الرأي العام عن الأسباب الحقيقية وراء تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، بعد أن فقد النظام شرعيته وشعبيته، وتحول “حرسه الثوري” إلى العدو الرئيسي للشعوب الإيرانية وشعوب المنطقة والعالم أجمع، بفعل أنشطته الإرهابية والتخريبية في الإقليم، واضطهاده الممنهج للشعوب الإيرانية في الداخل.

جملة من “التهديدات الفارغة” أطلقها قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري خلال مراسم تشييع قتلى العملية المسلحة التي استهدفت عناصر قوات الحرس الثوري في زاهدان في سيستان وبلوشستان، حيث قال جعفري إن إيران ستثأر من المملكة العربية السعودية ومن دولة الإمارات العربية المتحدة، بسبب دعمهما للجماعات الإرهابية، مشددا أن على باكستان أيضا أن تدفع ثمن دعمها للأجهزة الاستخبارية المعادية لإيران حسب وصفه، وقال جعفري “إن السعودية والإمارات وأجهزتهما الاستخبارية والأمنية كانت تخطط لعمليات انتحارية في إيران، وقد تم التصدي لها، وعلى باكستان أن تعلم أن عليها دفع ثمن دعمها للأجهزة الاستخبارية المعادية”، وقال أيضا “سنثأر من السعودية والإمارات لدماء شهدائنا، وعليهما أن يعلما أن صبر إيران قد نفد”.

خلال كلمته اعترف محمد علي جعفري بأن إيران تخطط للقيام بإجراءات وأنشطة انتقامية إرهابية تستهدف أمن واستقرار المنطقة تحت غطاء الانتقام من الجماعات الإرهابية والمعادية لإيران.

وأضاف أنه على الحكومة الباكستانية أن تتحمل المسؤولية تجاه الجريمة الإرهابية الأخيرة، متهما صراحة السعودية والإمارات وعدد من الدول الأخرى بالعمل على زعزعة أمن إيران واستقرارها، في حين أن “جيش العدل”، وهو منظمة وجماعة معارضة سنية في إقليم سيستان وبلوتشستان في إيران، قد أعلن مسؤوليته القيام بهذه العملية التي استهدفت جنودا من قوات الحرس الثوري، وهي ليست المرة الأولى التي تنفذ فيها هذه الجماعة المعارضة وغيرها من الجماعات الإيرانية الرافضة لحكم الولي الفقيه، هجومات مسلّحة ضد قوات الحرس الثوري، بل إن البلاد شهدت في الفترة الأخيرة احتجاجات ومظاهرات شعبية واسعة في أكثر من مئة مدينة إيرانية، ووقعت العديد من الاشتباكات المسلحة بين جماعات وتنظيمات إيرانية يعتبرها النظام جماعات إرهابية، وبين قوات من الحرس الثوري، راح ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى.

إضافة إلى السعودية والإمارات وباكستان ودول وأجهزة أمنية إقليمية وعالمية لم يسمها، اتهم أيضا جعفري الولايات المتحدة وحلفاءها في لعب دور في مثل هذه العمليات، ليكرر بذلك، كما هو معتاد، نظرية المؤامرة الكونية على إيران، والتي تهدف إلى خداع الشعوب الإيرانية والرأي العام المحلي بوجود أعداء يتربصون الشر بإيران حكومة وشعبا، ما يستوجب التفاف الشعوب الإيرانية حول النظام والحرس الثوري، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الحاكم والمحكوم لدرجة لم يسبق لها مثيل في عمر النظام.

هذه التهديدات تعتبر انتهاكا صارخا للقوانين الدولية واعترافا بالإرهاب الإيراني، وعدم التزام طهران بالمواثيق الدولية وأعراف وقوانين حسن الجوار، وخاصة أنها ليست المرة الأولى التي تطلق فيها طهران تهديداتها التي تفوق حجمها إلى دول الجوار

المؤكد أنه من ضمن أهداف مثل هذه التهديدات علاوة على الاستهلاك المحلي، محاولة شرعنة أنشطة إيران الإرهابية في المنطقة، ومحاولة صياغة نمط قانوني لتدخلاتها في شؤون الدول الأخرى.

وتكشف هذه التهديدات عن وجود نوايا ومخططات إيرانية مسبقة وحالية لتنفيذ هجمات إرهابية تستهدف مصالح المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في بعض دول المنطقة التي تنتشر فيها جماعات إرهابية تأتمر بأمر الحرس الثوري.

إن هذه التهديدات، وإن كانت فارغة ولا قيمة لها، لما تتمتع به دولة الإمارات والسعودية من ثقة عالية بكفاءة قواتهما العسكرية والأمنية، إلا أنها عبارة عن خطوط عريضة تنذر بتوسيع إيران لأنشطتها الإرهابية في دول مثل اليمن وسوريا والعراق وباكستان وأفغانستان، على غرار الهجوم الإرهابي الذي تعرض له وفد دبلوماسي إماراتي في مدينة قندهار أثناء مشاركته في تدشين مشروعات خيرية إماراتية للشعب الأفغاني في يناير من العام 2017، وأسفر الهجوم عن استشهاد 6 دبلوماسيين إماراتيين، أو تكرار استهداف المباني الدبلوماسية للسعودية والإمارات وباكستان في بعض الدول، كما حدث في إيران نفسها حين تم الاعتداء على البعثات الدبلوماسية السعودية في العاصمة الإيرانية طهران ومدينة مشهد في 2 يناير عام 2016، بتواطؤ حكومي وتخطيط من قبل الحرس الثوري.

الهدف الآخر، يتمثل في أن إيران بإطلاق مثل هذه الاتهامات الباطلة والتهديدات الفارغة، تسعى إلى محاولة تخريب صورة الدول التي تتصدى للمشروع الإيراني التوسعي في المنطقة، وعلى رأسها السعودية والإمارات، وهو أسلوب يكشف عن مدى تخبّط طهران وتضييق الخناق عليها داخليّا وخارجيّا، إضافة إلى سعيها إلى خلق المزيد من الارتباك والتوتر في المنطقة التي بدأت تتجه إلى الاستقرار بعد تشديد العقوبات على طهران ومقاطعة الدوحة.

وتعتبر هذه التهديدات انتهاكا صارخا للقوانين الدولية، واعترافا بإرهابية السلوك الإيراني، ودليلا على عدم التزام طهران بالمواثيق الدولية وأعراف وقوانين حسن الجوار، وخاصة أنها ليست المرة الأولى التي تطلق فيها طهران تهديداتها الفارغة التي تفوق حجمها إلى دول الجوار، بل أصبحت عبارة عن نهج يستخدمه قادة النظام الإيراني للاستهلاك المحلي، ولمحاصرة شعبية ومصداقية الدول الخليجية، وخاصة الإمارات والسعودية، بين الشعوب الإيرانية التي ترى مثل هذه الدول نماذج للتطور والتقدّم، و تتطلع إلى الاقتداء به، ولعل ذلك هو أكثر ما يقلق النظام الإيراني.

إن هذه التهديدات العمياء الصماء التي تخرج بين الفينة والأخرى من كبار قادة النظام الإيراني للدول الداعمة لمكافحة الإرهاب والتطرف، والمتصدية للمشروع الإيراني التوسعي، وعلى رأسها الإمارات والسعودية، لن تمس أبدا صورة هذه الدول ومكانتها الزاهية بين الشعوب، ومركزها المرموق في المجتمع الدولي، ولن يستطيع النظام الإيراني أن يغطي بها أنشطته الإرهابية، بل إنها تعتبر أدلة دامغة على فكره المتطرّف ونواياه السوداء، ولا قيمة ولا أهمية لها سوى أنها تذكّرنا ببيت الشعر الذي قاله جرير بن عطية للفرزدق:

“زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا….. أبشر بطول سلامة يا مربع”.

9