تهديد الأطفال بالانتحار يجب أن يؤخذ على محمل الجد

الأحد 2016/08/21

كثيرا ما نسمع من مراهقين –خاصة – ومن شبان عن تهديدهم بالانتحار في حال لم يحصلوا على مطلبهم من الأهل، أو في حالات خاصة من رُهاب الدراسة حيث يخشون إلى حدّ الذعر من الفشل ومن خيبة أملهم وأمل أهلهم بمستوى تحصيلهم العلمي أو رسوبهم، وعادة لا يأخذ الأهل هذا التهديد على محمل الجدّ بل يعتبرونه نوعا من الغضب ووسيلة من وسائل الضغط على الأهل لتحقيق مطالب الأولاد.

ولكنّ الطب النفسي وخاصة الطب النفسي عند الأطفال بيّن أنّ على الأهل أن يأخذوا تماما على محمل الجد تهديد أطفالهم بالانتحار وبأن العديد من هؤلاء الأطفال يُقدمون على العديد من محاولات الانتحار والتي قد يفشل بعضها، ولكن غالبا ما تنجح محاولات أخرى. حتى أن علم نفس الطفل الحديث أثبت أن هنالك جينات أو مورثات خاصة بالانتحار، وثمة أسباب رئيسية تدفع الأطفال والمراهقين للانتحار وأوجز أهمها في:

1 - غالبا ما يكون الطفل حساسا بل مُرهف الإحساس ويتأثر بتقييم الآخرين له خاصة من قبل والديه، ويعيش ضغوطا نفسية كبيرة غالبا ما تكون ضغوطا غير واعية، إذ يخشى لحد المهانة أن يخيّب أملهما في علاماته المدرسية المتدنية، أو حين يقارنه الأهل بأقرانه الذين حققوا علامات أكثر منه، وأكبر خطأ يلجأ إليه الأهل حين يقارنون بين تحصيل ابنهم الدراسي (أي علاماته المدرسية) وعلامات أقرانه لأن هذا يُشعره بالدونية والارتباك ويقلل من ثقته بنفسه ويدفعه إلى الاكتئاب واليأس، وبما أنه مُرهف الإحساس فإن تلك المقارنة تنقلب إلى عقدة نفسية لا يستطيع جهازه العصبي محدود القدرة تحمل تلك الخيبة والصدمة فيلجأ إلى تصرف يائس وينتحر أو يحاول الانتحار.

وعلى الأهل أن يتقبلوا المستوى الذهني ومعيار الذكاء لدى أولادهم وأن يقبلوا أن ثمة أطفالا أكثر موهبة وذكاء منهم، وبأن النجاح المدرسي ليس المقياس الوحيد للنجاح، بل هنالك أنواع متعددة من النجاح، فكم من طلاّب لم يحققوا نجاحا مدرسيا لافتا لكنهم حققوا نجاحا في مجالات متعددة من الحياة العملية.

وأكبر خطأ يرتكبه الأهل هو المقارنة سواء بين ابنهم وأقرانه أو إخوته الآخرين، ولا أنسى حالة مراهق في الرابعة عشرة من عمره أقدم على ابتلاع عدة حبوب من الأسبرين لأنه خيّب أمل والده في الحصول على علامة تامة في الرياضيات في فحص الشهادة الإعدادية، وأدّى الأسبرين إلى إصابة المراهق بنزف معدي صاعق أدّى إلى وفاته.

2 - لا يجب على الأهل أو المسؤولين في المدرسة من مُدرسين أو مدراء اعتبار أن الأسباب التي يهدد بها المراهقون بالانتحار سخيفة، فهي سخيفة من وجهة نظرهم ككبار وعادة لا يأخذونها على محمل الجدّ، لكنها بالنسبة إلى طفل أو مراهق تُشكل تلك الأسباب أزمة وجودية كبيرة واختلالا بثقته بنفسه وبالحياة، وأذكر حالة شابة في السادسة عشرة من عمرها كانت تعاني من كبر زائد في حجم ثدييها وتسمع أمها تتحدث دوما أنها ستجري لها عملية تصغير لثدييها، غير عارفة تلك الأم أيّ أذى نفسي يسببه كلامها في روح ابنتها وأي إحساس بكره الشابة لجسدها وبأنه يفتقد للنسب الجمالية المتعارف عليها، وأدّى تراكم معاناة المراهقة وإحباطها وعدم وجود من تشكو إليه همّها ومعاناتها النفسية إلى انتحارها بعد أن كتبت عبارة لأمها تقول فيها “أنا لا أستحق حبك”.

إذن من أكبر الأخطاء اعتبار أن الأسباب التي تدفع الأطفال والمراهقين للانتحار أسباب سخيفة! إذ لا يوجد سبب سخيف بالنسبة إلى براعم الحياة الذين لا يملكون خبرة ومتانة نفسية تؤهلهم لحلّ أزمات أنفسهم، خاصة أن استشارة الطبيب النفسي في عالمنا العربي غير مُعتادة ويُنظر إليها كعار وكما لو أن من يستشير الطبيب النفساني مختل عقلي، وغالبا ما تتم استشارته سرا وباسم مستعار.

وفي المجتمعات المتطورة والتي تهتم بالصحة النفسية للطلاب كاهتمامها بالصحة الجسدية تماما، يخضع الأطفال في بداية كل عام دراسي لاختبارات نفسية تبيّن الأزمات النفسية التي يُعانون منها، والأهم أن يتم الحوار بين الطبيب النفسي والأهل الذين غالبا ما يعتبرون العملية التربوية سلسلة مواعظ (غير منتبهين أنهم، أي الأهل، هم أنفسهم من يناقض سلسلة المواعظ التربوية لأطفالهم!) ولا يخفى على أحد أنواع الجرائم المروعة التي يرتكبها بعض المراهقين، حين يقدم بعضهم على قتل العشرات من الطلاب في مدرسة أو مكان عبادة باستعمال الرصاص، وهؤلاء المجرمون القاصرون بالتأكيد كانت لديهم أزمات نفسية فظيعة في طفولتهم لم ينتبه إليها أحد من ذويهم أو أساتذتهم، وثمّة إشارات أو علامات تبدو غير ذات قيمة لكن لها دلالة كبيرة في الطب النفسي، فأحد هؤلاء المجرمين القُصّر كان مولعا في طفولته بحبس القطط الصغيرة في دورق زجاجي محكم الإغلاق والاستمتاع برؤيتها تختنق حتى الموت. وكانت أمه تضحك معتبرة ابنها يتمتع بهواية غريبة! فهو يقتل مجرّد حيوان. ولكن لذلك دلالة إجرامية وطاقة عدوانية كبيرة يملكها هذا الطفل.

ويقول الطب النفسي إنه لا يُمكن اعتبار الإنسان صحيحا نفسيا وجسديا ما لم يخضع لاختبارات دقيقة في الطب النفسي. فكم من طفل أو مراهق في عالمنا العربي خضع لهذه الاختبارات! والأهم يجب أن يأخذ الأهل تهديد أولادهم بالانتحار على محمل الجدّ.

كاتبة من سوريا

21