تهديدات سوء الاستخدام تترصد الطائرات دون طيار

تتجاذب التطور التكنولوجي الكبير لتصنيع طائرات دون طيار العديد من الأطراف؛ بعضها يحاول الاستفادة من هذه التقنية في العديد من الأمور الحياتية اليومية للبشر، والبعض الآخر يعمل على ابتكار أجهزة حماية لهذه الطائرات للحد من تهديدات سوء استخدامها.
الاثنين 2018/02/05
مخاوف رغم الانبهار

لندن - ساهم التطور المستمر لطائرات دون طيار في طرح الكثير من التساؤلات حول مستقبل هذه التكنولوجيا في حياة البشر اليومية، ومحاولة توجيه استخداماتها إلى أغراض مفيدة وإيجاد حلول جذرية لتلافي الاستعمالات السلبية لهذه التقنية.

وبدأت فكرة تطوير جهاز يعمل على تتبع الطائرات دون طيار، عند سقوط جسم من أعلى في نهاية الحملة الانتخابية الألمانية لعام 2013، حيث كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وشخصيات بارزة من حزبها يعتلون منصة في سوق عام في مدينة دريسدن، عندما مرت فوق رؤوسهم طائرة دون طيار.

وانخفضت الطائرة فجأة وتحطمت على الأرض على بعد بضعة أمتار أمام ميركل، التي بدا عليها بشكل واضح الانبساط من هذه الواقعة الغريبة.

وأعلن حزب القراصنة، الذي تعتبر حماية البيانات والخصوصية بالنسبة له من القيم الأساسية، مسؤوليته عن الواقعة، حيث قال مسؤولوه إنهم كانوا يرغبون في أن تجرب ميركل بنفسها كيف من الممكن أن يتم التجسس عليها بطائرة دون طيار.

طائرات ذكية أظهرت قدرة على تشجير الغابات بزراعة 100 ألف شجرة يوميا، بكفاءة أعلى من البشر

ورأى اثنان من صغار رجال الأعمال على الفور أن هناك خللا في سوق الطائرات دون طيار، إذ طرح إنجو زيباخ ويورغ لامبريشت سؤالا: ماذا لو كانت الطائرة دون طيار تحمل متفجرات بدلا من الكاميرا؟

وقاما بعد بضعة أشهر بتأسيس شركتهما التي تحمل اسم ديدرون، في مدينة كاسيل بوسط البلاد، حيث عملا على تسويق جهاز يعمل على تتبع الطائرات دون طيار، درون تراكر، الذي يحدد ويتتبع الأجسام الطائرة.

وتستخدم تقنية ديدرون مزيجا من أجهزة الاستشعار المختلفة للتجسس على الطائرات القادمة دون طيار، مستخدمة في ذلك على سبيل المثال معدات الرادار والميكروفونات والكاميرات وأجهزة كشف الترددات اللاسلكية. وفي حال تم تحديد جسم على أنه طائرة دون طيار، يتم تشغيل جهاز إنذار، وذلك بناء على بنك البيانات.

رصد الخطر

يظهر نظام الشركة “التهديدات الحية ومسارات الطيران للطائرات دون طيار في وقت تحركها الفعلي، وتسجيلا للتفاصيل المادية العلمية عبر تصوير الفيديو”، وفقا لموقع الشركة على الإنترنت. ولطالما صارت الحماية ضد الطائرات دون طيار، منذ ظهورها، مطلوبة في السوق.

وقال كريستيان غيغر، وهو من مستشاري شركة إي إس جي لتكنولوجيا المعلومات والتي يقع مقرها بالقرب من ميونيخ، إن السوق ينمو بسرعة.

وتقدر شركة دي. إف. إس، المملوكة للدولة والتي تعمل على إدارة مراقبة الحركة الجوية في ألمانيا، عدد الطائرات دون طيار التي استخدمت العام الماضي للأغراض الخاصة والتجارية، بحوالي 600 ألف. وتعتقد الشركة أن هذا العدد قد يتضاعف بحلول عام 2020، مع انخفاض الأسعار وإتاحة التكنولوجيا على نطاق أوسع.

ويعني الازدهار ازدياد احتمالات سوء الاستخدام، وحتى التهديدات الخطيرة، ومن السيناريوهات المحتملة أن تهبط الطائرات دون طيار بأعداد متزايدة داخل السجون منذ بضع سنوات، حاملة الهواتف المحمولة والمخدرات وحتى الأسلحة.

كما تحمل الأجهزة المحمولة جوا المخدرات عبر الحدود الوطنية. ويقول الطيارون في أنحاء العالم إنه من المحتمل أن يكون وجود هذه الطائرات خطيرا بالقرب من المطارات القريبة، وتعرض الجيش لمشاكل مع الأجسام الطائرة دون طيار عندما يكون في مهمات بالخارج.

وقد طلبت مؤخرا شركة صناعة السيارات الألمانية فولكسفاغن، شراء نظام تتبع للطائرات دون طيار من شركة إي إس جي، لمراقبة الأجسام الطائرة مجهولة الهوية التي تمر فوق مسارات الاختبار لتصوير النماذج، في محاولة واضحة للتجسس الصناعي.

ويعتبر الإرهاب هو جل ما يدور في ذهن الجميع، على سبيل المثال في الأحداث السياسية التي يجتمع فيها رؤساء الدول والحكومات أو في المؤتمرات الجماهيرية الكبرى.

وقد أظهر معرض تجاري أقيم مؤخرا في مدينة نورمبرغ الألمانية تحت اسم “حماية الحدود الخارجية”، مدى الاهتمام بالقطاع الأمني. وحضر المعرض خبراء من قطاعات الصناعة والنقل والطاقة والترفيه للوقوف على التطورات الجديدة في إقامة الأسوار والتحكم في الدخول والمراقبة بالفيديو.

ولأول مرة يخصص المنظمون منطقة خاصة لقسم تحديد هوية الطائرات دون طيار ووسائل الدفاع.

فوائد مختلفة للطائرة دون طيار

ويصف مارسيل روف مدير سجن حديث بمنطقة لينزبرج في كانتون أرجاو السويسري، ما سيحدث بعد ذلك. فإذا رصد نظام المراقبة طائرة دون طيار، يمكن للعاملين في إحدى غرف التحكم تحديد موقعها واتجاه سفرها، ثم يتم تنبيه موظفي السجن في الخارج للتحقق مما إذا كان الجسم الطائر يحمل بضائع.

وقال روف “إذا كان الأمر كذلك، فإن الطائرة دون طيار يجب أن تهبط في مكان ما، ثم نتحرك لتأمينها، أو أن نسقطها بمدفع قاذف للشباك، مثلما يقوم المرء بصيد حيوان صغير بشبكة”.

ويشار إلى أن إيقاع الطائرات دون طيار في الأسر يعتبر إجراء إشكاليا، بل إن إسقاطها يعد مشكلة أكبر، حيث أنه من الممكن أن يصاب الناس على الأرض.

وقال ياغر من شركة إي إس جي إن مبدأ التناسبية ينطبق هنا، مضيفا “فعندما أكون في المنزل وأقمت أحواضا مائية للأطفال وهم يلعبون في الحديقة، ثم يرسل الجيران طائرة دون طيار، فأنا لا ينبغي أن أطلق النار عليها، لكن بدلا من ذلك أتصل بالشرطة”، ولكن الاستجابة تتغير بتغير الظروف.

وتابع “فإذا كنت في تجمع سياسي وميركل على المنصة، يمكن إسقاط الطائرة دون طيار، لأن ذلك يتناسب (مع الحدث)”.

وأوضح أن “الوضع القانوني الحالي في ألمانيا ينص على أن الشرطة والجيش هما من يمكنهما القيام بذلك، ولكن ليس المدنيون”.

كما ينطبق وضع مشابه على التشويش وهو استخدام التداخل الإلكتروني لتعطيل إشارات اللاسلكي بين الموجه وطائرته دون طيار. ولا يمكن لأحد القيام بذلك غير السلطات المكلفة بالأمن، فيما يتم منع الشركات الخاصة من ذلك.

وقال ماركوس بيندل المسؤول عن الأمن في شركة دويتشه تليكوم، إن الشركة تدعو إلى أن يكون القانون أقل تقييدا بالنسبة للشركات الخاصة، طالما أن السلامة العامة لا تتعرض للخطر. وتجري محادثات مع السلطات الحكومية بهذا الشأن.

وأضاف بيندل أن “حماية 70 ألف متفرج في ملعب لكرة القدم أو 10 آلاف شخص في حدث ترفيهي لا يجب أن تتم عرقلته بسبب مشاكل حول المسؤول”.

ولا يعتبر الحديث عن استعمال الطائرات دون طيار لعدة أغراض أمرا مستجدا، فقد سبق أن أعربت العديد من الأطراف عن مخاوف من انحسار دور هذه الأجهزة الروبوتية الطائرة في أن تكون السلاح الأكثر فتكا منذ اختراع المدافع الرشاشة.

سلاح فتاك

زادت هذه المخاوف في ظل إنتاج نماذج أصغر حجما وأقل ثمنا، ويسهل التخلص منها بعد الاستخدام، ويمكنها التحليق منفردة أو في مجموعات تضم المئات أو ربما الآلاف منها، كما لو كانت أسرابا من الطيور.

ولو حصل بعض الأشخاص على عدد كاف من هذه الطائرات لتسييرها في آن واحد، فإنها قد تكون أكثر كفاءة من البشر في جوانب عديدة، إذ يمكنها أن تنقذ حياة أو أن تشكل قوة جماعية فتاكة في ساحة المعركة.

ووفقا لموقع بي بي سي البريطاني، فإن هذه الطائرات دون طيار يمكنها أن تتفوق على الأسلحة والمعدات التكنولوجية التي تستخدمها الجيوش منذ عقود، فقد يتم تحليق فرق من الطائرات رباعية المراوح دون طيار في أرجاء مدينة مزدحمة لجمع المعلومات، أو قد لا تصمد فرق الدبابات أمام هجوم هذه الطائرات الصغيرة التي يمكن أن تنقض عليها من جميع الجهات في الآن ذاته، وبينما يمكن إسقاط الطائرة التقليدية بقذيفة واحدة، فإن هذا السرب من الطائرات صغيرة الحجم لا يتأثر بفقدان أعداد كبيرة منه.

الطيارون في أنحاء العالم يقولون إنه من المحتمل أن يكون وجود طائرات دون طيار خطيرا بالقرب من المطارات القريبة، أو تعرض الجيش لمشاكل مع هذه الأجسام الطائرة عندما يكون في مهمات بالخارج

ولا يمكن حصر هذه الأسراب من الطائرات دون طيار في الاستخدام الحربي فقط، إذ يمكن أن تصبح شكلا معتادا في حياة البشر اليومية، من خلال الاستعانة بها في أغراض أخرى كتصوير حفلات الروك والعمل في المزارع، وهو ما حصل مؤخرا حيث ساهم الجانب الإيجابي لتكنولوجيا الطائرات دون طيار في حل أكبر مشكلة تواجهها البشرية، وزراعة ما يخسره العالم سنويا من أشجار جراء قطعها، إذ أظهرت طائرات درونز الذكية قدرة على تشجير الغابات بزراعة 100 ألف شجرة يوميا بتكلفة أقل وبكفاءة أعلى من البشر، بالإضافة إلى إمكانية الوصول إلى المناطق التي يصعب على الإنسان الوصول إليها، وذلك عن طريق التحكم عن بعد.

وبحسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي فنحو 15 مليار شجرة تُقطع سنويا، وفي المقابل يُزرع 9 مليارات شجرة كل سنة، وهذا يعني وجود عجز بنحو 6 مليارات شجرة، بالإضافة إلى أن استصلاح الغابات وزراعة الأشجار باليد العاملة البشرية تعتبر بطيئة جدا ومُكلفة.

ولهذا سخرت شركة بيو كربون البريطانية المتخصصة في صناعة الطائرات دون طيار، تكنولوجيا درونز للاستفادة منها في رسم خرائط للمناطق التي يصعب الوصول إليها في الغابات والتي تعاني من نقص في الزراعة، لتتمكن الطائرات من استصلاحها، حيث يُحلق روبوت في السماء، محدقا في الأرض ليحدد مساحة ونمط زراعة الأشجار بكفاءة عالية.

وهناك درونز أخرى تكون محملة بنباتات البذور لتغرسها في الأرض بمعدل واحدة لكل ثانية، بحد أقصى 100 ألف وحدة يوميا، وهذا يعني أن 60 درونز بإمكانها زراعة مليار شجرة يوميا، وتبلغ الحمولة القصوى لكل طائرة دون طيار 300 نبتة، لتغطي هكتارا خلال 19 دقيقة.

ويعتقد مهندسو الشركة البريطانية أن هذه الطريقة أسرع 10 مرات وأرخص 20 بالمئة من الزراعة بالاعتماد على اليد العاملة البشرية.

وقد تستخدم أسراب الطائرات دون طيار للتحقق من سلامة خطوط الأنابيب والمدفئ وخطوط نقل الطاقة الكهربائية، بأقل تكاليف.

وعلى الرغم من أن الطائرات دون طيار تستخدم منذ سنوات في عمليات الإنقاذ، فإن إرسال أسراب من تلك الطائرات الصغيرة قد ينقذ حياة أعداد أكبر من البشر.

ويطور معمل المركبات الجوية الصغيرة بجامعة دلفت للتكنولوجيا بهولندا سربا من “طائرات دون طيار في حجم الجيب”، كل واحدة منها أصغر من راحة اليد. وبإمكان هذه الطائرات أن تحلق في داخل المباني المتضررة بشدة التي يتعذر على فرق الإنقاذ البشري دخولها لتنفيذ عمليات البحث، ويمكنها الانتشار بحثا عن ناجين في أعقاب الزلازل أو غيرها من الكوارث.

كما أن القيادة العامة لشرطة إمارة دبي دشنت ديسمبر الماضي استخدام الطائرات دون طيار لمراقبة حركة المرور، وذلك لكشف الازدحامات خلال أوقات الذروة وتوجيه الدوريات لمتابعتها والعمل على عدم استمرار الاختناقات المرورية.

ووفقا لتوقعات باحثين أميركيين، فإن الطائرات دون طيار قد تعيش يوما ما بين البشر لتصبح جزءا من البيئة التي يعيشون فيها، شأنها شأن الحشرات.

12