تهديد الاخوان لمصر.. تهديد لكل دولة عربية

الأربعاء 2013/09/04

لم يخطئ العرب الشرفاء في التركيز على مصر، إن عبر المساعدات والدعم السياسي والاقتصادي وإن عبر الزيارات المباشرة لها، إنها زيارات ذات بعد استراتيجي نظرا لأنّها تؤكد مدى التزام الحفاظ على أمن الدولة العربية الأكبر.

كانت زيارة الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي الأخيرة للقاهرة دليلا آخر على مدى عمق الالتزام العربي بأمن مصر ومستقبلها. أكثر من ذلك، جاءت الزيارة لتؤكد وجود استيعاب عربي لأهمية حماية مصر من الخطر الإخواني من جهة، ولما هو على المحكّ إقليميا من جهة أخرى. فعندما تكون مصر مهدّدة، تصبح كلّ دولة عربية مهدّدة.

ما حصل ويحصل في مصر تطوّر إيجابي في غاية الأهمّية على الصعيد الإقليمي. بدأت تظهر انعكاسات هذا التطوّر على المنطقة كلّها وليس على مصر وحدها. هناك دول عدة في المنطقة تستفيد حاليا من انكشاف الإخوان المسلمين، أكان ذلك في الخليج أو فلسطين.. أو تونس وليبيا واليمن والأردن، وحتى في سوريا التي يواجه شعبها نظاما ظالما عمل كلّ شيء من أجل استعباده وإذلاله.

أظهر الشعب المصري، الذي ثار على محاولة «أخونة» مصر، أنه شعب أصيل يمكن المراهنة عليه، خصوصا أنه لم تنطل عليه ألاعيب المتاجرين بالدين والشعارات البرّاقة. وقف الشعب المصري خلف المؤسسة العسكرية. وقف خلف خارطة الطريق التي أعلن عنها وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي الذي وعد بتصحيح خط سير «ثورة الخامس والعشرين من يناير» بما يضمن عدم تعرّضها للخطف مجددا.

قام الشعب المصري في الثلاثين من حزيران- يونيو الماضي بثورة من داخل الثورة. أسقط الرئيس الإخواني محمّد مرسي بعدما تعمّد الأخير تعريض مصر للخطر. كانت مصر كلّها في خطر. كان البلد العربي الأهمّ على كفّ عفريت، بعد سنة من حكم الإخوان المسلمين أصرّوا خلالها على تعطيل كلّ مرافق الدولة والقضاء على القوى الحيّة في المجتمع. كذلك أصرّوا على خنق العملية الديمقراطية التي لا تزال طريّة العود. أرادوا القضاء على عملية التحوّل الديمقراطي وإقامة نظام ديكتاتوري بتغطية من صناديق الاقتراع كما هو الحال في إيران.

بكلام أوضح، أرادوا إقامة نسخة إيرانية عن حكم «المرشد» الإيراني.. في مصر. هذا ما فهمه الشعب المصري جيّدا، وفهمه معه العرب الواعون الذين سارعوا إلى دعم مصر بقوة ومن دون تردد.

من هذا المنطلق، لم تكن الثورة التي عبّرت عنها تظاهرات الثلاثين من حزيران- يونيو تستهدف الاعتراض على صناديق الاقتراع التي جاءت بمرسي رئيسا للجمهورية. كانت الثورة ثورة شعب على محاولات الإخوان تغيير طبيعة المؤسسات المصرية وطبيعة المجتمع، كما حصل في غزّة، حتى يضمنوا الفوز في أي انتخابات مقبلة.

من الواضح حاليا أن هناك وعيا لدى المصريين بأهمية التحديات التي تواجه أرض الكنانة. ولذلك، يفترض في المشرفين على المرحلة الانتقالية العمل الجدّي لشرح أهمية عدم سقوط مصر في يد الاخوان. يفترض في هؤلاء، حتى لو كانوا مدعومين من المؤسسة العسكرية، تأكيد أن لا عودة إلى نظام العسكر الذي استمر ستين عاما، والذي أخذ مصر من كارثة إلى أخرى والذي جعل من مصر، في السنوات الأخيرة من عهد الرئيس حسني مبارك، تحت تأثير التخلف الآتي من غزة.

تبدو غزّة، «الإمارة الطالبانية» التي يتحكّم بها الإخوان، بين أهمّ التحديات التي تواجه المصريين. إما أن تؤثر مصر في غزة، أو أن تؤثر غزّة في مصر. من الواضح أن الإخوان المسلمين في غزّة، ممثلين بـ»حماس» ومن على شاكلتها يدركون ذلك جيدا. ويدركون خصوصا أن لا مستقبل للتخلف في القطاع في حال كانت مصر معافاة. وهذا ما يفسّر إلى حدّ كبير التصعيد في سيناء، وصولا إلى محاولة تعطيل الملاحة في قناة السويس، والاعتداء على المركز الثقافي المصري في غزّة نفسها حيث لا يزال يوجد موظفون مصريون.

يعرف العرب الشرفاء أنه عندما تكون مصر بخير، لا يمكن لدول المنطقة إلا أن تكون بخير أيضا. فقد كشفت التجربة الفاشلة والبائسة للإخوان في مصر، وحركة «النهضة» في تونس، وإسلاميي ليبيا، والإخوان في الأردن واليمن ومنطقة الخليج، بما في ذلك الكويت. وكشفت خصوصا مدى ارتباط «حماس» بالتنظيم الإخواني وإلى أيّ حد تبدو مستعدة للذهاب في الدفاع عن محمّد مرسي ومن لفّ لفّه.

سيتبيّن مع مرور الوقت كم كان ضروريا دعم العرب، على رأسهم دولة الإمارات والسعودية والكويت والأردن، للثورة المصرية، وذلك بغض النظر عن مواقف إدارة أميركية ساذجة… أو متذاكية أكثر مما يجب، على رأسها رئيس حائر كلّ الوقت اسمه باراك أوباما.

أخيرا، أخذ العرب الشرفاء أمورهم بأيديهم، وقالوا بالفم الملآن أن مصلحتهم ومصلحة الاستقرار في المنطقة تقتضيان التصرّف بما يمليه الضمير وليس التصرّفات والسياسات الأميركية التي لا علاقة لها سوى بحماية اسرائيل.. حتى لو كانت هذه الحماية عن طريق مسايرة الإخوان المسلمين بكلّ ما يمثلونه من تخلّف على كل صعيد.

فوق ذلك كلّه، كشفت مصر تركيا والدور التركي في المنطقة. كان هناك نوع من التفهّم للدور التركي على الصعيد الإقليمي بعدما اتخذت أنقرة موقفا واضحا منحازا للشعب السوري وثورته. ظهر مع الوقت أن لتركيا حسابات مرتبطة بدور الإخوان المسلمين أكثر بكثير مما هي مرتبطة بالعملية الديمقراطية ومواجهة الظلم وما يتعرّض له السوريون. نجح الأتراك ممثلين بحكومة رجب طيب أردوغان نصف نجاح في سوريا. لكنّهم فشلوا فشلا ذريعا في مصر. فتركيا قصة نجاح اقتصادي أكثر من أيّ شيء آخر. ليس مفهوما إلى الآن، كيف يمكن لتركيا أن تدعم نظاما في مصر أمضى سنة في أخذ البلد إلى الخراب، سياسيا واقتصاديا وحضاريا واجتماعيا؟ هل يبرر وجود الإخوان على رأس هذا النظام غض النظر عن كلّ مساوئه، بما في ذلك مغازلته لإيران من أجل ابتزاز الدول العربية في الخليج؟

يمكن تعداد ألف سبب وسبب لتأكيد كم كان التغيير ضروريا في مصر. ولكن يبقى السبب الأهمّ أنّ مصر القويّة، بكلّ ما تمثله، ضرورة، وأن استعادتها من الإخوان المسلمين كان حاجة إقليمية وعربية أكثر من أي شيء آخر. ما تحقق بفضل شجاعة بعض العرب لا يمكن الاستخفاف به بأي شكل. ولا شكّ أن الأيام القليلة المقبلة كفيلة بتأكيد ذلك.


إعلامي لبناني

8