تهديم المقامات والأضرحة: ابن تيمية تصوراته تخص زمنه

الثلاثاء 2014/08/12
الجماعات المتطرفة غريبة عن الزمن الحالي

عمان - يكاد يجمع المتعصبون، من الجماعات الدينية المتطرفة، على تبني نهج ومقالات الشيخ أحمد بن تيمية، المتوفى سنة 728 للهجرة. كمقالات التكفير والتشدد ضد الغير، سواء أكانوا من مذاهب المسلمين الأُخر أم مِن بقية الأديان، ومَن يطلع على مجلدات فتاواه الكبرى سيجد الكثير من هذه الفتاوى. فما مورس من قتل (المخالفين) وتهديم المقامات والأضرحة أتى واضحا في فتاواه.

لكنَّ ما لا يعرفه الكثيرون أن فتاوى وآراء الشيخ ابن تيمية، التي يعتمدها هؤلاء الغلاة، صدرت في زمن هجوم المغول وتقدمهم إلى ديار المسلمين، وذلك في القرن السابع الهجري الموافق للثالث عشر الميلادي، وما يحتاج ذلك من صرامة دينية أو فقهية إلى جانب أن العديد من الفتاوى في تكفير الآخرين جاءت بمزاج تلك الفترة، وأنها عبارة عن إجابات لأسئلة، وأن المفتي بتلك الفتاوى لم يتحقق من عقائد الناس سوى أن يبني فتاواه على ما يأتي حولهم من المستفتين.

لعل أكثر الحاضرين في ذهن الجماعات المتطرفة هو فكر أو تراث ابن تيمية ثم تلميذه الشيخ ابن قيم الجوزية، المتوفى سنة 751 للهجرة. وربما كانت كتب الأخير أكثر قراءةً بين أيدي أعضاء هذه الجماعات. وما عاشه ابن تيمية من عصر مضطرب وفاجع بالنسبة إلى المسلمين جميعا، وهو يشارك في التحريض من أجل حماية الشام من زحف المغول، عاشه أيضا تلميذه، وقد تعرض الاثنان للسجن والنفي، فالأول سُجن والثاني أبعد إلى مصر.

بعد الأستاذ والتلميذ يأتي دور تركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، المتوفى سنة 1792 ميلادية، وربما كان الأخير أكثر تشددا من سلفيه، وهو أيضا كان بهدف تأسيس دولة وكبح الخرافات، أو ما عبر عنه بعبدة الشرك، مثلما تصوره هو وأتباعه، فجاءت تعاليمه من التشدد، الذي يتماهى مع روح الصحراء، فكانت البداية في نجد، بعد أن فشلت في البصرة.

لذا يمكن اعتبار هذه الأفكار غير مناسبة لهذا العصر، المختلف كلية من حيث التطور الاجتماعي والتقارب الدولي والتشابك في المصالح بين العرب والغرب، تلك الأفكار التي يلتزم بها أتباع الجماعات المتشددة من القاعدة بقيادة أُسامة بن لادن وأيمن الظواهري، ثم جماعة النصرة، والجماعة التي عُرفت بداعش. ولم يسلم الإخوان المسلمون من هذا التأثير، وخصوصا بعد اللقاء بالسلفية الوهابية، وظهور أفكار سيد قطب.

إن النظر إلى هذه الجماعات بالمتخلفة بأصوليتها، ما هو إلا غربتها عن الزمن الحالي، وموافقتها للزمن الماضي، الذي لم يكن العالم فيه متساويا إلى حد ما من ناحية درجة التطور الحضاري، فبعد ضعف الخلافة العباسية، وخفوت ألقها الحضاري، تدهورت الأوضاع كثيرا، فلم تعد تلك الفترة تنتج فكرا كما أنتجته الفترات السابقة.

إن هذه الجماعات التي روضت أتباعها على مستوى حضاري مفارق للحاضر تماما، ليس بيدها ما يتناسب مع مستوى عقليتها أكثر من تعاليم وفتاوى ابن تيمية وتلاميذه، فلو حصل وعاش الشيخ المذكور في هذا الزمان فليس له أن يتحدث بتلك اللغة، أما فقهاء التشدد الحاليون، فلم يخرجوا عن تعاليمه بشيء، أكثر من الصرامة في تقليده، حتى لا يمكننا القول إنهم عادوا إلى الإسلام الأول، إسلام النبي والخلفاء الراشدين، لأن أولئك، مع ما كانوا يعشيون من فترة قريبة على الجاهلية، نجد لديهم الكثير من الانفتاح وتجاوز النصوص. خلاصة القول إن هذه الجماعات قد تجاوزت الإسلام الأول وقفزت إلى إسلام ابن تيمية الذي هو نتاج فترة مضطربة، أهم سماتها الزحف المغولي على ديار المسلمين.

1